ليبيا بين الذاكرة والأدب والتراث
في خضم التحولات الاجتماعية والسياسية التي عرفتها ليبيا خلال القرن الماضي، ظهر الأدب والتراث كتجربة معبرة عن الشعب الليبي، من النفي القسري إلى السجون الاستعمارية، ومن النصب التذكارية وصولا إلى الحكايات الشعبية. وقد نشر موقع «الفراتس» عددا من التغطيات الصحفية التي تسبر هذه التجارب الثقافية، مسلطا الضوء على الأبعاد الإنسانية والتاريخية للأدب والتراث الليبي.
إشراف : مصطفى حمودة
رحلة في السرد والتاريخ الثقافي
يناقش الكاتب ‘‘مو مصراتي’’ في مقاله «تماثيل ليبيا.. بين الإرث الروماني ومحاولات التحرر الوطني» العلاقة المعقدة بين الليبيين وتماثيلهم، مستعرضا جدل تمثال الإمبراطور الروماني ‘‘سيبتيموس سيفيروس’’ عام 2025، موضحا كيف كانت التماثيل والنصب أدوات لصراع بين الرمز المحلي والحضور الاستعماري.
في مقالها الصادر بتاريخ 3 مارس 2026، تحت عنوان «أدب ليبيا يوثق النفي القسري والاعتقال في زمن الاستعمار الإيطالي»، تبرز الصحفية ‘‘صفية العايش’’ الدور الحيوي للشعر الشعبي الليبي في توثيق تجربة الاستعمار الإيطالي بين 1911 و1943. وتوضح العايش كيف شكّل الشعر ملاذا للتعبير عن المعاناة اليومية والخوف والحنين إلى الوطن، ليصبح مرجعا حيا لحفظ الذاكرة الوطنية، خصوصا في ظل غياب السجلات الرسمية الموثقة.
يستعرض المقال أعمال شعراء مثل: رجب بوحويش، أبو رويلة المعداني، فاطمة عثمان، وأحمد رفيق المهدوي، الذين جسّدوا تجارب النفي والسجن والقمع، محولين النص الشعري إلى أرشيف بديل للتاريخ. كما يسلط الضوء على مشروع «قصائد الجهاد» المنشور سنة 1987 ضمن مشروع توثيق الروايات الشفهية لجهاد
يقدم ‘‘حسام الثني’’ قراءة عميقة لتجارب النساء الليبيات عبر الحكايات الشعبية أو الخراريف، مستشهدا بشخصية الجدة «مبروكة صهّد». ويبرز كيف تكشف هذه الحكايات عن رغبات النساء وأدوارهن الرمزية في مقاومة التفرقة بين الذكر والأنثى، وتحول السرد الشعبي إلى قوة ناعمة تعكس المعرفة والقيم الاجتماعية المخفية.
يوثق مقال «الحصان الأسود» لـ‘‘مو مصراتي’’ تجارب الأدباء الليبيين بعد سقوط نظام معمر القذافي، موضحا كيف تحولت سنوات السجن الطويلة إلى فضاءات للتعلم والنقاش الثقافي، وكيف ساعدت الكتابة في بلورة أسلوب سردي مكثف يعكس القهر اليومي وظروف الاحتجاز، لتصبح التجربة السجنية مدرسة للغة والفكر ومختبرا ثقافيا للأجيال القادمة.
لليبيين ضد الاستعمار، الذي جمع الروايات الشفهية لتلك الحقبة، مؤكدا أن الأدب الليبي المعاصر يستلهم هذه التجربة لتعليم الأجيال الجديدة عن صمود الشعب الليبي في مواجهة الاستعمار.
في ذات السياق، نشر الكاتب والباحث المستقل ‘‘مو مصراتي’’ بتاريخ 21 أكتوبر 2025 مقالا بعنوان «تماثيل ليبيا.. بين الإرث الروماني ومحاولات التحرر الوطني». يناقش المقال العلاقة المعقدة بين الليبيين وتماثيلهم، وكيف كانت التماثيل والنُصب التذكارية أدوات لصراع الذاكرة الوطنية والحضور الاستعماري. يركز المقال على تمثال الإمبراطور الروماني «سيبتيموس سيفيروس»، الذي أثار جدلا واسعا عام 2025 حول نقله من متحف لبدة إلى ميدان الشهداء في طرابلس، معبّرا عن التوتر بين الرمز المحلي والسردية الاستعمارية.
يتتبع المقال تاريخ النصب الاستعمارية منذ الغزو الإيطالي عام 1911، مثل نصب «رأس جليانة» و»معركة الهاني»، وكيف تحولت هذه التماثيل بعد الاستقلال إلى رموز وطنية، غالبا في شكل مسلّات حجرية دون تماثيل مجسمة، مراعاة للثقافة والدين المحلي. كما يبرز المقال كيف تحولت بعض التماثيل الاستعمارية إلى رموز شعبية، مثل تمثال «الغزالة والحسناء» في طرابلس، قبل أن يختفي في 2014، مشيراً إلى أن التماثيل ليست مجرد أعمال فنية بل مسرح بصري لصراعات الذاكرة الوطنية.
ومن زاوية الحياة الاجتماعية، يقدم الكاتب ‘‘حسام الثني’’ بتاريخ 26 سبتمبر 2024 في مقاله «تحت رداء الجدات: خراريف الجدات الليبيات وما تحكيه عن وضع المرأة الاجتماعي» قراءة عميقة لتجارب النساء الليبيات عبر الحكايات الشعبية، أو ما يُعرف بالخراريف. من خلال استدعاء شخصية الجدة ‘‘مبروكة صهّد’’، يوضح الثني كيف يُستخدم الرداء كرمز للاختباء والحشمة، وفي الوقت نفسه كوسيلة للتعبير عن الهوية.
تكشف الحكايات مثل خرّافة «الرّحم» وخرّافة «بو نفّيص» عن رغبات النساء وأدوارهن الرمزية في مقاومة التفرقة بين الذكر والأنثى، وتبرز السلطة الخفية للجدات في اختيار ما يُحكى وكيفية روايته، لتحويل السرد الشعبي إلى قوة ناعمة تعكس المعرفة والقيم الاجتماعية المخفية.
أما في مجال الأدب السجني، فبرزت كتابات الأدباء الليبيين بعد سقوط نظام ‘‘معمر القذافي’’، حيث كشفت تجاربهم عن بعد سياسي واجتماعي عميق. ففي مقال نشره ‘‘مو مصراتي’’ بتاريخ 27 مارس 2026 بعنوان «الحصان الأسود.. هكذا تمثّلت التجربة السجنية في كتابات الأدباء الليبيين»، يوثق كيف بدأت أعمال ‘‘منصور بوشناف’’ و‘‘جمعة بوكليب’’ في عام 2008، مسترجعة سنوات السجن الطويلة، وكيف تحولت العنابر إلى فضاءات للتعلم والنقاش الثقافي بين السجناء.
تُظهر هذه النصوص، كما في أعمال ‘‘عمر الككلي’’ و‘‘محمد الشلطامي’’، قدرة الكتابة على بلورة أسلوب سردي مكثف يعكس القهر اليومي وظروف الاحتجاز، مؤكدين أن التجربة السجنية شكلت مدرسة للغة والفكر، وجعلت السجن مختبرا ثقافيا تنهل منه الأجيال القادمة.
من خلال هذه المقالات المتنوعة، يتضح أن ليبيا تمثل فسيفساء من التجارب الثقافية والتاريخية، حيث الأدب الشعبي والشعر والنصب التذكارية والحكايات الشعبية والكتابات السجنية تشكل شبكة مترابطة من الذاكرة الوطنية. وهي شبكة تروي قصصا عن المقاومة وعن الهوية وعن الصمود في مواجهة الاستعمار والقمع الاجتماعي والسياسي، ما يؤشر إلى أن الحكاية الليبية ليست مجرد تاريخ يتم تناقله عبر الأجيال، بل تجربة حية تتشكل كل يوم في ضمير مجتمع يبحث عن ذاته ويحاول لملمة شتات نفسه.
توضح الصحفية ‘‘صفية العايش’’ كيف شكّل الشعر الشعبي الليبي ملاذا للتعبير عن المعاناة اليومية والخوف والحنين إلى الوطن خلال الاستعمار الإيطالي، ليصبح مرجعا حيا لحفظ الذاكرة الوطنية، خصوصا في ظل غياب السجلات الرسمية الموثقة.
Share this content: