×

من المسرح الى التلفزيون

من المسرح الى التلفزيون

         في‭ ‬مشهدٍ‭ ‬إعلامي‭ ‬ليبيٍ‭ ‬تتنازعه‭ ‬الاستقطابات‭ ‬وتُثقله‭ ‬الضوضاء،‭ ‬تبرز‭ ‬أسماء‭ ‬قليلة‭ ‬اختارت‭ ‬أن‭ ‬تمشي‭ ‬على‭ ‬حافة‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬الهامش‭. ‬من‭ ‬بين‭ ‬هذه‭ ‬الأصوات،‭ ‬تطلّ‭ ‬الإعلامية‭ ‬إيمان‭ ‬الوحيشي،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكتف‭ ‬بأن‭ ‬تكون‭ ‬مقدمة‭ ‬برامج‭ ‬فقط‭  ‬بل‭ ‬صوتا‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يُعيد‭ ‬تعريف‭ ‬وظيفة‭ ‬الإعلام‭: ‬من‭ ‬منصة‭ ‬للجدل‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬للمساءلة‭.‬

رحلتها‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬استوديوهات‭ ‬الأخبار،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح،‭ ‬حيث‭ ‬تشكّل‭ ‬وعيها‭ ‬الأول‭ ‬بمعنى‭ ‬الوقوف‭ ‬أمام‭ ‬الجمهور،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تنتقل‭ ‬إلى‭ ‬ميكروفون‭ ‬الإذاعة‭ ‬ثم‭ ‬شاشة‭ ‬التلفزيون،‭ ‬حاملة‭ ‬معها‭ ‬شغفًا‭ ‬مبكرًا‭ ‬ومسؤولية‭ ‬نضجت‭ ‬مع‭ ‬التجربة‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الحوار،‭ ‬تفتح‭ ‬الوحيشي‭ ‬دفاتر‭ ‬البدايات،‭ ‬وتخوض‭ ‬في‭ ‬عمق‭ ‬الإشكاليات‭ ‬التي‭ ‬تعصف‭ ‬بالإعلام‭ ‬الليبي

إيمان‭ ‬الوحيشي

من‭ ‬المسرح‭ ‬إلى‭ ‬التلفزيون

النجاح‭ ‬لا‭ ‬يقاس‭ ‬بالجوائز

بل‭ ‬بثقة‭ ‬الناس

حوار‭ : ‬خديجة‭ ‬المرهاق

الوحيشي‭ ‬تتحدث‭ ‬بلا‭ ‬مواربة‭ :‬

الإعلام‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جسر‭ ‬سلام‭ ‬ويمكن‭ ‬يحدث‭ ‬أزمة‭.. ‬

بدايةً،‭ ‬كيف‭ ‬تستعيدين‭ ‬ملامح‭ ‬انطلاقتك‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬المجال‭ ‬الإعلامي؟‭ ‬وما‭ ‬اللحظة‭ ‬الفارقة‭ ‬التي‭ ‬أدركتِ‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬مجرد‭ ‬تجربة،‭ ‬بل‭ ‬خيارك‭ ‬المهني‭ ‬الحقيقي؟•‭ ‬

حين‭ ‬أعود‭ ‬بذاكرتي‭ ‬إلى‭ ‬البدايات‭ ‬الأولى،‭ ‬أكتشف‭ ‬أن‭ ‬علاقتي‭ ‬بالإعلام‭ ‬لم‭ ‬تبدأ‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرات،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬خشبة‭ ‬المسرح‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬الطفولة‭. ‬فالدخول‭ ‬إلى‭ ‬المجال‭ ‬الإعلامي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قرارًا‭ ‬مخططًا‭ ‬له،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬امتدادًا‭ ‬لمسار‭ ‬بدأ‭ ‬مبكرًا‭ ‬جدًا‭. ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬القاهرة،‭ ‬حيث‭ ‬عشت‭ ‬جميع‭ ‬مراحلي‭ ‬العمرية‭ ‬والدراسية،‭ ‬وهناك‭ ‬تشكّلت‭ ‬ملامح‭ ‬شخصيتي‭ ‬الأولى،‭ ‬خاصة‭ ‬علاقتي‭ ‬المبكرة‭ ‬بالوقوف‭ ‬أمام‭ ‬الجمهور‭ ‬والتعبير‭.‬

منذ‭ ‬المرحلة‭ ‬المدرسية،‭ ‬كنت‭ ‬حاضرة‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬الأنشطة‭ ‬اللاصفية،‭ ‬من‭ ‬الإذاعة‭ ‬المدرسية‭ ‬إلى‭ ‬الاستعراضات‭ ‬والباليه،‭ ‬وكل‭ ‬ما‭ ‬يرتبط‭ ‬بالأنشطة‭ ‬الفنية‭ ‬والثقافية‭. ‬كنت‭ ‬أُختار‭ ‬باستمرار،‭ ‬وكنت‭ ‬دائمًا‭ ‬ضمن‭ ‬الفقرات‭ ‬الرئيسية،‭ ‬لا‭ ‬حبًا‭ ‬في‭ ‬الظهور،‭ ‬بل‭ ‬لأنني‭ ‬وجدت‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المساحات‭ ‬ذاتي‭ ‬الحقيقية‭.‬

أتذكر‭ ‬جيدًا‭ ‬فقراتي‭ ‬الغنائية‭ ‬عن‭ ‬فلسطين،‭ ‬وتلك‭ ‬التجارب‭ ‬التي‭ ‬زرعت‭ ‬في‭ ‬داخلي،‭ ‬منذ‭ ‬سن‭ ‬مبكرة،‭ ‬إحساسًا‭ ‬بالمسؤولية‭ ‬تجاه‭ ‬القضايا‭ ‬العادلة،‭ ‬حتى‭ ‬قبل‭ ‬امتلاك‭ ‬أدوات‭ ‬الفهم‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬الإعلامي‭. ‬كما‭ ‬أستعيد‭ ‬تجربة‭ ‬الوقوف‭ ‬على‭ ‬مسرح‭ ‬دار‭ ‬الأوبرا‭ ‬المصرية‭ ‬خلال‭ ‬الحفلات‭ ‬الختامية‭ ‬السنوية،‭ ‬أمام‭ ‬جمهور‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الأهالي‭ ‬والضيوف،‭ ‬وكانت،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أدري،‭ ‬البذرة‭ ‬الأولى‭ ‬لعلاقة‭ ‬طويلة‭ ‬مع‭ ‬الميكروفون‭ ‬والكاميرا‭.‬

أما‭ ‬اللحظة‭ ‬الفارقة‭ ‬التي‭ ‬أدركت‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬الإعلام‭ ‬أصبح‭ ‬خياري‭ ‬الحقيقي،‭ ‬فكانت‭ ‬مع‭ ‬إعلان‭ ‬مؤسسة‭ ‬“الوسط”‭ ‬الإعلامية‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬اختبارات‭ ‬الأداء‭ ‬لليبيين‭ ‬المقيمين‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭. ‬تقدّمت‭ ‬دون‭ ‬تردد،‭ ‬ضمن‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المتنافسين،‭ ‬وفي‭ ‬عام‭ ‬2013،‭ ‬تُوّج‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬بتوقيع‭ ‬أول‭ ‬عقد‭ ‬عمل‭ ‬لي‭ ‬كمقدمة‭ ‬برامج‭ ‬في‭ ‬“راديو‭ ‬الوسط”‭. 

في‭ ‬ظل‭ ‬تعقيد‭ ‬المشهد‭ ‬الليبي‭ ‬وتشابك‭ ‬ملفاته،‭ ‬ما‭ ‬المعايير‭ ‬المهنية‭ ‬التي‭ ‬تعتمدين‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬انتقاء‭ ‬ضيوفك‭ ‬و‭ ‬المواضيع‭ ‬التي‭ ‬تطرحينها‭ ‬؟

في‭ ‬ظل‭ ‬المشهد‭ ‬الليبي‭ ‬المعقد،‭ ‬أرى‭ ‬أن‭ ‬اختيار‭ ‬الضيوف‭ ‬والمواضيع‭ ‬مسؤولية‭ ‬مضاعفة‭. ‬المعيار‭ ‬الأول‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬هو‭ ‬المصداقية،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬ضيوف‭ ‬يمتلكون‭ ‬معرفة‭ ‬حقيقية،‭ ‬لا‭ ‬من‭ ‬يبحثون‭ ‬عن‭ ‬منبر‭ ‬لتسويق‭ ‬أجنداتهم‭.‬

أما‭ ‬المعيار‭ ‬الثاني‭ ‬فهو‭ ‬الكفاءة‭ ‬والتخصص؛‭ ‬ففي‭ ‬القضايا‭ ‬الاقتصادية‭ ‬أناقش‭ ‬خبراء‭ ‬اقتصاديين،‭ ‬وفي‭ ‬الملفات‭ ‬القانونية‭ ‬أستضيف‭ ‬قانونيين‭ ‬مختصين،‭ ‬لأن‭ ‬المتلقي‭ ‬الليبي‭ ‬يستحق‭ ‬محتوى‭ ‬يحترم‭ ‬عقله‭.‬

وفيما‭ ‬يخص‭ ‬المواضيع،‭ ‬أحرص‭ ‬على‭ ‬اختيار‭ ‬ما‭ ‬يمس‭ ‬المواطن‭ ‬الليبي‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭: ‬قضايا‭ ‬المعيشة،‭ ‬والخدمات،‭ ‬والأمن،‭ ‬والمصالحة،‭ ‬ومستقبل‭ ‬البلاد،‭ .‬

ويبقى‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬هو‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬التوازن‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬الاستقطاب‭ ‬الحاد،‭ ‬لذلك‭ ‬أسعى‭ ‬إلى‭ ‬استضافة‭ ‬أصوات‭ ‬مختلفة‭ ‬ووجهات‭ ‬نظر‭ ‬متباينة

••‭ ‬برنامجا‭ ‬“هذا‭ ‬المساء”‭ ‬و”وسط‭ ‬الخبر”‭ ‬حققا‭ ‬حضورًا‭ ‬لافتًا‭ ‬وتفاعلًا‭ ‬جماهيريًا‭ ‬واسعًا،‭ ‬برأيك‭ ‬ما‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬صنعت‭ ‬هذا‭ ‬القبول‭ ‬لدى‭ ‬الجمهور؟

‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬السر‭ ‬الأساسي‭ ‬في‭ ‬التفاعل‭ ‬الجماهيري‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الصدق‭ ‬والقرب‭ ‬من‭ ‬هموم‭ ‬الناس‭. ‬حين‭ ‬يشعر‭ ‬المشاهد‭ ‬أنك‭ ‬تطرحين‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬تمثله،‭ ‬والتي‭ ‬كان‭ ‬يود‭ ‬طرحها‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬موقعك،‭ ‬يتحول‭ ‬من‭ ‬متلقٍ‭ ‬سلبي‭ ‬إلى‭ ‬شريك‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬الحوار‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬فلسفة‭ ‬البرنامجين‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬موقع‭ ‬وسطي‭ ‬واضح‭: ‬لا‭ ‬

حسنًا‭ ‬نسبيًا‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة،‭ ‬لكننا‭ ‬ما‭ ‬زلنا‭ ‬نطمح‭ ‬إلى‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذلك‭. ‬اليوم‭ ‬نرى‭ ‬مذيعات‭ ‬ومقدمات‭ ‬برامج‭ ‬ومراسلات‭ ‬يقدمن‭ ‬أداءً‭ ‬مهنيًا‭ ‬عاليًا،‭ ‬وهذا‭ ‬تطور‭ ‬إيجابي‭ ‬يستحق‭ ‬الإشادة‭.‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬تواجه‭ ‬المرأة‭ ‬تحديات‭ ‬مضاعفة؛‭ ‬فمن‭ ‬جهة،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬النظرة‭ ‬المجتمعية‭ ‬تفرض‭ ‬قيودًا‭ ‬غير‭ ‬معلنة‭ ‬على‭ ‬عملها‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬السياسي،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬هناك‭ ‬صعوبة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬وصول‭ ‬النساء‭ ‬إلى‭ ‬مواقع‭ ‬صنع‭ ‬القرار‭ ‬داخل‭ ‬المؤسسات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تُدار‭ ‬في‭ ‬أغلبها‭ ‬بعقلية‭ ‬ذكورية‭.‬

وما‭ ‬نحتاجه‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬حضورًا‭ ‬أمام‭ ‬الكاميرا،‭ ‬بل‭ ‬تمكينًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬في‭ ‬الإعداد‭ ‬والتحرير‭ ‬والإدارة‭ ‬وصناعة‭ ‬القرار‭ ‬الإعلامي‭.‬

برأيك،‭ ‬ما‭ ‬أبرز‭ ‬الاختلالات‭ ‬التي‭ ‬ينبغي‭ ‬التوقف‭ ‬عندها‭ ‬بجدية‭ ‬لإعادة‭ ‬تصويب‭ ‬مسار‭ ‬الإعلام‭ ‬الليبي‭ ‬والارتقاء‭ ‬بأدائه‭ ‬المهني؟

يعاني‭ ‬الإعلام‭ ‬الليبي‭ ‬من‭ ‬إشكاليات‭ ‬جوهرية‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬

صوت‭ ‬للسلطة‭ ‬ولا‭ ‬للمعارضة،‭ ‬بل‭ ‬صوت‭ ‬المواطن‭..‬

وأحرص‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬انتزاع‭ ‬الإجابات‭ ‬الواضحة،‭ ‬ورفض‭ ‬التهرب‭ ‬والدبلوماسية‭ ‬الفارغة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التفاعل‭ ‬المستمر‭ ‬مع‭ ‬الجمهور‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬و‭ ‬استلهام‭ ‬أفكار‭ ‬الحلقات‭ ‬من‭ ‬تعليقاتهم‭ ‬ورسائلهم

المراة الليبية قادرة .. لكن القرار لايزال ذكوريا

يثار‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الجدل‭ ‬حول‭ ‬مصداقية‭ ‬الجوائز‭ ‬الإعلامية،‭ ‬بين‭ ‬من‭ ‬يراها‭ ‬تقديرًا‭ ‬مستحقًا‭ ‬ومن‭ ‬يعتبرها‭ ‬رهينة‭ ‬للعلاقات،‭ ‬كيف‭ ‬تنظرين‭ ‬إلى‭ ‬هذه‭ ‬المسألة‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬تجربتك؟

الجدل‭ ‬حول‭ ‬الجوائز‭ ‬مفهوم‭ ‬في‭ ‬بيئات‭ ‬تفتقر‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬معايير‭ ‬واضحة،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أتعامل‭ ‬معها‭ ‬بمنطق‭ ‬التقديس‭ ‬أو‭ ‬الرفض‭. ‬تجربتي‭ ‬مع‭ ‬الجوائز‭ ‬كانت‭ ‬تدريجية،‭ ‬وكانت‭ ‬البداية‭ ‬مع‭ ‬برنامج‭ ‬“هنا‭ ‬ليبيا”‭.‬

وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة،‭ ‬كنت‭ ‬أتعامل‭ ‬مع‭ ‬الترشيح‭ ‬باعتباره‭ ‬تقييمًا‭ ‬مرحليًا‭ ‬للتجربة،‭ ‬لا‭ ‬حكمًا‭ ‬نهائيًا‭ ‬على‭ ‬النجاح‭ ‬أو‭ ‬الفشل‭. ‬أما‭ ‬حصولي‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬“سبتيموس”‭ ‬عن‭ ‬برنامج‭ ‬“هذا‭ ‬المساء”،‭ ‬فلم‭ ‬أره‭ ‬تأكيدًا‭ ‬للتفوق‭ ‬أو‭ ‬النجومية،‭ ‬بل‭ ‬لفتة‭ ‬تقدير‭ ‬مهنية‭ ‬ودافعًا‭ ‬معنويًا،‭ ‬لا‭ ‬مقياسًا‭ ‬نهائيًا‭ ‬للنجاح‭. ‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬أرى‭ ‬ضررًا‭ ‬في‭ ‬الاعتراف‭ ‬بأن‭ ‬الجوائز،‭ ‬حين‭ ‬تُمنح‭ ‬ضمن‭ ‬أطر‭ ‬مهنية،‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تلعب‭ ‬دورًا‭ ‬إيجابيًا‭ ‬في‭ ‬تحفيز‭ ‬الصحفيين‭ ‬وتنمية‭ ‬روح‭ ‬التنافس‭ ‬الصحي‭ ‬بينهم‭. ‬

كيف‭ ‬تقيّمين‭ ‬اليوم‭ ‬حضور‭ ‬المرأة‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬السياسي؟‭ ‬وهل‭ ‬تجاوزت‭ ‬مرحلة‭ ‬الإثبات‭ ‬نحو‭ ‬مرحلة‭ ‬التأثير‭ ‬وصناعة‭ ‬القرار؟

شهد‭ ‬حضور‭ ‬المرأة‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬السياسي

وقفة‭ ‬جادة‭. ‬أولها‭ ‬غياب‭ ‬التدريب‭ ‬المهني‭ ‬الحقيقي،‭ ‬حيث‭ ‬دخل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬العاملين‭ ‬المجال‭ ‬دون‭ ‬تأهيل‭ ‬كافٍ،‭ ‬

كما‭ ‬يتمثل‭ ‬الخطأ‭ ‬الثاني‭ ‬في‭ ‬الخلط‭ ‬بين‭ ‬الرأي‭ ‬والخبر،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الإعلام‭ ‬المهني‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬الفصل‭ ‬الواضح‭ ‬بينهما‭.‬

أما‭ ‬الخطأ‭ ‬الثالث،‭ ‬فهو‭ ‬اللهاث‭ ‬وراء‭ ‬السبق‭ ‬الصحفي‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الدقة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬غياب‭ ‬ميثاق‭ ‬شرف‭ ‬إعلامي‭ ‬ملزم،‭ ‬والارتهان‭ ‬للتمويل‭ ‬السياسي،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬السرعة‭ ‬ووسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي

في‭ ‬بيئة‭ ‬إعلامية‭ ‬يغلب‭ ‬عليها‭ ‬الانقسام،‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬استطعتِ‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬مسافة‭ ‬مهنية‭ ‬متوازنة‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأطراف؟‭ ‬

الحياد‭ ‬المهني‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬المساواة‭ ‬بين‭ ‬الحق‭ ‬والباطل،‭ ‬بل‭ ‬يعني‭ ‬طرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬نفسها‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬و‭ ‬المعيار‭ ‬ذاته‭. ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬الليبي‭ ‬المنقسم،‭ ‬أصبح‭ ‬الحياد‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬تهمة‭.‬

اخترت‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬ألا‭ ‬أكون‭ ‬في‭ ‬خندق‭ ‬أي‭ ‬طرف‭ ‬سياسي،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬خندق‭ ‬المواطن‭ ‬الليبي‭ ‬البسيط‭ ‬الذي‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬كريمة‭. ‬لا‭ ‬أدّعي‭ ‬الكمال،‭ ‬المهنية‭ ‬مسار‭ ‬طويل‭ ‬يتطلب‭ ‬مراجعة‭ ‬ذاتية‭ ‬مستمرة،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يهمني‭ ‬هو‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬صادقة‭ ‬مع‭ ‬ضميري،‭ ‬وأن‭ ‬أقول‭ ‬الحقيقة‭ ‬كما‭ ‬أراها‭ ‬دون‭ ‬خوف‭ ‬أو‭ ‬حسابات‭ ‬ضيقة‭.‬

خلال‭ ‬مسيرتك،‭ ‬هل‭ ‬واجهتِ‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬وصفه‭ ‬بـ”الخطوط‭ ‬الحمراء”‭ ‬التي‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬الطرح؟‭ ‬وكيف‭ ‬تعاملتِ‭ ‬معها‭ ‬ضمن‭ ‬إطارك‭ ‬المهني؟

مشروعـي‭ ‬القـادم‭ ‬إعلام‭ ‬يصنعــه‭ ‬الجمهــور‭ ‬

لا‭ ‬يُملى‭ ‬عليـه

هناك‭ ‬خطوط‭ ‬حمراء‭ ‬طبيعية‭ ‬ومفهومة،‭ ‬خاصة‭ ‬فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالأمن‭ ‬القومي‭ ‬أو‭ ‬حماية‭ ‬الأرواح،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مؤسسة‭ ‬إعلامية‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬تجربتي‭ ‬مع‭ ‬قناة‭ ‬“الوسط”،‭ ‬فلا‭ ‬توجد‭ ‬خطوط‭ ‬تعسفية‭ ‬تقيد‭ ‬حرية‭ ‬الطرح،‭ ‬بل‭ ‬تقوم‭ ‬العلاقة‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬والاحترام‭ ‬المتبادل،‭ ‬مما‭ ‬يتيح‭ ‬ممارسة‭ ‬الدور‭ ‬المهني‭ ‬بشكل‭ ‬متوازن

•أين‭ ‬تضعين‭ ‬الحد‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬الجرأة‭ ‬المهنية‭ ‬المطلوبة،‭ ‬وبين‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬الإثارة‭ ‬الإعلامية؟

‭ ‬الفرق‭ ‬بين‭ ‬الجرأة‭ ‬المهنية‭ ‬والإثارة‭ ‬الإعلامية‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬النية‭ ‬والهدف؛‭ ‬الجرأة‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬كشف‭ ‬الحقيقة‭ ‬وخدمة‭ ‬الصالح‭ ‬العام،‭ ‬بينما‭ ‬تسعى‭ ‬الإثارة‭ ‬إلى‭ ‬جذب‭ ‬الانتباه‭ ‬فقط‭.‬

وقبل‭ ‬طرح‭ ‬أي‭ ‬سؤال‭ ‬حساس،‭ ‬أضع‭ ‬لنفسي‭ ‬معايير‭ ‬واضحة‭: ‬هل‭ ‬يخدم‭ ‬الحقيقة؟‭ ‬هل‭ ‬يفيد‭ ‬الجمهور؟‭ ‬وهل‭ ‬أنا‭ ‬مستعدة‭ ‬لتحمل‭ ‬تبعاته؟‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الإجابة‭ ‬نعم،‭ ‬أطرحه‭ ‬دون‭ ‬تردد‭.‬

في‭ ‬تقديرك،‭ ‬هل‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الإعلام‭ ‬قادرًا‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الحل،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬صوره‭ ‬–‭ ‬أصبح‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬تعقيد‭ ‬الأزمة؟

للأسف،‭ ‬أصبح‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الإعلام‭ ‬الليبي‭ ‬يمثل‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬الأزمة،‭ ‬بعدما‭ ‬تحول‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للتحريض‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬جسرًا‭ ‬للحوار‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬هناك‭ ‬إعلاميون‭ ‬يحاولون‭ ‬العمل‭ ‬بمهنية‭ ‬رغم‭ ‬الضغوط‭.‬

ما‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬يراودك‭ ‬وتجدين‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬طرحه،‭ ‬رغم‭ ‬أهميته،‭ ‬وربما‭ ‬قسوته؟

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يشغل‭ ‬تفكيري‭ ‬يتعلق‭ ‬بالمصالحة‭ ‬الوطنية‭ ‬الحقيقية‭ ‬وثمنها‭ ‬الفعلي‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬مستعدون‭ ‬فعلًا‭ ‬للتنازل‭ ‬والعفو،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬شعارات‭ ‬المصالحة‭ ‬مجرد‭ ‬خطاب؟

أخشى‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬لأن‭ ‬إجابته‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬قاسية،‭ ‬لكنها‭ ‬ضرورية‭ ‬إذا‭ ‬أردنا‭ ‬التقدم‭.‬

أخيرًا،‭ ‬هل‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬أو‭ ‬مشروع‭ ‬تعملين‭ ‬عليه‭ ‬ترغبين‭ ‬في‭ ‬مشاركته‭ ‬مع‭ ‬قرّاء‭ ‬“مجلة‭ ‬الليبية”؟

أعمل‭ ‬حاليًا‭ ‬على‭ ‬مشروع‭ ‬إعلامي‭ ‬جديد‭ ‬يهدف‭ ‬إلى‭ ‬إحداث‭ ‬نقلة‭ ‬نوعية‭ ‬في‭ ‬مسيرتي،‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الإعلام‭ ‬التقليدي‭ ‬والرقمي،‭ ‬ويستهدف‭ ‬فئة‭ ‬الشباب‭ ‬عبر‭ ‬محتوى‭ ‬تفاعلي‭ ‬يتيح‭ ‬للجمهور‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭.‬

أتمنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬إضافة‭ ‬حقيقية‭ ‬للمشهد‭ ‬الإعلامي‭ ‬الليبي،‭ ‬وسأكشف‭ ‬عن‭ ‬تفاصيله‭ ‬قريبًا‭.‬

Share this content: