×

السوق السوداء للألقاب الأكاديمية

السوق السوداء للألقاب الأكاديمية

في زمنٍ تُقاس فيه الأمم بقدرتها على إنتاج المعرفة، لم يعد التهديد الذي يواجه التعليم العالي محصورًا في نقص الموارد أو تراجع البنية التحتية، بل تجاوز ذلك ليصل إلى جوهر العملية الأكاديمية نفسها. خلف واجهة الجامعات والمراكز البحثية، يتشكل بصمتٍ سوقٌ خفيّ يتاجر في العقول قبل الأوراق، ويُعيد تشكيل مفهوم الاستحقاق العلمي وفق منطق العرض والطلب، لا الجهد والكفاءة. . هذا التحقيق يفتح أبواب هذا العالم المظلم، كاشفًا خريطته وآلياته وشبكاته التي تمتد عبر الفضاء الرقمي والواقع معًا، حيث تتقاطع مصالح مزودين يسعون للربح، ومشترين تدفعهم الضغوط أو الطموحات السريعة أو حتى العجز. كما يتناول أوجه القصور داخل المؤسسات التعليمية، التي قد تُسهم—بشكل مباشر أو غير مباشر—في اتساع هذه الظاهرة، سواء عبر ضعف الرقابة أو التركيز على الكم بدل الجودة..  في هذا التحقيق نسلط الضوء على الظاهرة ونفككها  إ ونستمع  إلى أصوات من داخلها، نطرح مسارات ممكنة للمواجهة، علّ المعرفة تعود إلى مكانها الطبيعي: قيمة تُبنى، لا سلعة تُشترى.

 دكتوراة بالتسعيرة 

ونخبة مزيفة  تقود مؤسسات الدولة!

تحقيق : منى الشلحي

من هنا كانت لنا لقاءات مع اعضاء هيئة التدريس في بعض الجامعات وخريجين لهم وجهات نظر حول هذا الموضوع

البداية حدثنا الدكتور  #د. محمد  سريبه عضو هيئة التدريس كلية الاقتصاد والعلوم السياسية صرمان.. وكان سؤالنا  إلى أي مدى أصبح تزوير الشهادات وشراء البحوث ظاهرة منظمة داخل ما يُعرف بـ“السوق الخفي”، وكيف يتم تشغيلها وانتشارها؟

‭. ‬نعم‭ ‬لقد‭ ‬تحولت‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬ظاهرة‭ ‬تزوير‭ ‬الشهادات‭ ‬العليا‭ ‬وشراء‭ ‬البحوث‭ ‬الجاهزة‭  ‬ومنها‭ ‬ليبيا‭ ‬إلى‭ ‬سوق‭ ‬خفي‭ ‬شبه‭ ‬منظم‭ ‬حتى‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬ظاهرة‭ ‬تهدد‭ ‬العملية‭ ‬البحثية‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الجامعات‭ ‬الليبية‭ ‬وتمس‭ ‬الأمانة‭ ‬العلمية‭ ‬بل‭ ‬وتمنح‭ ‬فرصة‭ ‬لمن‭ ‬لا‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬عضو‭ ‬هيئة‭ ‬تدريس‭ ‬الامر‭ ‬الذي‭ ‬سوف‭ ‬ينعكس‭ ‬وبشكل‭ ‬خطير‭ ‬على‭ ‬مخرجات‭ ‬العملية‭ ‬التعليمة‭ ‬إذا‭ ‬استمرت‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬ولم‭ ‬يتم‭ ‬مواجهتها‭ ‬بشجاعة‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬المختصة‭.‬

للأسف‭ ‬أصبحت‭ ‬مكاتب‭ ‬ومجموعات‭ ‬على‭ ‬فيسبوك‭ ‬وتيليجرام‭ ‬تعرض‭ ‬في‭ ‬رسالة‭ ‬ماجستير‭ ‬في‭ ‬48‭ ‬ساعة‭ ‬أو‭ ‬شهادة‭ ‬دكتوراه‭ ‬معتمدة‭ ‬بتسعيرة‭ ‬تبدا‭ ‬من‭ ‬بحث‭ ‬تخرج‭ ‬في‭ ‬المرحلة‭ ‬الجامعية‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬500‭ ‬دينار‭ ‬إلى‭ ‬أطروحة‭ ‬دكتوراه‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬ألاف‭ ‬الدينار‭ ‬حيث‭ ‬يتم‭ ‬

تشغيل‭ ‬هذه‭ ‬المكاتب‭ ‬عبر‭ ‬كتاب‭ ‬مأجورين‭ ‬أو‭ ‬أكاديمي‭ ‬متعثر‭ ‬ماديا‭ ‬ينفذ‭ ‬لهم‭ ‬هذا‭ ‬العمل،‭ ‬أو‭ ‬أستاذ‭ ‬داخل‭ ‬مؤسسه‭ ‬جامعية‭ ‬يمرر‭ ‬المناقشة‭ ‬أو‭ ‬يعادل‭ ‬الشهادة‭ ‬المزورة‭ ‬وهذا‭ ‬للأسف‭ ‬يتطلب‭ ‬إعادة‭ ‬فحص‭ ‬مخرجات‭ ‬مركز‭ ‬ضمان‭ ‬الجودة‭ ‬لأن‭ ‬عندما‭ ‬يقدم‭ ‬عضو‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس‭ ‬شهادة‭ ‬معادلة‭ ‬للشهادة‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬يحق‭ ‬للجامعة‭ ‬رفضه‭ ‬أو‭ ‬الاعتراض‭ ‬لانه‭ ‬قد‭ ‬تحصل‭ ‬على‭  ‬رخصة‭ ‬فنية‭ ‬من‭ ‬ضمان‭ ‬الجودة‭ .‬

بعد‭ ‬2011‭ ‬وانتشار‭ ‬الفوضى‭ ‬الإدارية‭ ‬وتعدد‭ ‬مراكز‭ ‬إصدار‭ ‬المعادلات‭ ‬وضعف‭ ‬الربط‭ ‬الإلكتروني‭ ‬بين‭ ‬الجامعات،‭ ‬كلها‭ ‬خلقت‭ ‬بيئة‭ ‬خصبة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬تحديداَ‭ ‬ساهم‭ ‬الانقسام‭ ‬المؤسسي‭ ‬في‭ ‬تسهيل‭ ‬تمرير‭ ‬شهادات‭ ‬من‭ ‬جامعات‭ ‬وهمية‭ ‬خارجية‭ ‬عبر‭ ‬مكاتب‭ ‬ما‭ ‬يسمي‭ “‬مكاتب‭ ‬خدمات‭ ‬تعليمي‭”.‬

#. ما أبرز الثغرات داخل المؤسسات التعليمية التي تسمح بمرور الأبحاث غير الأصلية أو التغاضي عنها؟

‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬غياب‭ ‬برامج‭ ‬كشف‭ ‬الاستلال‭ ‬أو‭ ‬أحيانا‭ ‬يتم‭ ‬استخدامها‭ ‬شكليا‭. ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬المجاملات‭ ‬أو‭ ‬أحيانا‭ ‬اختيار‭ ‬أعضاء‭ ‬عباره‭ ‬عن‭ ‬حضور‭ ‬صوري‭ ‬أو‭ ‬اختيار‭ ‬مشرف‭ ‬أو‭ ‬مناقش‭ ‬من‭ ‬نفس‭ ‬الدائرة‭ ‬وهذا‭ ‬للأمانة‭ ‬حقيقة‭ ‬موجودة،‭ ‬بالإضافة‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬ربط‭ ‬بين‭ ‬الجامعات‭ ‬والمكتبة‭ ‬الوطنية‭ ‬بشأن‭ ‬العناوين‭ ‬لان‭ ‬كثيرا‭ ‬ما‭ ‬يتكرر‭ ‬نفس‭ ‬الموضوع‭ ‬فقط‭ ‬تغيير‭ ‬الغلاف‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ضعف‭ ‬أليات‭ ‬التدقيق‭ ‬في‭ ‬بحوث‭ ‬الترقيات‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬تقدم‭ ‬جاهزة‭ ‬للبعض‭ ‬أعضاء‭ ‬هيئة‭ ‬التدريس‭ ‬مما‭ ‬يشجعهم‭ ‬على‭ ‬شراء‭ ‬بحوث‭ ‬جاهزة‭ ‬لان‭ ‬أدوات‭ ‬التقييم‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬وليس‭ ‬نقاش‭ ‬مع‭ ‬صاحب‭ ‬البحث‭ ‬للتأكد‭ ‬بأن‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬انجز‭ ‬ذلك‭ ‬البحث‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬الترقية‭.‬

 كيف يؤثر انتشار هذه الظاهرة على مصداقية التعليم العالي وجودة الخريجين في المجتمع؟

نعم‭ ‬أن‭ ‬انتشار‭ ‬ظاهرة‭ ‬الشهادات‭ ‬المزورة‭ ‬والبحوث‭ ‬الجاهزة‭ ‬في‭ ‬الترقيات‭ ‬سوف‭ ‬ينعكس‭ ‬أولا‭ ‬على‭ ‬مسألة‭ ‬الثقة‭ ‬وهذا‭ ‬سوف‭ ‬يؤدي‭ ‬بالمواطن‭ ‬وصاحب‭ ‬العمل‭ ‬إلى‭ ‬التشكيك‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الشهادات‭ ‬وهنا‭ ‬تضيع‭ ‬قيمة‭ ‬المجتهد‭ ‬مع‭ ‬المزور‭. ‬بالإضافة‭  ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬ضعف‭ ‬مخرجات‭ ‬لان‭ ‬خريج‭ ‬بشهادة‭ ‬مزورة‭ ‬ويدخل‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬الوظيفة‭ ‬العامة‭ ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬المهارة‭ ‬وهنا‭ ‬تتراجع‭ ‬جودة‭ ‬الخدمات‭ ‬التعليمية‭ ‬أو‭ ‬غيرها‭ ‬من‭ ‬الخدمات‭. ‬كما‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يؤدي‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬هجرة‭ ‬العقول‭ ‬العكسية‭ ‬لأن‭ ‬الطالب‭ ‬الجاد‭ ‬يشعر‭ ‬أن‭ ‬تعبة‭ ‬بلا‭ ‬قيمة،‭ ‬فيغادر‭ ‬أو‭ ‬يحبط‭ ‬ويبعث‭ ‬عن‭ ‬مكان‭ ‬اخر‭ ‬ربما‭ ‬خارج‭ ‬الوطن‭.   

الحقيقة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬بأن‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬موجودة‭ ‬وأصبحت‭ ‬تتكرر‭ ‬بشكل‭ ‬فاضح‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬شهادات‭ ‬عليا‭ ‬من‭ ‬جامعات‭ ‬وهمية‭ ‬وخاصة‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬الشهادة‭ ‬فقط‭ ‬مقابل‭ ‬دفع‭ ‬القيمة‭ ‬وتعال‭ ‬اخر‭ ‬يوم‭ ‬لمناقشة‭ ‬صورية‭ ‬ثم‭ ‬تعرض‭ ‬على‭ ‬مركز‭ ‬ضمان‭ ‬الجودة‭ ‬ويتحصل‭ ‬على‭ ‬معادلة‭ ‬الشهادة‭ ‬وهنا‭ ‬تكمن‭ ‬جوهر‭ ‬المشكلة‭ ‬الامر‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬من‭ ‬مركز‭ ‬ضمان‭ ‬الجودة‭ ‬تشكيل‭ ‬لجان‭ ‬والعمل‭ ‬على‭ ‬التأكد‭ ‬من‭ ‬مصداقية‭ ‬هذه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الوهمية‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬في‭ ‬شهادات‭ ‬يمين‭ ‬ويسار‭.‬،‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬سوف‭ ‬يحول‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬التي‭ ‬يفترض‭ ‬أن‭ ‬تنتج‭ ‬النخبة‭ ‬

 بورصة الشهادات المأجورة 

تجتاح فيسبوك وتليجرام

تتحول‭ ‬إلى‭ ‬حاضنة‭ ‬لتزييف‭ ‬النخبة‭ ‬المزورة‭ ‬مما‭ ‬يعكس‭ ‬قرارات‭ ‬عامة‭ ‬مبنيه‭ ‬على‭ ‬كفاءات‭ ‬ورقية‭ ‬والمواطن‭ ‬هنا‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يدفع‭ ‬الثمن‭ ‬والدليل‭ ‬في‭ ‬الصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والإدارة‭ ‬واقع‭ ‬اليوم‭. ‬

خلاصة القول 

التزوير‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬اليوم‭ “‬غش‭ ‬طالب‭ ‬فقط‭” ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬عمل‭ ‬منظم‭ ‬وفق‭ ‬منظومة‭ ‬عرض‭ ‬وطلب‭ ‬بالمفهوم‭ ‬الاقتصادي‭ ‬تستغل‭ ‬ثغرات‭ ‬رقابية‭ ‬وتشريعية‭ ‬الامر‭ ‬الذي‭ ‬يتطلب‭ ‬وضع‭ ‬ضوابط‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬تقديري‭ ‬في‭ ‬ثلاثة‭ ‬نقاط‭ ‬رئيسية‭ ‬يمكن‭ ‬البناء‭ ‬عليها‭ ‬

1‭ .. ‬وضع‭ ‬نظام‭ ‬وطني‭ ‬إلكتروني‭ ‬للرسائل‭ ‬مع‭ ‬معايير‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الاستلال‭.‬

2‭.. ‬تجريم‭ ‬واضح‭ ‬للبائع‭ ‬والمشتري‭ ‬والممرر‭.‬

3‭..  ‬ربط‭ ‬الترقية‭ ‬والتوظيف‭ ‬بامتحان‭ ‬كفاءة‭ ‬عملي‭ ‬وليس‭ ‬بالورق‭ ‬فقط‭.‬

اما الدكتورد. فوزي محمد علي عقيل .. عميد مدرسة العلوم التطبيقية والهندسية  . الاكاديمية الليبية للدراسات العليا -فرع الخمس ..حدثنا عن تقييم قدرة الجامعات على مواجهة شبكات تزوير البحوث والشهادات

من‭ ‬خلال‭ ‬القراءة‭ ‬الواقعية‭ (‬وليس‭ ‬النظرية‭)‬،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬قدرة‭ ‬الجامعات‭ ‬على‭ ‬المواجهة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محدودة‭ ‬ومجزأة،‭ ‬وذلك‭ ‬لعدة‭ ‬أسباب‭ ‬بنيوية‭:‬

أولها‭  ‬تحوّل‭ ‬التزوير‭ ‬من‭ ‬سلوك‭ ‬فردي‭ ‬إلى‭ ‬“شبكات‭ ‬منظمة”

لم‭ ‬يعد‭ ‬الغش‭ ‬الأكاديمي‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬طالب‭ ‬ينسخ‭ ‬بحثًا،‭ ‬بل‭ ‬تطور‭ ‬إلى‭ ‬صناعة‭ ‬منظمة‭ ‬تضم‭ ‬وسطاء‭ ‬يبيعون‭ ‬رسائل‭ ‬الماجستير‭ ‬والدكتوراه،‭ ‬ومنصات‭ ‬تقدم‭ ‬كتابة‭ ‬الأبحاث‭ ‬حسب‭ ‬الطلب،‭ ‬والنشر‭ ‬في‭ ‬مجلات‭ ‬وهمية،‭ ‬وتوفير‭ ‬بيانات‭ ‬مزيفة،‭ ‬فيما‭ ‬يُعرف‭ ‬بـ‭ ‬“صناعة‭ ‬الغش‭ ‬الأكاديمي”‭ (‬Academic‭ ‬Ghostwriting‭ ‬Industry‭). ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تبدو‭ ‬الجامعات‭ ‬عاجزة،‭ ‬لأن‭ ‬أدواتها‭ ‬صُممت‭ ‬لمواجهة‭ ‬مخالفات‭ ‬فردية‭ ‬لا‭ ‬شبكات‭ ‬احترافية‭.‬

ومع‭ ‬تطور‭ ‬تقنيات‭ ‬إعادة‭ ‬الصياغة،‭ ‬وتوليد‭ ‬نصوص‭ ‬تبدو‭ ‬أصلية،‭ ‬وتلفيق‭ ‬بيانات‭ ‬يصعب‭ ‬التحقق‭ ‬منها،‭ ‬أصبحت‭ ‬برامج‭ ‬كشف‭ ‬الانتحال‭ ‬فعالة‭ ‬في‭ ‬رصد‭ ‬النسخ‭ ‬المباشر،‭ ‬لكنها‭ ‬محدودة‭ ‬القدرة‭ ‬أمام‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ”التزوير‭ ‬الذكي”‭.‬

‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تفاقم‭ ‬غياب‭ ‬التكامل‭ ‬المؤسسي‭ ‬الأزمة،‭ ‬إذ‭ ‬تفتقر‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الجامعات‭ ‬إلى‭ ‬قواعد‭ ‬بيانات‭ ‬وطنية‭ ‬موحدة،‭ ‬وربطٍ‭ ‬بين‭ ‬المؤسسات،‭ ‬ووحدات‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬نزاهة‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬كل‭ ‬جامعة‭ ‬تعمل‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الأخرى،‭ ‬بينما‭ ‬تنشط‭ ‬شبكات‭ ‬التزوير‭ ‬عبر‭ ‬المؤسسات‭.‬

وتزداد‭ ‬المشكلة‭ ‬تعقيدًا‭ ‬عندما‭ ‬تتدخل‭ ‬الواسطة‭ ‬والمحسوبية،‭ ‬فتُعطل‭ ‬بعض‭ ‬إجراءات‭ ‬المساءلة‭ ‬أو‭ ‬تُمرر‭ ‬حالات‭ ‬الاشتباه،‭ ‬فتتحول‭ ‬الرقابة‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬لحماية‭ ‬النزاهة‭ ‬إلى‭ ‬إجراء‭ ‬شكلي‭. ‬لذلك،‭ ‬تبقى‭ ‬الجامعات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬كشف‭ ‬المخالفات‭ ‬الفردية‭ ‬البسيطة،‭ ‬لكنها‭ ‬أقل‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬شبكات‭ ‬التزوير‭ ‬المنظمة،‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬الحوكمة‭ ‬وجمود‭ ‬أدوات‭ ‬المواجهة‭ ‬أمام‭ ‬تطور‭ ‬الظاهرة‭.‬

2‭. ‬أثر‭ ‬سياسات‭ ‬“عدد‭ ‬الأبحاث‭ ‬والترقيات”‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬الإنتاج‭ ‬العلمي

هنا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬حاسمين‭:‬

نعم،‭ ‬هذه‭ ‬السياسات‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬غذّت‭ ‬الظاهرة‭.‬

أولًا‭: ‬من‭ ‬“إنتاج‭ ‬المعرفة”‭ ‬إلى‭ ‬“تكديس‭ ‬المنشورات”

إن‭ ‬ربط‭ ‬تقييم‭ ‬الأكاديمي‭ ‬بعدد‭ ‬الأبحاث‭ ‬المنشورة‭ ‬وسرعة‭ ‬الترقية،‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬جودة‭ ‬الإنتاج‭ ‬العلمي‭ ‬وأثره،‭ ‬يكرّس‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬عالميًا‭ ‬بثقافة‭ ‬“انشر‭ ‬أو‭ ‬تندثر”‭ (‬Publish‭ ‬or‭ ‬Perish‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬ثقافة‭ ‬تدفع‭ ‬نحو‭ ‬تضخم‭ ‬كمي‭ ‬يقابله‭ ‬تراجع‭ ‬نوعي‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭.‬

ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬هذا‭ ‬الضغط،‭ ‬تنشأ‭ ‬سوق‭ ‬موازية‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي،‭ ‬تتسع‭ ‬فيها‭ ‬ممارسات‭ ‬مثل‭ ‬شراء‭ ‬الأبحاث،‭ ‬والاستعانة‭ ‬بكتّاب‭ ‬خفيين،‭ ‬والنشر‭ ‬في‭ ‬مجلات‭ ‬ضعيفة‭ ‬

تغول ضمان الجودة يكبل الجامعات : شهادات معادلة

 تسلب حق الاعتراض!

فــــي اهتــزاز الاعتــراف الخارجي بالخريج الليبي ؟

جامعاتنا تقاوم شيكات التزوير بالأختام

 والذكاء الاصطناعي يلتف على كواشف الانتحال !

أو‭ ‬وهمية،‭ ‬بما‭ ‬يحول‭ ‬المعرفة‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭ ‬تخضع‭ ‬لقانون‭ ‬العرض‭ ‬والطلب‭.‬

ولا‭ ‬تقف‭ ‬التداعيات‭ ‬عند‭ ‬هذا‭ ‬الحد،‭ ‬بل‭ ‬تمتد‭ ‬إلى‭ ‬إضعاف‭ ‬القيم‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬إذ‭ ‬تتراجع‭ ‬النزاهة‭ ‬لصالح‭ ‬ثقافة‭ ‬التحايل،‭ ‬بينما‭ ‬تغفل‭ ‬معايير‭ ‬التقييم‭ ‬جودة‭ ‬البحث‭ ‬وأصالته‭ ‬وأثره‭ ‬المجتمعي،‭ ‬لتنحصر‭ ‬في‭ ‬مؤشرات‭ ‬رقمية‭ ‬وشكلية‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬القيمة‭ ‬الحقيقية‭ ‬للإنتاج‭ ‬المعرفي‭.‬

لذلك‮……‬فان‭ ‬سياسات‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الكم‭ ‬أسهمت‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬في‭ ‬تآكل‭ ‬جودة‭ ‬البحث‭ ‬العلمي،‭ ‬وخلقت‭ ‬بيئة‭ ‬حاضنة‭ ‬لاقتصاد‭ ‬البحوث‭ ‬المزورة،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬الإنتاج‭ ‬العلمي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬استجابة‭ ‬لضغط‭ ‬إداري‭ ‬لا‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬جهد‭ ‬معرفي‭ ‬حقيقي‭.‬

كذلك التقينا بالدكتور د. نوري بلحاج.. عضو هيئة التدريس بجامعة صبراتة .. سألناه من خلال خبرتكم، كيف تقيّمون قدرة الجامعات حاليًا على مواجهة شبكات تزوير البحوث والشهادات، خاصة مع تنوع أساليبها عبر المنصات الإلكترونية والوسطاء؟”

فموضوع‭ ‬مدى‭ ‬قدرة‭ ‬الجامعات‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬شبكات‭ ‬تزوير‭ ‬البحوث‭ ‬والشهادات‭ ‬هو‭ ‬موضوع‭ ‬قديم‭ ‬حديث‭ ‬ولا‭ ‬يكاد‭ ‬تمر‭ ‬عليه‭ ‬فترة‭ ‬من‭ ‬الزمن‭ ‬حتى‭ ‬يعود‭ ‬من‭ ‬جديد،‭ ‬وهنا‭ ‬لا‭ ‬بد‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬مكاتب‭ ‬الجودة‭ ‬بالجامعات‭ ‬التي‭ ‬مهمتها‭ ‬التدقيق‭ ‬من‭ ‬سلامة‭ ‬هذه‭ ‬الشهادات،‭ ‬كما‭ ‬ينبغي‭ ‬الإشارة‭ ‬إلى‭ ‬مركز‭ ‬ضمان‭ ‬الجودة‭ ‬الذي‭ ‬مهمته‭ ‬التدقيق‭ ‬من‭ ‬صحة‭ ‬الشهادات‭ ‬الممنوحة‭ ‬من‭ ‬الجامعات‭ ‬العربية‭ ‬والدولية‭.‬

لكن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ “‬الفجوة‭ ‬التقنية‭ ‬والسلوكية‭” ‬التي‭ ‬تتسلل‭ ‬منها‭ ‬عمليات‭ ‬التزوير‭ ‬الحديثة،‭ ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬مكاتب‭ ‬الجودة‭ ‬ومركز‭ ‬ضمان‭ ‬الجودة،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬المواجهة‭ ‬حاليًا‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬إجرائية‭ ‬تعتمد‭ ‬على‭ ‬صحة‭ ‬الأختام‭ ‬والصدور‭ ‬وعليه‭ ‬فإن‭ ‬تصحيح‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬يتطلب‭ ‬إجراءات‭ ‬قانونية‭ ‬وتشريعات‭ ‬صادرة‭ ‬عن‭ ‬وزارة‭ ‬التعليم‭ ‬العالي‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬لكشف‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الشهادات‭ ‬ومحاسبة‭ ‬مرتكبيها‭ ‬ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬الأمر‭ ‬عن‭ ‬مجرد‭ ‬أختام‭ ‬توضع‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الشهادات‭.‬

لقد‭ ‬أدى‭ ‬التطور‭ ‬المتسارع‭ ‬في‭ ‬تقنيات‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬إلى‭ ‬ظهور‭ ‬بحوث‭ ‬تبدو‭ ‬أصلية‭ ‬وقادرة‭ ‬على‭ ‬تجاوز‭ ‬أدوات‭ ‬كشف‭ ‬الانتحال‭ ‬التقليدية،‭ ‬ما‭ ‬يستوجب‭ ‬تحديث‭ ‬منظومات‭ ‬الجودة‭ ‬واعتماد‭ ‬أدوات‭ ‬متخصصة‭ ‬لرصد‭ ‬المحتوى‭ ‬المولد‭ ‬بالذكاء‭ ‬الاصطناعي‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬أسهم‭ ‬ربط‭ ‬الترقيات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬بعدد‭ ‬الأبحاث،‭ ‬لا‭ ‬بجودتها‭ ‬وأثرها،‭ ‬في‭ ‬خلق‭ ‬سوق‭ ‬موازية‭ ‬للبحوث‭ ‬الجاهزة،‭ ‬إذ‭ ‬يدفع‭ ‬ضغط‭ ‬الترقية‭ ‬وضعف‭ ‬الإمكانات‭ ‬بعض‭ ‬الباحثين‭ ‬إلى‭ ‬اللجوء‭ ‬إليها‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬ضعف‭ ‬التدقيق‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المجلات‭ ‬والسعي‭ ‬إلى‭ ‬النشر‭ ‬السريع‭ ‬لأغراض‭ ‬مادية‭ ‬يفاقمان‭ ‬تراجع‭ ‬جودة‭ ‬الإنتاج‭ ‬العلمي

من جهة اخرى حدثنا المعلمه المتقاعدة حميدة الضراط قائلة  :

أصبح‭ ‬تزوير‭ ‬الشهادات‭ ‬ظاهرة‭ ‬يصعب‭ ‬إنكارها،‭ ‬والأخطر‭ ‬أنها‭ ‬تُقابل‭ ‬أحيانًا‭ ‬بالتغاضي،‭ ‬بما‭ ‬يتيح‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬مؤهلات‭ ‬لا‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬استحقاق‭ ‬علمي،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬انتشار‭ ‬“الجهل‭ ‬المقنع”‭ ‬والإضرار‭ ‬بكفاءة‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭.‬

وتبدأ‭ ‬جذور‭ ‬المشكلة،‭ ‬في‭ ‬رأيي،‭ ‬من‭ ‬ثغرات‭ ‬داخل‭ ‬المنظومة‭ ‬التعليمية‭ ‬تُضعف‭ ‬قيم‭ ‬الاجتهاد‭ ‬وتعزز‭ ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬الوسائل‭ ‬غير‭ ‬المشروعة،‭ ‬بينما‭ ‬استغلها‭ ‬البعض‭ ‬لتحويل‭ ‬تزوير‭ ‬الشهادات‭ ‬إلى‭ ‬تجارة‭ ‬مربحة‭. ‬ونتيجة‭ ‬لذلك،‭ ‬تراجعت‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬مصداقية‭ ‬بعض‭ ‬الشهادات،‭ ‬وتضرر‭ ‬المجتهدون‭ ‬الذين‭ ‬نالوا‭ ‬مؤهلاتهم‭ ‬بجهدهم،‭ ‬كما‭ ‬انعكس‭ ‬ذلك‭ ‬سلبًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬الأداء،‭ ‬وأثر‭ ‬في‭ ‬سمعة‭ ‬خريجي‭ ‬الجامعات‭ ‬الليبية‭ ‬وثقة‭ ‬المؤسسات‭ ‬الخارجية‭ ‬في‭ ‬مخرجاتها‭.‬

Share this content: