×

   المجال العام!

   المجال العام!

حسام الوحيشي     

   المجال العام ليس ساحة ولا منصة.

إنه المسافة بين باب البيت وكرسي الدولة. وكلما ضعفت الدولة في الشرح، طال الطريق بين المواطن والحقيقة، وكثر الصراخ في المنتصف.

نحن لا نعيش دائمًا فائض حرية، بل عجز مؤسسات. وما يبدو أحيانًا نقاشًا حيويًا ليس علامة صحة بالضرورة، بل قد يكون جهازًا بديلًا، فقير الأدوات، سريع الاشتعال، يُطلب منه أن يؤدي وظيفة لم يُصمَّم لها: أن يحقق، ويفسر، ويحاكم، ويغلق الملفات.

حين تتأخر المؤسسة في نشر الوثيقة، وتترك القضايا بلا نهايات واضحة، لا يختفي الكلام؛ يتضخم. تتحول القضية إلى موسم، والملف إلى شائعة طويلة، والناس إلى محققين بلا أدوات. هنا يصبح المجال العام غرفة طوارئ مفتوحة، لكنها بلا طبيب، ولا تقرير، ولا ساعة انتهاء.

في ليبيا، لا يفتقد المجال العام الكلام. هو متخم به. ما يفتقده هو الإغلاق: معلومة قابلة للتدقيق، مسؤولية محددة، نتيجة منشورة، وأثر يمكن تتبعه. من دون ذلك، تصبح القصة أقوى من المعلومة، والسمعة أسرع من القانون، والهوية بديلًا عن التحقق. لا يعود السؤال: أين الحقيقة؟ بل: أنت مع من؟

تعمل المنصات وفق قانون قاسٍ: الانتباه أغلى من الحقيقة. فهي تكافئ ما يثير قبل أن تسأل عما يثبت. والحقيقة، للأسف، بطيئة ومكلفة؛ أما الإثارة فسريعة ورخيصة. لذلك تولد القضايا

وتموت في الضجيج، لا في التحقيق. يتهم أحدهم، ثم يصرخ، ثم يغير الموضوع. وحين يُطلب منه الدليل، يعطي خريطة للعالم. هكذا ينهار الاتهام بالتراكب:

لا لكي يثبت شيئًا، بل لكي يمنع الإثبات من الوصول.

لهذا، لا يحتاج المجال العام إلى مزيد من الصراخ، بل إلى منهج. ولكي لانخسر عقولنا في سوق الانتباه، علينا أن نسأل: ما الواقعة المحددة؟ ما الأثر القابل للتتبع؟ من الجهة المسؤولة رسميًا؟ وهل صار التحقق أسهل أم أصعب؟

إذا صار التحقق أصعب، فنحن غالبًا لانشهد فضيحة تُكشف، بل دوشة تُدار. والفرق بينهما حاسم. الفضيحة الحقيقية تقود إلى وثيقة، وتحديث، ومحاسبة. أما الدوشة فتقود إلى استنزاف عام، ثم إلى فضيحة جديدة، ثم إلى نسيانٍ أنيق.

المطلوب أن نحول القصة إلى ملف، والانطباع إلى أثر، والولاء إلى مساءلة. أن نسأل: هل نُشرت وثيقة؟ هل صدر تحديث رسمي؟ هل ظهر أثر في الواقع؟ فإذا غابت هذه الثلاثة، فنحن أمام موجة انتباه، لا قضية عامة.

الصحافة ليست حيادًا باردًا أمام الفوضى. الصحافة انحياز للمنهج: للوقائع، للمعايير، ولحق الناس في التحقق. وفي بلادٍ تتكاثر فيها الضوضاء، يصبح السؤال نفسه فعل مقاومة. حجرًا صغيرًا في طريق الانهيار.

Share this content: