×

امتيــاز الحركـة!

حسام الوحيشي

امتيــاز الحركـة!

امتياز الحركة

>> حسام الوحيشي

طوال‭ ‬عقود‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬نفسي‭ ‬شيء‭.. ‬شيء‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬البداية،‭ ‬ثم‭ ‬كبر‭ ‬حتى‭ ‬صار‭ ‬سؤالًا‭ ‬له‭ ‬مخالب‭ ‬حادة‭ .‬

كنت‭ ‬أقرأ‭ ‬للكتّاب‭ ‬والشعراء‭ ‬والروائيين،‭ ‬وهم‭ ‬يذيلون‭ ‬مقالاتهم‭ ‬وقصائدهم‭ ‬وكتبهم‭ ‬بأسماء‭ ‬مدن‭ ‬بعيدة‭ ‬وقريبة‭: ‬بيروت،‭

‬القاهرة،‭ ‬عمّان،‭ ‬جدة،‭ ‬أبوظبي،‭ ‬باريس،‭ ‬لندن،‭ ‬جنيف،‭ ‬دبلن،‭ ‬نيويورك،‭ ‬لوس‭ ‬أنجلوس،‭ ‬مكسيكو‭ ‬سيتي،‭ ‬بوينس‭ ‬آيرس‭.‬

كانت‭ ‬المدن‭ ‬تأتي‭ ‬في‭ ‬آخر‭ ‬النصوص‭ ‬كأنها‭ ‬توقيع‭ ‬إضافي‭ ‬على‭ ‬العبقرية‭. ‬كأن‭ ‬الكاتب‭ ‬لا‭ ‬يكتب‭ ‬من‭ ‬غرفة‭ ‬مقفلة‭ ‬،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬كوكب‭ ‬واسع‭ ‬رحب‭

. ‬كأن‭ ‬العالم‭ ‬كله‭ ‬طاولة‭ ‬واحدة،‭ ‬يمدّ‭ ‬يده‭ ‬فيأخذ‭ ‬منها‭ ‬مدينة،‭ ‬ثم‭ ‬يضعها‭ ‬تحت‭ ‬اسمه‭.‬

لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يطرقني‭ ‬ولا‭ ‬يكفّ‭ ‬عن‭ ‬الإلحاح‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أدبيًا‭ ‬تمامًا‭.‬

كنت‭ ‬أقول‭ ‬في‭ ‬نفسي‭: ‬وماذا‭ ‬عن‭ ‬جواز‭ ‬السفر؟

ماذا‭ ‬عن‭ ‬إذن‭ ‬الإقامة؟

ماذا‭ ‬عن‭ ‬بوابات‭ ‬المطارات،‭ ‬وحرس‭ ‬الحدود،‭ ‬وتصاريح‭ ‬المكوث،‭ ‬والأسئلة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬الانياب‭ ‬،‭ ‬والأوراق‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تشبه‭ ‬القضبان‭  ‬لأنها‭ ‬أحيانًا‭ ‬تكون‭ ‬مصيرًا‭ ‬كاملًا‭ ‬مطبوعًا‭ ‬على‭ ‬الجبهة‭ ‬؟

لماذا‭ ‬لا‭ ‬يذكرون‭ ‬شيئًا‭ ‬عن‭ ‬ذلك؟

كأن‭ ‬الحدود‭ ‬غير‭ ‬موجودة‭.‬

أو‭ ‬كأنها‭ ‬موجودة‭ ‬لنا‭ ‬وحدنا‭.‬

كنت‭ ‬أقرأ‭ ‬اسم‭ ‬باريس‭ ‬في‭ ‬ذيل‭ ‬مقال،‭ ‬فأرى‭ ‬خلفه‭ ‬قنصلية‭. ‬أقرأ‭ ‬لندن،‭ ‬فأسمع‭ ‬صوت‭ ‬موظف‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬كشف‭ ‬الحساب‭. ‬أقرأ‭ ‬نيويورك،

‭ ‬فأرى‭ ‬طابورًا‭ ‬من‭ ‬الوجوه‭ ‬المعلقة‭ ‬بين‭ ‬الرجاء‭ ‬والإهانة‭. ‬

أقرأ‭ ‬جنيف،‭ ‬فأفكر‭ ‬في‭ ‬العملة‭ ‬الصعبة،‭ ‬وفي‭ ‬ثمن‭ ‬الغرفة،‭ ‬وفي‭ ‬الوجبة‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تبتلع‭ ‬نصف‭ ‬مرتب‭ ‬رجل‭ ‬كامل‭.‬

كانوا‭ ‬يكتبون‭ ‬المدن‭ ‬كما‭ ‬يكتب‭ ‬المرء‭ ‬أسماء‭ ‬أصدقائه‭.‬

ونحن‭ ‬نكتبها‭ ‬كما‭ ‬يكتب‭ ‬السجين‭ ‬أسماء‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬رفضت‭ ‬طلبه‭.‬

كنت‭ ‬أتساءل‭: ‬هل‭ ‬لا‭ ‬تؤرقهم‭ ‬تكاليف‭ ‬السفر؟‭ ‬هل‭ ‬لا‭ ‬يخافون‭ ‬من‭ ‬انتهاء‭ ‬الإقامة؟‭ ‬هل‭ ‬لا‭ ‬يحسبون‭ ‬عدد‭ ‬الأيام‭ ‬المسموح‭ ‬بها؟

‭ ‬هل‭ ‬لا‭ ‬يختارون‭ ‬بين‭ ‬كتاب‭ ‬يريدون‭ ‬شراءه‭ ‬ووجبة‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يأكلوها؟‭

‬هل‭ ‬لا‭ ‬تقف‭ ‬العائلة‭ ‬خلفهم‭ ‬كظلّ‭ ‬طويل؟‭ ‬هل‭ ‬لا‭ ‬ينتظرهم‭ ‬دوام،‭ ‬ومدير،‭ ‬وغياب‭ ‬محسوب،‭ ‬وإجازة‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭ ‬حتى‭ ‬للوصول؟

أم‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬بشرًا‭ ‬يولدون‭ ‬وفي‭ ‬جيوبهم‭ ‬مفاتيح‭ ‬الكون‭ ‬،‭ ‬وبشرًا‭ ‬يولدون‭ ‬وفي‭ ‬أعناقهم‭ ‬اصفاد‭ ‬السجون‭ ‬؟

لم‭ ‬يكن‭ ‬اعتراضي‭ ‬على‭ ‬المدن‭.‬

فالمدن‭ ‬جميلة،‭ ‬والكتابة‭ ‬الانيقة‭  ‬تحتاج‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬منفى‭ ‬مصقول‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬محطة‭ ‬حزينة‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬نافذة‭ ‬في‭ ‬فندق‭ ‬ناعس‭ ‬،‭ ‬إلى‭ ‬مقهى‭ ‬دافيء‭  ‬يعبره‭ ‬الغرباء‭ ‬

،‭ ‬إلى‭ ‬نهر‭ ‬بض‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬اسمك‭ ‬الخشن‭ .‬

كان‭ ‬اعتراضي‭ ‬على‭ ‬تلك‭ ‬الخفة‭ ‬التي‭ ‬تُكتب‭ ‬بها‭ ‬المدن،‭ ‬كأن‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬تفصيل‭ ‬صغير،‭ ‬كأن‭ ‬العالم‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬أقفالا‭ ‬حديدية،‭ ‬كأن‭ ‬الجغرافيا‭ ‬لا‭ ‬تفرّق‭ ‬بين‭ ‬الناس،

‭ ‬كأن‭ ‬جواز‭ ‬السفر‭ ‬ليس‭ ‬سيرة‭ ‬سياسية‭ ‬مختصرة،‭ ‬وكأن‭ ‬الإنسان‭ ‬لا‭ ‬يحمل‭ ‬بلده‭ ‬المنهك‭ ‬معه‭ ‬حتى‭ ‬عندما‭ ‬يضع‭ ‬حقيبته‭ ‬في‭ ‬طائرة‭ ‬نضرة‭ .‬

وربما‭ ‬لهذا‭ ‬كنت‭ ‬أشعر،‭ ‬كلما‭ ‬قرأت‭ ‬اسم‭ ‬مدينة‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬نص،‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬سطرًا‭ ‬محذوفًا‭.‬

سطرًا‭ ‬عن‭ ‬التأشيرة‭.. ‬سطرًا‭ ‬عن‭ ‬القلق‭.. ‬سطرًا‭ ‬عن‭ ‬المال‭.‬

سطرًا‭ ‬عن‭ ‬السؤال‭ ‬المهين‭: ‬لماذا‭ ‬أتيت‭ ‬و‭ ‬هل‭ ‬ستذهب‭ ‬؟

وسطرًا‭ ‬آخر،‭ ‬أكثر‭ ‬مرارة،‭ ‬عن‭ ‬أولئك‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬يستطيعون‭ ‬أن‭ ‬يذيلوا‭ ‬نصوصهم‭ ‬باسم‭ ‬مدينة‭ ‬بعيدة،‭ ‬لا‭ ‬لأن‭ ‬خيالهم‭ ‬قصير،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬العالم‭ ‬وضع‭ ‬على‭ ‬خيالهم‭ ‬شمعا‭ ‬أحمر‭.‬

من‭ ‬هنا‭ ‬يبدأ‭ ‬السؤال‭ ‬الحقيقي‭: ‬من‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬المكان؟

ومن‭ ‬يملك‭ ‬أن‭ ‬يحوّل‭ ‬المدينة‭ ‬إلى‭ ‬كابوس؟

ومن‭ ‬يبقى‭ ‬مضطرًا‭ ‬إلى‭ ‬شرح‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬كل‭ ‬بوابة،‭ ‬كأن‭ ‬وجوده‭ ‬تهمة،‭ ‬وكأن‭ ‬رغبته‭ ‬في‭ ‬العبور‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شاهدين‭ ‬وكشف‭ ‬حساب‭ ‬وخطاب‭ ‬دعوة‭ ‬و‭ ‬بضع‭ ‬معجزات؟

لقد‭ ‬فهمت‭ ‬متأخرًا‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المدن‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬النصوص‭ ‬لا‭ ‬لأنها‭ ‬أجمل‭ ‬من‭ ‬غيرها،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬أقل‭ ‬قسوة‭ ‬علينا‭ ‬من‭ ‬غيرها‭ .‬

وفهمت‭ ‬أيضًا‭ ‬أن‭ ‬الكاتب‭ ‬الذي‭ ‬يكتب‭ ‬من‭ ‬باريس‭ ‬ليس‭ ‬دائمًا‭ ‬أعمق‭ ‬من‭ ‬الكاتب‭ ‬الذي‭ ‬يكتب‭ ‬من‭ ‬طرابلس‭ ‬أو‭ ‬صنعاء‭ ‬أو‭ ‬الخرطوم‭ ‬أو‭ ‬غزة‭.‬

لكنه‭ ‬أحيانًا‭ ‬فقط‭ ‬يملك‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يملكه‭ ‬الآخرون‭:‬

جوازًا‭ ‬أرقى‭ ‬و‭ ‬دولة‭ ‬غير‭ ‬مرتبكة‭ .‬

عملة‭ ‬أثمن‭ .‬

إقامة‭ ‬لا‭ ‬تذكّره‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬بأنه‭ ‬ضيف‭ ‬مؤقت‭ ‬في‭ ‬العالم‭.‬

ولهذا،‭ ‬حين‭ ‬أرى‭ ‬اسم‭ ‬مدينة‭ ‬في‭ ‬ذيل‭ ‬نص،‭ ‬لم‭ ‬أعد‭ ‬أراها‭ ‬مدينة‭ ‬فقط‭.‬

أرى‭ ‬وراءها‭ ‬نظامًا‭ ‬كاملًا‭ ‬من‭ ‬الامتيازات‭ ‬غير‭ ‬المرئية‭.‬

أرى‭ ‬حدودًا‭ ‬غائبة‭ ‬عن‭ ‬الجملة،‭ ‬لكنها‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬يستطع‭ ‬الوصول‭.‬

أرى‭ ‬العالم‭ ‬كما‭ ‬هو‭: ‬ليس‭ ‬خريطة‭ ‬مفتوحة‭ ‬للموهبة،‭ ‬بل‭ ‬ممرات‭ ‬متفاوتة‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يعبرون‭ ‬كأنهم‭ ‬هواء،‭ ‬ومن‭ ‬يُفتَّشون‭ ‬كأنهم‭ ‬احتمال‭ ‬خطر‭.‬

Share this content: