×

ونشـأة الدعايــة السياسيــة السينمائيـة

ونشـأة الدعايــة السياسيــة السينمائيـة

تُعد السينما إحدى أقوى أدوات التعبير وأكثرها قدرةً على تشكيل الوعي والذاكرة الجماعية، من خلال تجسيد المخزون الرمزي والقيمي للمجتمعات.

 وبفضل هذه القدرة التأثيرية، تحوّلت إلى سلاحٍ ذي حدّين في يد النظم السياسية: فأحياناً تكون أداةً لبناء الهوية وتشييد الوعي، وأحياناً أخرى وسيلةً للتلاعب بالعقول وتقويض البنى الاجتماعية.

 وفي أعقاب التحوّلات الكبرى كالثورات، غالباً ما تسارع النظم الجديدة إلى توظيف السينما لترسيخ روايتها التاريخية وتبرير شرعيتها. ويأتي فيلم «عبدالله العظيم» (1955) كدراسة حالةٍ محوريةٍ لهذه الظاهرة في العالم العربي.

عبدالله العظيم

عطية صالح الاوجلي

ولادة الفكرة:

 من حريق روما إلى حريق القاهرة

في‭ ‬عام‭ ‬1954‭ ‬،‭ ‬شهدت‭ ‬إحدى‭ ‬صالات‭ ‬العرض‭ ‬السينمائي‭ ‬بالقاهرة،‭ ‬عرض‭ ‬الفيلم‭ ‬الأمريكي‭ ‬كيو‭ ‬فاديس‭  ‬Quo‭ ‬Vadis‭)) ‬،‭ ‬والذي‭ ‬يصور‭ ‬الصراع‭ ‬بين‭ ‬القائد‭ ‬الروماني‭ ‬فينسيوس‭ ‬والإمبراطور‭ ‬نيرون‭. ‬أثار‭ ‬الممثل‭ ‬البريطاني‭ ‬بيتر‭ ‬أوستينوف،‭ ‬الذي‭ ‬جسد‭ ‬دور‭ ‬نيرون،‭ ‬تعليقات‭ ‬ساخرة‭ ‬من‭ ‬الجمهور‭ ‬المصري‭ ‬بسبب‭ ‬هيئته‭ ‬وتصرفاته‭ ‬المتهتكة،‭ ‬والتي‭ ‬ذكرتهم‭ ‬بالملك‭ ‬المخلوع‭ ‬فاروق‭. ‬

كانت‭ ‬ثورة‭ ‬عام‭ ‬1952‭ ‬قد‭ ‬ازاحت‭ ‬الملك‭ ‬فاروق‭ ‬عن‭ ‬عرشه‭ ‬ونفته‭ ‬خارج‭ ‬البلاد‭. ‬وسعت‭ ‬لتفكيك‭ ‬أسس‭ ‬نظامه‭ ‬عبر‭ ‬حملة‭ ‬إعلامية‭ ‬ضخمة‭ ‬تصوره‭ ‬كملك‭ ‬مستهترٍ‭ ‬وماجنٍ‭. ‬وكان‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬قد‭ ‬ربطوا‭ ‬بين‭ ‬نيرون‭ ‬الذي‭ ‬حرق‭ ‬روما،‭ ‬وفاروق‭ ‬الذي‭ ‬أتُهم‭ ‬بحرق‭ ‬القاهرة‭. 

فعندما‭ ‬عرض‭ ‬الفيلم‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬العسير‭ ‬على‭ ‬جماهير‭ ‬الحضور‭ ‬الربط‭ ‬بين‭ ‬الممثل‭ ‬البريطاني‭ ‬بيتر‭ ‬أوستينوف‭ ‬والملك‭ ‬المخلوع‭. ‬فكانت‭ ‬التعليقات‭ ‬والنكات‭ ‬والإستهزاء‭ ‬بفاروق‭ ‬تهز‭ ‬الصالة‭.   ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬ترفيه‭ ‬سينمائي؛‭ ‬كانت‭ ‬مرآة‭ ‬لوعي‭ ‬جمعي‭ ‬يتشكل،‭ ‬حيث‭ ‬تحولت‭ ‬الشاشة‭ ‬إلى‭ ‬ساحة‭ ‬محاكمة‭ ‬شعبية‭.‬

من صالات العرض إلى أروقة المخابرات

التقطت‭ ‬أجهزة‭ ‬السلطة‭ ‬هذا‭ ‬الوميض‭ ‬سريعاً‭. ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬الجمهور‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬إسقاط‭ ‬صورة‭ ‬فاروق‭ ‬على‭ ‬نيرون،‭ ‬فلماذا‭ ‬لا‭ ‬يُصنع‭ ‬فيلم‭ ‬يضع‭ ‬فاروق‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬الحكاية؟‭ ‬

هكذا‭ ‬انتقلت‭ ‬الفكرة‭ ‬من‭ ‬ضجيج‭ ‬الصالة‭ ‬إلى‭ ‬دهاليز‭ ‬المخابرات،‭ ‬لتصبح‭ ‬مشروعاً‭ ‬سياسياً‭ ‬بامتياز‭. ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الهدف‭ ‬فنياً،‭ ‬بل‭ ‬هندسة‭ ‬صورة‭ ‬جديدة‭ ‬للملك‭ ‬المخلوع،‭ ‬صورة‭ ‬تُرسّخ‭ ‬شرعية‭ ‬الثورة‭ ‬وتُقنع‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬بأن‭ ‬الإطاحة‭ ‬به‭ ‬كانت‭ ‬ضرورة‭ ‬تاريخية‭.‬

عٌرضت‭ ‬الفكرة‭ ‬على‭ ‬اللواء‭ ‬محمد‭ ‬نجيب،‭ ‬الذي‭ ‬استحسنها‭ ‬وأمر‭ ‬بالاتصال‭ ‬بمخرج‭ ‬أمريكي‭. ‬انتهى‭ ‬الأمر‭ ‬بالتعاقد‭ ‬مع‭ ‬المنتج‭ ‬والمخرج‭ ‬الروسي‭-‬الأمريكي‭ ‬غريغوري‭ ‬راتوف،‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬العمل‭ ‬على‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬القاهرة‭ ‬عام‭ ‬1955‭. 

آليات صناعة الصورة:

 استراتيجيات الفيلم الدعائية

لم‭ ‬يكن‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬عبدالله‭ ‬العظيم‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬عمل‭ ‬سينمائي،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬هندسة‭ ‬اجتماعية‮»‬‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬صياغة‭ ‬الوعي‭ ‬الجمعي‭. ‬اعتمد‭ ‬الفيلم‭ ‬على‭ ‬معايير‭ ‬هوليوود‭ ‬لضمان‭ ‬وصول‭ ‬الرسالة‭ ‬إلى‭ ‬العواصم‭ ‬الغربية‭ ‬وتبرير‭ ‬الإطاحة‭ ‬بالملكية‭ ‬دولياً‭.  ‬كما‭ ‬اعتمد‭ ‬على‭ ‬تبسيط‭ ‬الصراع‭ ‬التاريخي‭ ‬المعقد‭ ‬وتحويله‭ ‬إلى‭ ‬صراع‭ ‬أخلاقي‭ ‬مباشر‭ ‬بين‭ ‬‮«‬الرذيلة‮»‬‭ ‬و‭ ‬‮«‬الفضيلة‮»‬‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشخصيات‭ ‬التالية‭:‬

تجلت‭ ‬عبقرية‭ ‬الدعاية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬‮«‬التوطين‭ ‬المكاني‮»‬؛‭ ‬حيث‭ ‬استخدم‭ ‬النظام‭ ‬الجديد‭ ‬القصور‭ ‬الملكية‭ ‬الحقيقية‭ ‬كديكورات‭ ‬للتصوير‭. ‬هذا‭ ‬التوظيف‭ ‬حوّل‭ ‬رموز‭ ‬السيادة‭ ‬السابقة‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬دعامات‭ ‬مسرحية‮»‬‭ ‬للسخرية‭ ‬من‭ ‬الملك،‭ ‬مما‭ ‬حقق‭ ‬انتصاراً‭ ‬بصرياً‭ ‬يؤكد‭ ‬استعادة‭ ‬الأمة‭ ‬لأصولها‭ ‬وممتلكاتها‭.‬

الفشل التجاري مقابل النجاح السياسي

  ‬تم‭ ‬تصوير‭ ‬الفيلم‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1955‭ ‬وعُرض‭ ‬لاحقاً‭ ‬تحت‭ ‬اسمين‭: ‬عبدالله‭ ‬العظيم‭  (‬Abdullah the‭ ‬Great‭)  ‬وحريم‭ ‬عبدالله‭ (‬Abdull’s‭ ‬Harem‭)   .‬

‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬الفيلم‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬نجاحاً‭ ‬فنياً‭ ‬أو‭ ‬تجارياً‭ ‬وتلقي‭ ‬مراجعات‭ ‬نقدية‭ ‬سلبية،‭ ‬فقد‭  ‬حقق‭ ‬هدفه‭ ‬السياسي‭ ‬الأسمى‭: ‬تدمير‭ ‬صورة‭ ‬الملك‭ ‬فاروق‭ ‬أمام‭ ‬العالم‭ ‬وتثبيته‭ ‬كنموذج‭ ‬للملك‭ ‬الشرقي‭ ‬الفاسد‭. ‬كما‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬ربط‭ ‬السياسة‭ ‬بشاشة‭ ‬الفن‭ ‬السابع،‭ ‬حيث‭ ‬أدركت‭ ‬أجهزة‭ ‬الدعاية‭ ‬ودهاليز‭ ‬المخابرات‭ ‬أهمية‭ ‬توظيف‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ ‬لخدمة‭ ‬الأغراض‭ ‬السياسية‭ ‬و‭ ‬التعبئة‭ ‬الجماهيرية‭. ‬

  توطين النموذج: 

من الإنتاج الدولي إلى السينما الوطنية

لم‭ ‬يبقى‭ ‬فيلم‭ ‬‮«‬عبدالله‭ ‬العظيم‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬حالة‭ ‬سينمائية‭ ‬معزولة،‭ ‬بل‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬حجر‭ ‬أساس‭ ‬لمدرسة‭ ‬سينمائية‭ ‬دعائية‭ ‬تبنتها‭ ‬الأنظمة‭ ‬العربية‭.‬

‭ ‬انتقلت‭ ‬السلطات‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬توطين‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬النموذج‭ ‬عبر‭ ‬إنتاجات‭ ‬محلية‭ ‬مثل‭:‬

‭- ‬‮«‬الله‭ ‬معنا‮»‬‭ (‬1955‭): ‬ركز‭ ‬على‭ ‬قضية‭ ‬الأسلحة‭ ‬الفاسدة‭.‬

‭-  ‬‮«‬رد‭ ‬قلبي‮»‬‭ (‬1957‭): ‬صاغ‭ ‬شخصية‭ ‬‮«‬الضابط‭ ‬الشريف‮»‬‭ ‬في‭ ‬قالب‭ ‬رومانسي‭ ‬وصراع‭ ‬طبقي‭.‬

وبينما‭ ‬كان‭ ‬‮«‬عبدالله‭ ‬العظيم‮»‬‭ ‬دعاية‭ ‬فجة،‭ ‬استثمرت‭ ‬الأفلام‭ ‬اللاحقة‭ ‬حبكات‭ ‬مقنعة‭ ‬لتثبيت‭ ‬سردية‭ ‬النظام،‭ ‬محولةً‭ ‬السينما‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬وثيقة‮»‬‭ ‬رسمية‭ ‬تفرض‭ ‬رؤية‭ ‬السلطة‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ (‬1‭).‬

شاشة لا تنطفئ: 

من عبدالله العظيم إلى المنصات الرقمية

يظل‭ ‬عبدالله‭ ‬العظيم‭ ‬قطعة‭ ‬أثرية‭ ‬تاريخية‭ ‬ومشروعاً‭ ‬دولياً‭ ‬لاستخدام‭ ‬السينما‭ ‬كأداة‭ ‬للتحول‭ ‬السياسي‭. ‬لقد‭ ‬نجح‭ ‬في‭ ‬هدم‭ ‬صورة‭ ‬الملك‭ ‬فاروق،‭ ‬لكنه‭ ‬فشل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬سردية‭ ‬فنية‭ ‬مقنعة،‭ ‬ليكشف‭ ‬مأزق‭ ‬الدعاية‭ ‬حين‭ ‬تتغلب‭ ‬الأوامر‭ ‬على‭ ‬الإبداع‭.‬

ومع‭ ‬مرور‭ ‬العقود،‭ ‬لم‭ ‬تختفِ‭ ‬هذه‭ ‬المدرسة‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬بدّلت‭ ‬أدواتها‭. ‬فالشاشة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬الخمسينات‭ ‬قاعة‭ ‬عرض‭ ‬مظلمة،‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬منصة‭ ‬رقمية‭ ‬مضاءة،‭ ‬تحمل‭ ‬رسائل‭ ‬السلطة‭ ‬في‭ ‬ثوب‭ ‬جديد‭. ‬تتغير‭ ‬الوسائط،‭ ‬لكن‭ ‬الجوهر‭ ‬يبقى‭ ‬واحداً‭: ‬السينما،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يعادلها‭ ‬في‭ ‬عصر‭ ‬البث‭ ‬المباشر،‭ ‬تظل‭ ‬ساحةً‭ ‬للصراع‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬والشرعية‭. ‬وكأن‭ ‬التاريخ‭ ‬يعيد‭ ‬نفسه،‭ ‬لا‭ ‬كنسخة‭ ‬مطابقة،‭ ‬بل‭ ‬كصورة‭ ‬متجددة‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬لا‭ ‬تنطفئ‭.‬

Share this content: