القبض على الماء : وهـم السيطــــرة

رزان نعيم المغربي
لطالما وصفني المقرّبون بالمرأة القوية. وفي وعينا الجمعي، تُقترن القوة بالصلابة، بالثبات، وبالقدرة على عدم التأثر مهما عصفت الظروف. صدّقتُ هذه الصورة، وحاولتُ التماهي معها، حتى واجهتُ موقفًا لا يغادر ذاكرتي.
كان ذلك في بداياتي في هولندا، صباح تتويجي بـ «جائزة أوكسفام نوفيب». حللتُ ضيفةً على برنامج هولندي، وباغتني المذيع بسؤال: «كيف تنظرين إلى طرابلس اليوم؟». في تلك اللحظة، تبخّرت كل ادعاءاتي بالصلابة. سبقتني الدموع، وسجّلت الكاميرا انهيارًا لم أستعد له. نهضتُ أستعيد توازني، بينما قال المذيع بدهشة: «أجبتِ على أسئلة معقدة، واعتقدتُ أن هذا هو الأسهل!». بالنسبة لي، كان السؤال يختزل ألمًا لا يُحتمل؛ شعرتُ، للحظة، أن الحبل السري بيني وبين مدينتي ينقطع. وكلما تذكرتُ المشهد، قلت لنفسي: لقد فقدتِ السيطرة.
في تلك المواجهة الصادقة، أدركتُ ما كنتُ أتجنّب الاعتراف به: رغبة خفية في السيطرة على حياتي، في ضبط مشاعري. لكنني، كلما حاولتُ، بدوتُ مثل طفل يحاول الإمساك بالماء المتدفق من الصنبور.
مع الوقت، يتضح أن العالم لم يصبح مضطرباً فجأة، نحن من لا نرى طبيعته كما هي: فوضوية، متقلّبة، لا تستجيب لرغبتنا في التنظيم الكامل. والمشاعر، مهما حاولنا تهذيبها أو تجاهلها، تجد طريقها إلينا. هذا الإدراك مؤلم، لأننا نُثقل أنفسنا بقلق لا نعترف به، ونخشى إظهاره كي نخفي ضعفنا، متناسين أن إنسانيتنا تظهر في تلك اللحظة على حقيقتها.
تبيّن لي أن السيطرة الكاملة ليست سوى وهم. وأننا نهدر وقتًا طويلًا في محاولة الإمساك بما لا يُمسك. هنا يبرز سؤال أكثر واقعية: كيف نعيد التوازن داخلنا؟
ربما البداية في الكفّ عن الالتفات إلى الوراء بحسرة، وعن محاسبة أنفسنا على جهد لم يُثمر. الأجدى أن نعيد ضبط إيقاعنا، وأن نتعلّم التناغم مع هذا العالم دون أن نذوب فيه. لسنا مضطرين للانسحاب، يكفينا امتلاك مرونة عقلية تسمح لنا بالحركة داخل هذا العالم المجنون من حولنا، دون أن نفقد توازننا.
يمكننا أن نصنع مساحة صغيرة نمارس فيها سيطرتنا الممكنة: في الكتابة، في الرسم، في فيلمٍ نختاره، أو موسيقى نلجأ إليها. سواء كنا متلقين أو مبدعين، المهم أن نحافظ على يقظتنا. أن نبقى داخل هذا العالم، دون أن نستسلم لفوضاه. وأن نتقن الوقوف فيه دون أن نفقد أنفسنا.
Share this content: