×

عينٌ لا تنام.. وبيتٌ لا يغادره الضوء

عينٌ لا تنام.. وبيتٌ لا يغادره الضوء

صحفية‭ ‬ومخرجة‭ ‬أفلام‭ ‬وثائقية‭ ‬وصانعة‭ ‬محتوى‭ ‬ليبية،‭ ‬تحوّل‭ ‬كل‭ ‬رواية‭ ‬تقرؤها‭ ‬إلى‭ ‬فيلم‭ ‬يدور‭ ‬في‭ ‬رأسها،‭ ‬وتحمل‭ ‬ليبيا‭ ‬معها‭ ‬أينما‭ ‬ذهبت‭. ‬

لا‭ ‬كلمات‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المشهد،‭ ‬ولا‭ ‬كتاب‭ ‬في‭ ‬الكادر‭. ‬عين‭ ‬تتّسع‭ ‬حدقتها‭ ‬ببطء،‭ ‬يتسلّل‭ ‬إليها‭ ‬ضوء‭ ‬دافئ‭ ‬من‭ ‬نافذة‭ ‬مبنى‭ ‬عتيق،‭ ‬وتتحوّل‭ ‬الإضاءة‭ ‬تدريجياً‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬عادي‭ ‬إلى‭ ‬ألوان‭ ‬سينمائية‭ ‬غنية،

‭ ‬بينما‭ ‬يتصاعد‭ ‬صوت‭ ‬خُطى‭ ‬خافت‭ ‬على‭ ‬أوراق‭ ‬شجر‭ ‬يابسة،‭ ‬وموسيقى‭ ‬تصويرية‭ ‬تُنذر‭ ‬بعبور‭ ‬هادئ‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬محسوس‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬حدود‭ ‬له‭. ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬تختاره‭ ‬هبة‭ ‬الشيباني‭

‬حين‭ ‬يُطلب‭ ‬منها‭ ‬أن‭ ‬تختصر‭ ‬علاقتها‭ ‬بالقراءة‭ ‬في‭ ‬لقطة‭ ‬واحدة،‭ ‬بلا‭ ‬كتاب‭ ‬ظاهر‭ ‬فيها‭. ‬لأن‭ ‬الكتاب،‭ ‬في‭ ‬نهاية‭ ‬الأمر،‭ ‬ليس‭ ‬الورق‭. ‬الكتاب‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬بالذات،‭ ‬لحظة‭ ‬العبور‭.‬

هبة‭ ‬الشيباني‭ ‬ليست‭ ‬امرأة‭ ‬تحكي‭ ‬عن‭ ‬حبها‭ ‬للكتب‭ ‬فحسب‭. ‬هي‭ ‬مصورة‭ ‬وصحفية‭ ‬ومخرجة‭ ‬أفلام‭ ‬وثائقية‭ ‬وصانعة‭ ‬محتوى،‭ ‬تحمل‭ ‬عيناً‭ ‬مهنية‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬الراحة‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬أوقات‭ ‬فراغها‭. ‬‮

«‬من‭ ‬قال‭ ‬إن‭ ‬عين‭ ‬المصورة‭ ‬لا‭ ‬تنام‭ ‬أبداً‭ ‬كان‭ ‬مُحقّاً‮»‬‭. ‬فمجرد‭ ‬أن‭ ‬تفتح‭ ‬رواية،‭ ‬يبدأ‭ ‬عقلها،‭ ‬دون‭ ‬استئذان‭ ‬منها،‭ ‬بتفكيك‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬كادرات،‭ ‬زوايا‭ ‬كاميرا‭ ‬تُحدَّد،‭ ‬إضاءة‭ ‬تُوزَّع،

‭ ‬مسارات‭ ‬حركة‭ ‬تُرسم‭ ‬في‭ ‬الهواء‭. ‬القراءة‭ ‬عندها‭ ‬ليست‭ ‬استهلاكاً‭ ‬لحكاية‭ ‬غيرها،‭ ‬بل‭ ‬إنتاج‭ ‬سينمائي‭ ‬كامل‭ ‬يُصوَّر‭ ‬في‭ ‬الرأس‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يخرج‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬شاشة‭.‬

هيبة الشيباني

عاشقة‭ ‬الحكايات

وصانعــة‭ ‬الصــورة

>> حاورتها‭ : ‬منال‭ ‬الهمشري‭ ‬

‮«‬مجرد‭ ‬أن‭ ‬أبدأ‭ ‬في‭ ‬قراءة‭ ‬أي‭ ‬عمل‭ ‬خيالي،‭ ‬يبدأ‭ ‬عقلي‭ ‬لا‭ ‬إرادياً‭ ‬بتفكيك‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬كادرات‭ ‬سينمائية‮»‬

منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬تعيش‭ ‬هبة‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬ريدنج‮»‬‭ ‬البريطانية،‭ ‬على‭ ‬مقربة‭ ‬من‭ ‬‮«‬أكسفورد‮»‬‭ ‬و»باث‮»‬،‭ ‬تلك‭ ‬المدن‭ ‬التي‭ ‬تفوح‭ ‬منها‭ ‬رائحة‭ ‬التاريخ‭ ‬والأدب،‭

‬وقد‭ ‬أعادتها‭ ‬بشغف‭ ‬إلى‭ ‬أعمال‭ ‬جين‭ ‬أوستن‭ ‬وإلى‭ ‬فكرة‭ ‬أن‭ ‬المكان‭ ‬نفسه،‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬غنياً‭ ‬بالحكايات،‭ ‬يصبح‭ ‬مكتبة‭ ‬مفتوحة‭. ‬لكن‭ ‬الانتقال‭ ‬الجغرافي‭ ‬فرض‭ ‬عليها‭ ‬ازدواجية‭ ‬لا‭ ‬تُخفيها‭ ‬ولا‭ ‬تشتكي‭ ‬منها،

‭ ‬نسخة‭ ‬تدير‭ ‬يومها‭ ‬المهني‭ ‬بالإنجليزية‭ ‬وسط‭ ‬محيطها‭ ‬البريطاني،‭ ‬ونسخة‭ ‬أخرى‭ ‬تجد‭ ‬روحها‭ ‬وهويتها‭ ‬الكاملة‭ ‬حين‭ ‬تكتب‭ ‬أو‭ ‬تقرأ‭ ‬بالعربية‭. ‬‮«‬هذا‭ ‬الازدواج‭ ‬لا‭ ‬يمزّقني،‭ ‬بل‭ ‬يمنحني‭ ‬مرونة‭ ‬هائلة‭ ‬في‭ ‬التفكير،

‭ ‬ويسمح‭ ‬لي‭ ‬بأن‭ ‬أكون‭ ‬جسراً‭ ‬بين‭ ‬ثقافتين‭ ‬مختلفتين‮»‬،‭ ‬تقول،‭ ‬وكأنها‭ ‬تصف‭ ‬حالة‭ ‬كثير‭ ‬ممن‭ ‬غادروا‭ ‬أوطانهم‭ ‬ووجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬مكانين‭ ‬في‭ ‬آنٍ‭ ‬واحد‭ ‬مكان‭ ‬تسكنه‭ ‬الأجساد،‭ ‬ومكان‭ ‬تسكنه‭ ‬الذاكرة‭.‬

فالجغرافيا،‭ ‬كما‭ ‬تراها،‭ ‬تتبدّل،‭ ‬لكن‭ ‬الانتماء‭ ‬لا‭ ‬يسقط‭ ‬بالمسافات‭ ‬أبداً‭. ‬‮«‬ليبيا‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬مكان‭ ‬عشتُ‭ ‬فيه‭ ‬وابتعدتُ‭ ‬عنه،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬الجذور‭ ‬التي‭ ‬أرى‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬العالم‮»‬،‭ ‬تقول،‭ ‬وحين‭ ‬تصنع‭ ‬محتوى

‭ ‬أو‭ ‬تطرح‭ ‬قضايا‭ ‬لجمهورها‭ ‬الليبي‭ ‬وهي‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬قارّة‭ ‬كاملة،‭ ‬فإنها‭ ‬تستند‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬تلك‭ ‬الجذور،‭ ‬لأن‭ ‬البيت‭ ‬كما‭ ‬تختصر‭ ‬بجملة‭ ‬تلخّص‭ ‬تجربة‭ ‬كل‭ ‬مغترب‭ ‬‮«‬يسكن‭ ‬فينا‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نسكن‭ ‬فيه‮»‬‭.‬

أنا‭ ‬أرى‭ ‬العالم‭ ‬بعين‭ ‬الكاميرا‭ ‬

حتى‭ ‬وأنا‭ ‬أقرأ

‮«‬البيت‭ ‬يسكن‭ ‬فينا‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬نعد‭ ‬نسكن‭ ‬فيه‮»‬

لكن‭ ‬هبة‭ ‬لا‭ ‬تكتفي‭ ‬بالحنين‭ ‬إلى‭ ‬الماضي،‭ ‬فهي‭ ‬تخوض‭ ‬معركة‭ ‬يومية‭ ‬حقيقية‭ ‬مع‭ ‬جمهور‭ ‬شاب‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬غير‭ ‬الشاشة‭ ‬السريعة‭. ‬‮«‬هذا‭ ‬سؤال‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬أنا‭ ‬نفسي‭ ‬أبحث‭ ‬له‭ ‬عن‭ ‬إجابة‮»‬،‭ ‬تعترف‭ ‬بصدق‭ ‬نادر،

‭ ‬‮«‬لكن‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬السرّ‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬محاربة‭ ‬الشاشة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬التحدّث‭ ‬بلغتها‮»‬‭. ‬فهي‭ ‬تصنع‭ ‬محتوى‭ ‬بصرياً‭ ‬عالي‭ ‬الجودة،‭ ‬وتستخدم‭ ‬تقنيات‭ ‬التصوير‭ ‬والمونتاج‭ ‬لتلفت‭ ‬الانتباه‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬تربط‭ ‬الكتاب‭ ‬بشيء‭ ‬مألوف‭ ‬لدى‭ ‬جمهورها‭ ‬بالفعل‭ ‬كأن‭ ‬تحلّل‭

‬كيف‭ ‬أثّرت‭ ‬رواية‭ ‬معينة‭ ‬على‭ ‬سلسلة‭ ‬‮«‬أنمي‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬مانغا‮»‬‭ ‬شهيرة‭. ‬وهي‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تجامل‭ ‬ذائقة‭ ‬الجيل‭ ‬الجديد،‭ ‬بل‭ ‬تدافع‭ ‬عنها‭ ‬بقناعة‭ ‬راسخة،‭ ‬مصرّة‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬صنّاع‭ ‬المحتوى‭ ‬والصحفيين‭ ‬أن‭ ‬يتخلّوا‭ ‬عن‭ ‬نظرتهم‭ ‬الفوقية‭ ‬لفنون‭ ‬مثل‭ ‬المانغا‭ ‬والأنمي،

‭ ‬وأن‭ ‬يحتضنوها‭ ‬كأدوات‭ ‬سردية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬إحياء‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالكلمة‭ ‬المكتوبة،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬يستخفّوا‭ ‬بها‭.‬

القراءة ليست هواية

بل مساحتي الحرة 

وملاذي الشخصي

 

وإذا‭ ‬كانت‭ ‬الكتب‭ ‬بالنسبة‭ ‬إلى‭ ‬هبة‭ ‬الشيباني‭ ‬عوالم‭ ‬تُرى‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُقرأ،‭ ‬فإن‭ ‬لكل‭ ‬قارئ‭ ‬كتابًا‭ ‬أول،‭ ‬ولكل‭ ‬كاتب‭ ‬أثرًا‭ ‬يصعب‭ ‬محوه‭. ‬ورغم‭ ‬أنها‭ ‬تتحدث‭ ‬بتقدير‭ ‬عن‭ ‬لقاءات‭ ‬جمعتها‭ ‬مؤخرًا‭ ‬بأسماء‭ ‬أدبية‭ ‬بارزة،‭ ‬مثل‭ ‬هشام‭ ‬مطر،‭ ‬وبراندون‭ ‬ساندرسون،‭ ‬وأليف‭ ‬شافاق،‭ ‬وتصفها‭ ‬بأنها‭ ‬محطات‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬مسيرتها‭ ‬الشخصية‭ ‬والمهنية،‭ ‬فإن‭ ‬سؤالًا‭ ‬واحدًا‭ ‬أعادها‭ ‬إلى‭ ‬البدايات‭: ‬من‭ ‬الكاتب‭ ‬الذي‭ ‬ترك‭ ‬أثره‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬تكوينها؟‭ ‬لم‭ ‬تتردد‭ ‬في‭ ‬الإجابة‭. ‬لم‭ ‬

تختر‭ ‬اسمًا‭ ‬عالميًا،‭ ‬ولم‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬إجابة‭ ‬مفاجئة،‭ ‬بل‭ ‬عادت‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬تصفه‭ ‬بـ»العرّاب‮»‬‭: ‬أحمد‭ ‬خالد‭ ‬توفيق‭.‬

ولمن‭ ‬عاش‭ ‬طفولته‭ ‬أو‭ ‬مراهقته‭ ‬على‭ ‬أعمال‭ ‬أحمد‭ ‬خالد‭ ‬توفيق،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الاختيار‭ ‬ليس‭ ‬تفصيلاً‭ ‬عابراً،‭ ‬بل‭ ‬اعترافاً‭ ‬بدَين‭ ‬ثقافي‭ ‬يحمله‭ ‬جيل‭ ‬كامل‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬العربي‭. ‬‮«‬أعماله‭ ‬تركت‭ ‬بصمة‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬وجداني‮»‬،‭ ‬تقول‭ ‬هبة،‭ ‬‮«‬ولو‭ ‬التقيته‭ ‬فلن‭ ‬أحمل‭ ‬له‭ ‬سوى‭ ‬رسالة‭ ‬شكر‭ ‬وامتنان‭ ‬عميقين‭ ‬على‭ ‬إرثه‭ ‬الخالد،‭ ‬وعلى‭ ‬دوره‭ ‬العظيم‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وعي‭ ‬أجيال‭ ‬كاملة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬العربي‭ ‬وحثّهم‭ ‬على‭ ‬حب‭ ‬القراءة‮»‬‭. ‬

   

العمل‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬وصناعة‭ ‬الأفلام‭ ‬الوثائقية،‭ ‬كما‭ ‬تصف‭ ‬هبة،‭ ‬يضعك‭ ‬باستمرار‭ ‬على‭ ‬خط‭ ‬التماس‭ ‬مع‭ ‬الرقابة‭ ‬المجتمعية‭. ‬في‭ ‬فيلمها‭ ‬الوثائقي‭ ‬‮«‬إنتي‭ ‬ريادة‮»‬،‭ ‬تطرّقت‭ ‬لقصص‭ ‬ومواضيع‭ ‬اجتماعية‭ ‬جريئة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬سرديات‭ ‬شخصية،‭ ‬فكان‭ ‬النقد‭ ‬جزءاً‭ ‬لا‭ ‬يتجزأ‭ ‬من‭ ‬محاولتها‭ ‬تقديم‭ ‬محتوى‭ ‬هادف‭. ‬‮«‬التغيير،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مجرد‭ ‬التفكير‭ ‬بصوت‭ ‬عالٍ،‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يستفزّ‭ ‬السائد‮»‬،‭ ‬تقول،‭ ‬‮«‬وأنا‭ ‬أستقبل‭ ‬ذلك‭ ‬بوعي‭ ‬كامل،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أتركه‭ ‬يتحكّم‭ ‬في‭ ‬المحتوى‭ ‬الذي‭ ‬أقدّمه‮»‬‭. ‬وهي‭ ‬معادلة‭ ‬تبدو‭ ‬بسيطة‭ ‬في‭ ‬الكلام،‭ ‬لكنها‭ ‬تتطلّب‭ ‬مقداراً‭ ‬غير‭ ‬قليل‭ ‬من‭ ‬الشجاعة‭ ‬الهادئة‭ ‬حين‭ ‬تُطبَّق‭ ‬فعلياً‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع،‭ ‬خصوصاً‭ ‬حين‭ ‬يتعلق‭ ‬الأمر‭ ‬بموضوعات‭ ‬كالحب‭ ‬والجسد‭ ‬وحرية‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬مجتمعات‭ ‬لا‭ ‬ترحّب‭ ‬دائماً‭ ‬بمن‭ ‬يكسر‭ ‬صمتها‭.‬

ثم‭ ‬تأتي‭ ‬الأمومة‭ ‬لتعيد‭ ‬ترتيب‭ ‬أولوياتها‭ ‬من‭ ‬الداخل‭. ‬‮«‬أصبحت‭ ‬أكثر‭ ‬حساسية‭ ‬وتعاطفاً‭ ‬تجاه‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬الديناميكيات‭ ‬العائلية،‭ ‬ومستقبل‭ ‬الأطفال،‭ ‬والتضحيات‭ ‬التي‭ ‬تُبذل‮»‬،‭ ‬تقول‭ ‬هبة،‭ ‬‮«‬وجود‭ ‬ابنتي‭ ‬في‭ ‬حياتي‭ ‬جعلني‭ ‬أقرأ‭ ‬وأحلّل‭ ‬الأدب‭ ‬بعين‭ ‬أعمق‭ ‬وأكثر‭ ‬مسؤولية‮»‬‭. ‬وحين‭ ‬تتخيّل‭ ‬لقاءً‭ ‬افتراضياً‭ ‬بين‭ ‬الطفلة‭ ‬التي‭ ‬كانتها‭ ‬وابنتها‭ ‬اليوم،‭ ‬لا‭ ‬ترسم‭ ‬مشهداً‭ ‬عاطفياً‭ ‬مصطنعاً،‭ ‬بل‭ ‬مشهداً‭ ‬إنسانياً‭ ‬بسيطاً‭ ‬وصادقاً،‭ ‬الطفلة‭ ‬التي‭ ‬كانتها‭ ‬تفرش‭ ‬بفخر‭ ‬أعداد‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬ماجد‮»‬‭ ‬و»ميكي‮»‬‭ ‬و»بساط‭ ‬الريح‮»‬،‭ ‬وابنتها‭ ‬تأخذها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬بصرية‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬المانغا‭ ‬اليابانية،‭ ‬لتنتهي‭ ‬الجلسة‭ ‬‮«‬ببساطة‭ ‬جلسة‭ ‬كوميكس‭ ‬عابرة‭ ‬للأجيال‮»‬،‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬وصفها،‭ ‬وكأن‭ ‬حب‭ ‬القصص‭ ‬لا‭ ‬يتغيّر‭ ‬جوهره‭ ‬عبر‭ ‬الزمن،‭ ‬بل‭ ‬يتغيّر‭ ‬شكله‭ ‬فقط‭.‬

   

لكن‭ ‬تحت‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الألقاب‭ ‬مصورة،‭ ‬صحفية،‭ ‬صانعة‭ ‬محتوى،‭ ‬زوجة،‭ ‬أمّ،‭ ‬تبقى‭ ‬لحظة‭ ‬واحدة‭ ‬تخصّها‭ ‬وحدها‭. ‬‮«‬عندما‭ ‬أفتح‭ ‬رواية‭ ‬وأغوص‭ ‬بين‭ ‬سطورها،‭ ‬تتلاشى‭ ‬كل‭ ‬الألقاب‭ ‬والمسؤوليات‮»‬،‭ ‬تقول‭ ‬هبة،‭ ‬‮«‬في‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬مواعيد‭ ‬تسليم،‭ ‬ولا‭ ‬إعدادات‭ ‬كاميرا،‭ ‬ولا‭ ‬جداول‭ ‬يومية‭ ‬مزدحمة‭. ‬أبقى‭ ‬أنا‭ ‬فقط،‭ ‬متلقّية‭ ‬مجرّدة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬تستمتع‭ ‬بالقصة‭ ‬وتعيش‭ ‬أحداثها‮»‬‭. ‬القراءة،‭ ‬كما‭ ‬تصفها،‭ ‬ليست‭ ‬هواية‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬عملها،‭ ‬بل‭ ‬مساحتها‭ ‬الحرة‭ ‬وملاذها‭ ‬الشخصي،‭ ‬المكان‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُطلب‭ ‬منها‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬أحداً‭ ‬سوى‭ ‬نفسها‭.‬

‮«‬عندما‭ ‬أفتح‭ ‬رواية،‭ ‬تتلاشى‭ ‬كل‭ ‬الألقاب

‭ ‬والمسؤوليات‭.. ‬أبقى‭ ‬أنا‭ ‬فقط‮»‬

وربما‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬هذه‭ ‬الحكاية‭ ‬إلى‭ ‬مشهد‭ ‬سينمائي‭ ‬لتنتهي‭. ‬يكفي‭ ‬أن‭ ‬نعرف‭ ‬أن‭ ‬هبة‭ ‬الشيباني،‭ ‬مصورةً‭ ‬كانت‭ ‬أم‭ ‬صحفية‭ ‬أم‭ ‬أمّاً،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تلك‭ ‬الطفلة‭ ‬التي‭ ‬فتحت‭ ‬ذات‭ ‬مساء‭ ‬بعيد‭ ‬عدد‭ ‬مجلة‭ ‬‮«‬ماجد‮»‬،‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬رواية‭ ‬تحملها‭ ‬اليوم‭ ‬بين‭ ‬يديها‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬امتداد‭ ‬لذلك‭ ‬المساء‭ ‬نفسه‭. ‬ولعل‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬قرأ‭ ‬سطورها‭ ‬هذه،‭ ‬واستعاد‭ ‬في‭ ‬ذهنه‭ ‬غلافاً‭ ‬أصفر‭ ‬لسلسلة‭ ‬رافقت‭ ‬طفولته،‭ ‬أو‭ ‬بيتاً‭ ‬غادره‭ ‬جسده‭ ‬ولم‭ ‬تغادره‭ ‬ذاكرته،‭ ‬يكتشف‭ ‬أنه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يقرأ‭ ‬حكاية‭ ‬هبة‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يقرأ‭ ‬ولو‭ ‬لدقائق‭ ‬قليلة‭ ‬حكايته‭ ‬هو‭.‬

امرأةٌ‭ ‬تمشي‭ ‬بين‭ ‬صفحتين

واحدةٌ‭ ‬للواقع‭ ‬وأخرى‭ ‬للخيال

Share this content: