×

بريد بنغازي المركزي

بريد بنغازي المركزي

صندوق‭ ‬بريد‭ ‬182‭..‬

‬بريد‭ ‬بنغازي‭ ‬المركزي

عبد السلام الزغيبي

حين‭ ‬كانت‭ ‬الرسائل‭ ‬تُكتب‭ ‬بالقلب‭..‬

في‭ ‬مشهد‭ ‬عابر‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يلتفت‭ ‬إليه‭ ‬الكثيرون،‭ ‬كان‭ ‬مجرد‭ ‬مظروف‭ ‬موضوع‭ ‬أعلى‭ ‬صندوق‭ ‬بريد‭ ‬كفيلًا‭ ‬بأن‭ ‬يعيدني‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭.. ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬مختلف،‭

‬زمن‭ ‬كانت‭ ‬فيه‭ ‬الرسائل‭ ‬الورقية‭ ‬لغة‭ ‬القلوب،‭ ‬وجسر‭ ‬التواصل‭ ‬الحقيقي‭ ‬بين‭ ‬الناس‭.‬

زمن‭ ‬الخطاب‭ ‬الورقي‭ ‬الذي‭ ‬يعيدنا‭ ‬فعلًا‭ ‬إلى‭ ‬زمنٍ‭ ‬كان‭ ‬فيه‭ ‬الانتظار‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬المتعة،‭ ‬لا‭ ‬عبئًا‭. ‬كنا‭ ‬نكتب‭ ‬الرسالة‭ ‬على‭ ‬مهل،‭ ‬نختار‭ ‬الكلمات‭ ‬بعناية،‭ ‬

وربما‭ ‬نعيد‭ ‬قراءتها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مرة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬نطويها‭ ‬ونضعها‭ ‬في‭ ‬الظرف‭. ‬ثم‭ ‬تبدأ‭ ‬رحلة‭ ‬الترقّبصندوق‭ ‬بريد‭ ‬182‭  ‬بريد‭ ‬بنغازي‭ ‬المركزي

أيام،‭ ‬وربما‭ ‬أسابيع،‭ ‬ونحن‭ ‬ننتظر‭ ‬ردًا‭ ‬من‭ ‬صديق‭ ‬بعيد‭.. ‬صندوق‭ ‬البريد‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬مجرد‭ ‬صندوق‭ ‬حديدي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬صندوق‭ ‬مفاجآت‭..‬

لحظة‭ ‬فتحه‭ ‬كانت‭ ‬مليئة‭ ‬بالأمل

ذلك‭ ‬الزمن،‭ ‬الذي‭ ‬سبق‭ ‬هيمنة‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬كان‭ ‬يحمل‭ ‬في‭ ‬تفاصيله‭ ‬بساطة‭ ‬عميقة‭ ‬ودفئًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬نفتقده‭ ‬اليوم‭.

‬كنت‭ ‬آنذاك‭ ‬واحدًا‭ ‬من‭ ‬هواة‭ ‬المراسلة،‭ ‬وعضوًا‭ ‬نشطًا‭ ‬في‭ ‬أركان‭ ‬التعارف‭ ‬بالمجلات‭ ‬العربية،‭ ‬حيث‭ ‬نسجت‭ ‬علاقات‭ ‬صداقة‭ ‬مع‭ ‬شباب‭ ‬وفتيات‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الدول‭ ‬العربية،

‭ ‬لا‭ ‬سيما‭ ‬من‭ ‬سوريا‭ ‬والعراق‭ ‬ومصر‭ ‬والأردن‭. ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬العلاقات‭ ‬عابرة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تمتد‭ ‬عبر‭ ‬رسائل‭ ‬طويلة،‭ ‬نتبادل‭ ‬فيها‭ ‬الصور‭ ‬والعملات‭ ‬والطوابع،‭ ‬‮«‬التي‭ ‬

كنت‭ ‬أحفظها‭ ‬في‭ ‬ألبومات‭ ‬متخصصة‭ ‬لحمايتها‭ ‬وتنظيمها‮»‬‭. ‬ونحكي‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياتنا‭ ‬بشغف‭ ‬وانتظار‭.‬

وللبريد‭ ‬في‭ ‬ذاكرتي‭ ‬مكانة‭ ‬خاصة،‭ ‬ترتبط‭ ‬بوالدي‭ ‬الراحل،‭ ‬الذي‭ ‬غادرني‭ ‬مبكرًا‭ ‬وأنا‭ ‬في‭ ‬العاشرة‭ ‬من‭ ‬عمري‭ ‬تقريبًا‭. ‬ورغم‭ ‬قصر‭ ‬تلك‭ ‬السنوات،‭

‬إلا‭ ‬أن‭ ‬ملامح‭ ‬كثيرة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬ذهني،‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬كان‭ ‬يمنحني،‭ ‬بثقة‭ ‬كبيرة،‭ ‬مفتاح‭ ‬صندوق‭ ‬البريد‭ ‬في‭ ‬المكتب‭ ‬الرئيسي‭ ‬بشارع‭ ‬عمر‭ ‬المختار‭ ‬رقم‭

(‬182‭)‬،‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬مقره‭ ‬المؤقت‭ ‬بشارع‭ ‬أدريان‭ ‬بلت،‭ ‬خلال‭ ‬فترة‭ ‬إنشاء‭ ‬المبنى‭ ‬الحديث‭ ‬للبريد‭.. ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬المهمة‭ ‬الصغيرة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لطفل‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬سني

‭ ‬مسؤولية‭ ‬كبيرة‭ ‬ومصدر‭ ‬فخر‭. ‬أقف‭ ‬أمام‭ ‬الصندوق‭ ‬المرتفع،‭ ‬أنتظر‭ ‬مساعدة‭ ‬أحد‭ ‬المارة‭ ‬لفتحه،‭ ‬ثم‭ ‬ألتقط‭ ‬الرسائل‭ ‬وأعود‭ ‬مسرعًا،‭ ‬وكأنني‭ ‬أحمل‭ ‬كنزًا‭ ‬ثمينًا‭.

‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬أوراق،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬أخبارًا،‭ ‬ووعودًا،‭ ‬وعلاقات‭ ‬تُبنى‭ ‬حرفًا‭ ‬حرفًا‭.‬

اليوم،‭ ‬ومع‭ ‬هيمنة‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الحديثة،‭ ‬تغير‭ ‬شكل‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الناس‭. ‬أصبحنا‭ ‬متصلين‭ ‬طوال‭ ‬الوقت،‭ ‬لكننا‭..‬على‭ ‬نحو‭  ‬أقل‭ ‬إحساسًا‭. ‬نقرأ‭ ‬الرسائل‭ ‬على‭ ‬عجل،

‭ ‬في‭ ‬زحام‭ ‬العمل‭ ‬أو‭ ‬الدراسة‭ ‬أو‭ ‬الشارع،‭ ‬فتفقد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬عمقها‭ ‬وتأثيرها‭. ‬أما‭ ‬الرسالة‭ ‬الورقية،‭ ‬فكانت‭ ‬طقسًا‭ ‬خاصًا‭: ‬تُكتب‭ ‬بتأنٍ،‭ ‬وتُغلف‭ ‬بعناية،‭ ‬وتُقرأ‭ ‬في‭ ‬لحظة‭ ‬انتظار‭ ‬مشحونة‭ ‬بالشوق‭.‬

التكنولوجيا‭ ‬بلا‭ ‬شك‭ ‬قدمت‭ ‬تسهيلات‭ ‬هائلة،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬انتزعت‭ ‬منا‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬إنسانيتنا‭ ‬البسيطة،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تجد‭ ‬في‭ ‬الكلمات‭ ‬المكتوبة‭ ‬يدويًا‭ ‬صدقًا‭ ‬لا‭ ‬يُضاهى‭. ‬لقد‭ ‬فقدنا‭ ‬شيئًا‭ ‬من‭ ‬“روح‭ ‬الرسالة”،‭ ‬ومن‭ ‬لذة‭ ‬الانتظار،‭ ‬ومن‭ ‬تلك‭ ‬العلاقة‭ ‬الحميمة‭ ‬مع‭ ‬الورق‭ ‬والحبر‭.‬

قد‭ ‬تبدو‭ ‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬زمن‭ ‬الخطابات‭ ‬أمرًا‭ ‬صعب‭ ‬التحقيق،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬تسارع‭ ‬العصر،‭ ‬لكن‭ ‬الحنين‭ ‬إليها‭ ‬يظل‭ ‬مشروعًا‭. ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬صناديق‭ ‬البريد‭ ‬كما‭ ‬كانت،‭ ‬لكن‭ ‬يمكننا‭ ‬أن‭ ‬نستعيد‭ ‬روحها‭: ‬أن‭ ‬نكتب‭ ‬بصدق،‭ ‬أن‭ ‬نمنح‭ ‬الكلمات‭ ‬وقتها،‭ ‬وأن‭ ‬نعيد‭ ‬للرسائل‭..‬بأي‭ ‬شكل‭ ‬كانت—قيمتها‭ ‬الإنسانية‭.‬

“صندوق‭ ‬بريد‭ ‬182”‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭.. ‬بل‭ ‬ذاكرة،‭ ‬ودرس،‭ ‬ونداء‭ ‬هادئ‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬جوهر‭ ‬التواصل‭ ‬الذي‭ ‬كاد‭ ‬أن‭ ‬يُنسى‭.‬

Share this content: