الخشبة والميكروفون في سطوة الشاشة
حسن قرفال :
هل تذوب عراقة الخشبة والميكروفون
في سطوة الشاشة؟
فنان ليبي من الطراز الرفيع ، حالة فنية متفردة ، تعكس إستراتيجية تمثيلية وإخراجية قائمة على الموهبة والدراسة ثم الدراسة ثم الدراسة ، كونها بوابة للنجاح والاستمرارية.
شخوص لم تكن مجرد أدوار عابرة ، بل هي صور جمالية عميقة تجسد أداء أكثر صدقاً وقرباً من الواقع ..
بدءاً من مسلسل حرب السنوات الأربع وصولاً إلى مسلسل زنقة الريح وشخصية «شمعون» اللامعة والمتقدة ، التي لخصت كل الأدوار ، وتوجت مسيرة فنية طويلة بأداء مبهر . الفن عنده زاوية مقدسة، تتجلى هيبتها في الإحساس والفهم والمعرفة والتمكن والالتزام
المسرح الليبي يحتضر .. ونحن اليوم في عصر الدراما
>> حوار : سعاد معتوق
في حضرة الفنان القدير حسن قرفال ابن المدينة القديمة .. نحط رحالنا نعتصر معه تجارب خاضها عمراً طويلاً ، ونشاكسه ببعض الأسئلة في حوار مثير ودسم..
انطلاقتك في مرحلة الطفولة ، وهناك من مد لك يد العون
مثل أ. مصطفى الأمير وعبدالله كريستا ، فهل لديك فكرة للأخذ بيد المواهب الشابة؟

نعم . طبعاً أنا أستاذ في جامعة طرابلس وأكاديمية الدراسات العليا ، دعمت طلبتي وأشرفت على حوالي ٢٠ رسالة ماجستير في الفنون الدرامية في الأكاديمية، ومن يقصدني للاستشارة الفنية جاهز ،بالإضافة للموهبة أنا أكاديمي ومطلع بشكل جيد ، وليس لدّي مشكلة ، منفتح على الجيل الجديد وأساعد بقدر الإمكان ،وفق عاملين أساسيين ،أن الشخص يمتلك الموهبة ثانياً لديه الرغبة في تثقيف نفسه .
كونت فرق مسرحية في مراحل مبكرة «الإعدادي والثانوي»
..كيف جاءتك الفكرة وهل تعتبره نضوجاً فنياً مبكراً ؟
و أنا صغير كان عندي ميل لتقليد الممثلين ،مع وجود أشخاص من حولي قدموا لى الدعم و التوجيه -والدي وابن عمتي عبد السلام الريحان وهو فنان كبير – كما كان للأستاذ مصطفى الأمير دور في الأخذ بيدي ، لقد وجدت التربية الخصبة التي استطعت من خلالها إبراز وتنمية موهبتي ، وفي ظل هذا المناخ وعوامل شخصية سماتها الشغف والإصرار خلقت نقاط تحول في مراحل عمرية مختلفة .
قلت في لقاء سابق « أنا ولدت في المسرح
، وتربيت في الإذاعة وتشببت في التلفزيون كل مرحلة
تحاكي عمراًمعيناً فماهي المرحلة الأصعب والأهم بالنسبة لك؟
بالتأكيد مرحلة الإذاعة هي الأهم ، علمتني الإلقاء السليم و كيف أتعامل مع الحالة عبر الصوت في ظل غياب لغة الجسد والديكورات .. تستطيع أن كان لديك القدرة أن تعبر عن هذه الأشياء بصوتك فقط تمكنت من أن أمرن صوتي الذي يتميز بالقرار .
ترى نفسك في المسرح مخرجاً وفي التلفزيون
ممثلاً فما سر ميلك للتمثيل التلفزيوني؟
نتيجة تقدمي في العمر لم يعد بوسعي أن أمثل على المسرح ثلاث ساعات متواصلة . من الجهد البدني والصوتي عملية مرهقة ، وأفضل التلفزيون والسينما، لأنها أصبحت أقرب
لاتتكبد عناء الذهاب للمسرح ، إضافة إلى أن المسرح في ليبيا يحتضر منذ سنة ٢٠١١ إلى الآن لم يقدم في طرابلس بالذات أكثر من عملين فالفرصة متاحة أكثر في التلفزيون ، وحتى في التلفزيون لاتوجد تلك الفرص الدائمة أو لأن الأعمال موسمية، الزخم يزداد في شهر رمضان فقط .
التجربة الأمريكية « الدراسة في أمريكا
» تحدثت عنها كثيراً هل استطعت نقلها فكراً ومضموناً فنياً..؟

نعم ، بالتآكيد إثر عودتي من أمريكا أخرجت حوالي ستة أعمال ، وفي جانب التمثيل حاولت تطبيق تلك النظريات التي قرأناها ونجحت والحمدلله في أدائي كممثل وابتعدت عما يسمى « بالانفعال الزائد» ..
معايير تراها مهمة لنجاح العمل الفني » النص المميز والمخرج المبدع والمنتج القادر والممثل الذكي
، هل هذه المعايير تتوفر في الأعمال الليبية خصوصاً أعمال شهر رمضان؟
الأعمال الرمضانية هذا العام انقسمت إلى قسمين أعمال جيدة وكانت في المستوى المطلوب وأعمال دون المستوى نتطلع أن نرتقي بالذائقة الفنية على مستوى التمثيل والإخراج .ظهور الممثل في أكثر من عمل في نفس الوقت يسبب التشتت وينعكس على أداء الممثل للشخصيات بالسلب
هل تعاني الدراما من أزمة نص ؟
أجل نعاني من قلة الكُتاب ، الموجودون على الساحةيعدوا على أصابع اليد ، من الضروري فتح المجال للأقلام الشابة وإقحامهم في دورات تدريبية ، والاستعانة بأساتذة من الخارج مصر أو سوريا ، لتعليمهم كتابة السيناريو ، ومكتباتنا مليئة بالقصص والروايات للاستفادة منها ،
« دور شمعون » في مسلسل زنقة الريح ، استطاعت تحقيق النجاح الباهر مايعرف
« بالدور القنبلة » وهنا المعادلة الصعبة ، أحياناً يبقى الفنان حبيس الدور كيف يمكن له تجاوزه ؟
هذا يعتمد على النص ، إذا وُجد نص درامي قوي، وفيه إبداع ، تُتاح الفرصة لعمل مختلف يفوق الدور القنبلة ، كما يعتمد على الممثل نفسه ، لابد أن ينعزل عن الشخصية الأولى ، ويدخل الشخصية الجديدة ، وعامل آخر مساعد ، أن ينزل الممثل إلى الشارع ، يلاحظ الناس ويقتبس من هذا وذاك.
هل إتباعك للمدرسة الداخلية في التمثيل لدور شمعون بإعتباره دور مركب «ميكيافيلي » فقط ؟ أم تتبعها في كل أعمالك ؟
أنا أتبع المدرسة الداخلية في جل أعمالي ، أعيش الشخصية بكل أبعادها وأشتغل على الإحساس هو العامل الأول والرئيس في أدائي.
يبدو إهتمامك بالجانب الأكاديمي واضحاً من خلال نشر البحوث ودراسة الماجستير والدكتوراة ،
هل هذا نوع من تأصيل الموهبة ودعمها أم هو شغف ؟
بالنسبة للنجاح هذا شرط مهم، أغلب الممثلين في العالم ، الأمريكان مثلاً أو الانجليز هم خريجو معاهد وجامعات من هؤلاء مارلون براندو وجاك تكسون ، لأن الممثل لابد أن يكون على دراية حتى بعلم النفس
السلوكي ،كيف تتعامل بسلوك معين مع شخصيات أخرى وعلى الممثل أن يتعرف على التاريخ وعلى التروبولوجي ، هذه مجموعة من المواد أو العلوم تقوي الشخصية ، عندما يقدم أي عمل يكون من منطلق علمي يؤدي به للنجاح .
عندك مكتبة تخصصية هل قرأت كل الكتب ؟ وما هو أكثر كتاب أثار إعجابك؟
عندي مكتبة تخصصية وأكثر كتب أثارت إعجابي كتب ستانسلافسكي وكتابين لبيتر بروك « أربعون عاماً في استكشاف المسرح « والفضاء الفارغ » وأيضاً كتاب بجوبو فسكي « نحو مسرح الفقير » هذه الكتب أثرت فيّ تأثيراً مباشراً
لسل « أوراق الخريف »هل كان الدافع والوقود لحياتك الفنية بعدها ؟ وماهي الأعمال التي تلته مباشرة ؟
أُختير اسمي ليكون بطولة هذا العمل عمري وقتها 16 سنة ثم فوجئت باستبعادي وإسناده لممثل آخر ..الحقيقة حزنت للموقف حاولت إثبات وجودي كممثل، أُسندت إليّ أدوار عديدة ونجحت ي والمفارقة العجيبة ذات المخرج الذي استبعدني طلب مني بعد سنة أو سنتين العمل في مسلسل من إخراجه فرفضت كرد اعتبار للموقف القديم ،أوراق الخريف كان الدافع لأقدم الكثير والحمدلله .
بالعودة للوراء مسلسل “حرب السنوات الأربع” علامة فارقة .. ماذا أضاف لك ؟ ولماذا لم تستمر مثل هذه الأعمال المشتركة؟
هذا المسلسل يعتبر مدرسة لي استفدت من الأساتذة أسعد فضة وعدنان بركات ومها الصالح وجيانا عيد .. شجعوني وتفاجأوا بأدائي .. أ. أسعد فضة عندما شاهد المشهد قال لي “ياحسن أنت تغرد” وفيما بعد سجلت مسلسل إذاعي من ثلاثين حلقة مع منى واصف وطلحت حمدي في إذاعة دمشق.. وكان أملي أن تستمر الأعمال المشتركة لكن هذه عملية إنتاجية لاعلاقة لنا بها .
قلت لابد أن يكون الفنان واقعي وطبيعي لغة الجسد هي كل شيء هل تراها موجودة بين الممثلين الليبيين الشباب؟ وماهي النصائح التي توجهها لهم على مستوى الأداء التمثيلي ؟
لابد أن تكون لغة الجسد حاضرة والأداء والإلقاء على صعيد الدماء الجديدة بعضهم يبشرون بخير والبعض يحتاج إلى تثقيف أنفسهم فنياً بقراءة مايتعلق بالتمثيل فهناك كتب كثيرة مترجمة وأيضاً مشاهدة الأعمال العالمية التي تحصلت على الأوسكار مثل « العراب » و« رجل المطر » و«الحي الصيني» « دي سبار تاكوس » ويمكنهم أن يستفيدوا من الممثلين العالميين .
يُلاحظ ميلك للأدب العالمي والأفلام العالمية ،فما هو الباعث لهذا الميول ؟
أولاً أن أجيد ثلاث لغات العربية والانجليزية والايطالية وإهتمامي بالأدب و الفن العالميين هو إثراء لي خاصة فيما يتعلق بالمسرح والسينما فقد سبقونا بمراحل وأصبحوا يتعاملون مع معطيات جديدة تحاكي التطور في التقنية .. عندما تقرأ الأدب العالمي مثلاً الأدب الروسي أو الأمريكي نتطور من خلاله وننفتح على فضاءات جديدة
مشاركتك في أيام طرابلس الإعلامية « افتتاح المتحف » بالبرومو الصوتي ماذا تعني لك؟
مشاركتي في هذا الحدث التاريخي تعبير عن حبي وعشقي لمدينتي طرابلس « المدينة القديمة … باب بحر » التي ولدت فيها أنا وأجدادي وهذا أبسط شيء أقدمه .
مشاركتك ونشاطاتك في المهرجانات المحلية والعربية ماذا تمثل لك ؟

طبعاً أعطتني خبرة أنا حضرت وكُرمت في مهرجانات أو دمير وفي القاهرة والمغرب وتونس هذا
شيء أعتز به، اطلعت على تجارب أخرى وشخصيات في قمة الإبداع في جلسة صفاء مع فنجان قهوة.
أيهم تفضل قراءة قصيدة أو سماع أغنية كلاسيكية أو قراءة الأدب العالمي أو كتابة حرة ؟
هذا يتوقف على الوقت ، ففي فترة الصباح أقرأ شيئاً من الأدب العالمي ، وفترة المساء أحبذ السماع إلى السيدة أم كلثوم أو لعبد الحليم حافظ .
جلد الذات هل تراه مفيداً أو ضاراً للفنان ؟
شخصياً أعتبره مفيداً ،عندما الفنان ويحاسب نفسه عن الأخطاء ، ويسعى لتصحيحها ، يعني أن الدور القادم سيتفادى الكثير من الأخطاء ماعلاقتك بالمشاهد الليبي ،هل تراه عيناً ناقدة صائبة أو غير مثقف فنياً ؟
المشاهد الليبي « قنين وحبوب » ويحب أعماله وأكبر دليل ما نشاهده عبر السوشيال ميديا ، يكتب عن الأعمال التي لم ترتقى لمستوى طموحه وينتقدها، ويثني على الأعمال الجيدة .
ماسبب غيابك عن الدراما الرمضانية هذا العام ؟
كان لي ظهور بسيط، كضيف شرف ، في «مسلسل مستقبل زاهر»، مع المخرج الذي أعتبره ابني، نزار الحراري.. والحقيقة كانت مشاركة لطيفة ..
اسمح لي لا أريد أن أوقظ الجروح ، ولكن ٣٢ سنة زواج ، ثنائي فني وإعلامي وإنساني بالدرجة الأولى تجربة غنية وعميقة فهل فكرت في كتابة مذكراتك ؟
أسأل كثيراً عن هذا ، ولكن أفكر ربما في المستقبل ، أما زوجتي حورية المظفر رحمها الله فمكانها فارغ لم يملأه أحد .
متى يبدع الفنان ؟
عندما يؤمن بما يقدمه ويعيشه ويدرسه ويبحث ، لكي ينجح فيه .
ماذا تحب أن تورث أبناءك بعد عمر طويل ؟
أورثهم القيم الاجتماعية وحب بلادهم ..
لو كان الفن وطناً ماهي قضيته ؟ وهل لديك حلم فني عالق في مرحلة ما ، لن تتنازل عن تحقيقه ؟
القضية الرئيسية للفن محاربة كل الأشياء السلبية في هذا المجتمع .. وبالنسبة للحلم أتمنى أن أقدم أعمالاً على مستوى العالم العربي ككل أتخطى المحلية ، قدمت في الفترة الماضية مسلسل« ماوراء الطبيعة» عبر المنصة أنتفليكسي بالقاهرة ، كان دوراً جميلاً ، هل لديك جديد تخص المجلة به ؟
ليس لدّي أي مشاريع فنية، الفترة السابقة صدر لي كتاب تحت اسم « تاريخ المسرح الليبي وارتباطه بالتغيرالاجتماعي »
هو ذاته أطروحة الدكتوراة الخاصة بي ، عملت لها دراسة ونشرتها في كتاب ، عن طريق دار الرواد وهو كتاب منهجي لطلبة الجامعة و الأكاديمية وحالياً مشغول بتحضير كتابي الثاني الذي سيصدر قريباً بعنوان « قضايا في المسرح والدراما»
متى يقول حسن قرفال ، أنا إكتفيت وأريد أن أستريح؟
لم أكتفى وسأجاهد وأقدم إلى آخر أيام حياتي لأن الفن عشقي الأبدي .
من هو حسن قرفال ؟
حسن قرفال هو طفل في داخله ، أغنية جميلة تحرك إحساسه ، قصيدة شعرية تؤثر فيه وتبكيه، كلمة طيبة ترفعه، هذا تعامله مع أبنائه ومع زملائه ولايعرف الحسد ، ويتمنى الخير لكل الناس.
كلمة أخيرة ؟
أعشق ليبيا حتى النخاع وأتمنى لها النجاح دائماً ولكل أبناء بلادي التوفيق .
Share this content: