اعتقالات بلا محاكمة
شهادات
عن الإخفاء
والتعذيب
أصوات من داخل منظومة الاحتجاز الليبية

تحقيق : زهرة موسى
تتواصل في ليبيا المطالبات الحقوقية بوقف الانتهاكات المرتبطة بالاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري، في ظل تقارير محلية ودولية تتحدث عن استمرار وجود مراكز احتجاز خارج الرقابة القضائية، وتكرار حالات التوقيف دون إجراءات قانونية واضحة.
وخلال السنوات الأخيرة، وثّقت منظمات حقوقية شهادات لمحتجزين سابقين تحدثوا عن تعرضهم للاحتجاز لفترات متفاوتة دون أوامر قضائية، أو منعهم من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم، إلى جانب مزاعم تتعلق بسوء المعاملة والتعذيب وانتزاع الاعترافات تحت الإكراه.. هذا التحقيق المبني على شهادات محتجزين سابقين يوثق نمطا متكررًا من الاحتجاز التعسفي خارج إطار القانون، داخل منظومة متعددة الأطراف من مراكز احتجاز رسمية وغير رسمية، في ظل ضعف الرقابة القضائية واستمرار الإفلات من المساءلة.
تتجسد آلية الإخفاء القسري في قصص ناجين تحولت حياتهم فيها من لحظات عادية إلى فترات احتجاز امتدت لأشهر:
اختفى عند الظهيرة وعاد بعد شهور شخصًا آخر
في ظهيرة يوم عادي من صيف 2024، كان «س.» في طريقه إلى أحد المقاهي وسط المدينة للقاء صديق تعرّف عليه عبر الإنترنت، لتبادل كتاب « رواية الأبله للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي» ، لم يكن يتوقع أن يتحول ذلك اللقاء إلى بداية رحلة احتجاز استمرت لأشهر.
«كنت واقفًا بجانب سيارتي عندما أحاط بي ثلاثة رجال قال أحدهم: تعال معنا لم يبرزوا أي إذن، ولم يوضحوا السبب»، يروي «س.»، أنه جُرّد من هاتفه ومفاتيحه، وأُجبر على الصعود إلى سيارة معتمة «خلال دقائق» ، و داخل السيارة، بدأ ما وصفه بـ« تحقيق أولي»، تخللته تهديدات مباشرة، ولوّح أحدهم بسلاح يقول «لم أكن قادرًا حتى على الكلام، كل الاحتمالات كانت تدور في رأسي»، لاحقًا، نُقل إلى غرفة باردة، حيث خضع لاستجوابات متكررة، تركزت – بحسب روايته – على آرائه ومنشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي. ويؤكد أنه تعرض للضرب بأداة بلاستيكية، إلى جانب تهديدات بالقتل.
أمضى «س.» أسبوعين في زنزانة انفرادية، يصفها بأنها «مكان لا يليق حتى بالحيوانات»، قبل أن يُعرض على لجنة تضم أشخاصًا من خارج الجهات القضائية، ناقشوه في قناعاته الفكرية.
بعد ذلك، أُجبر على تسجيل مقطع فيديو، قبل إحالته إلى النيابة العامة، حيث يقول إنه واجه «ضغوطًا نفسية وتهديدات»، من بينها التلويح بعقوبات قاسية.
استمر احتجازه لأشهر، وخلال تلك الفترة، انتشر له مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل صدور أي حكم قضائي. « كنت يومها أتابع صفحات الأخبار حتى توقفت فجأة وبدأ النبض يرتفع شيئا فشيئا تعرفت على نفسي ضمن فيديو يعلق عليه ملايين الليبيين قائلين اعدموه ، يقول كانت تلك اللحظة الأقسى شعرت أنني أُدان أمام الناس قبل المحكمة».
كما يروي أنه كان يسمع أصوات تعذيب سجناء آخرين داخل مقر الاحتجاز، واصفًا تلك الليالي بأنها «الأكثر رعبًا»، لاحقًا، قضت المحكمة ببراءته من التهمة الرئيسية، بعد أشهر من التوقيف ، و رغم خروجه، يؤكد «س.» أن آثار التجربة لا تزال حاضرة: «خرجت… لكنني لم أعد الشخص نفسه. هناك أشياء لا تغادر الذاكرة».
عادت من الاحتجاز بذاكرة مثقلة بالخوف
تروي «عائشة» (اسم مستعار)، وهي مهاجرة من النيجر وأم لخمسة أطفال، كيف تحولت حياتها في لحظات إلى كابوس، بعد اقتحام منزلها من قبل مجموعة مسلحة واقتيادها قسرًا أمام أطفالها.

مصادرة الحرية
بملابس مدنيــــة
وسيارات بلا لوحات
تقول: «لم أفهم من هم قالوا فقط إنني متهمة بتهديد امرأة، ثم أخذوني مع نساء أخريات إلى مكان مجهول» ، بعد ساعات من النقل معصوبة العينين، وصلت – وفق روايتها – إلى مبنى معزول قرب البحر، حيث كانت عشرات النساء محتجزات في ظروف قاسية دون أي إجراءات قانونية.
تصف عائشة المكان بأنه «سجن سري»، تنتشر فيه مظاهر الجوع والمرض وآثار التعذيب، مؤكدة أنها شهدت حالات عنف شديد، بينها وفاة إحدى المحتجزات بعد تعرضها للضرب ، وتقول إن الإفراج كان مشروطًا بدفع المال، مضيفة: «لم يكن هناك طريق للخروج سوى الفدية».
بقيت عائشة محتجزة لثلاثة أشهر، قبل أن يتمكن زوجها من دفع مبلغ مالي مقابل إطلاق سراحها «خرجت… لكنني لم أعد كما كنت»، تؤكد أنها غادرت المدينة فورًا بعد الإفراج عنها، مفضلة العودة إلى بلدها رغم الفقر، «لأن ما عشته هناك كان أشد قسوة من أي شيء».
حتى البراءة لم تُنهِ احتجازه
يروي «م كيف تحولت حياته، في لحظات، من حياة عادية إلى تجربة احتجاز وصفها بأنها «الأقسى» في حياته ، في إحدى الليالي، وبينما كان عائدًا إلى منزله، أوقفته مجموعة مسلحة ترتدي ملابس مدنية وتستقل سيارات لا تحمل أي علامات رسمية.
«تم إنزالي من السيارة بالقوة، وتعرضت للضرب والتقييد دون أن أعرف من الجهة التي أوقفتني أو سبب احتجازي»، يقول.
نُقل إلى مقر احتجاز غير معلن، حيث صودرت متعلقاته الشخصية، وخضع للاستجواب والضرب، قبل أن يُحتجز لأيام داخل زنزانة ضيقة ومعتمة.
لاحقًا، أُحيل إلى السجن وبدأت جلسات محاكمته، ليكتشف – وفق قوله – وجود اتهامات «لا تمت له بصلة»، من بينها تهم تتعلق بإثارة الرأي العام وقضايا أخلاقية.
ويؤكد «م.» أن محاميه طالب بعرضه على الطب الشرعي لإثبات آثار التعذيب، بعد تعرضه لسوء معاملة خلال فترة التحقيق.
وبعد شهرين من المحاكمات، حصل على حكم بالبراءة، إلا أن ذلك لم يؤدِ إلى إطلاق سراحه فورًا، إذ استمر احتجازه عدة أشهر إضافية ، « كان أصعب ما في الأمر أن تبقى محتجزًا رغم صدور حكم ببراءتك»، يؤكد أن التجربة تركت أثرًا نفسيًا عميقًا عليه وعلى عائلته.
ويشير إلى أن فترة الاحتجاز غيّرت نظرته للحياة وللناس من حوله، كما تحدث عن أوضاع محتجزين آخرين التقاهم خلال فترة سجنه، قال إن بعضهم واجهوا اتهامات استندت إلى محتويات هواتفهم الشخصية أو حياتهم الخاصة.
ويختتم شهادته بالقول: «أكثر ما بقى معي ليس السجن نفسه… بل الإحساس بأن الإنسان قد يفقد حريته فجأة، دون أن يعرف كيف أو لماذا»
نمط متكرر
لا تبدو شهادات المحتجزين الذين تحدثوا « معنا» حالات فردية معزولة، إذ تتقاطع مع ما وثقه تقرير صادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وائتلاف المنصة الليبية لحقوق الإنسان، والذي أشار إلى أن الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي في ليبيا يُستخدمان كأدوات للقمع والسيطرة الاجتماعية وإسكات الأصوات المعارضة.
وفي ذات السياق قدّر التقرير الأممي، الصادر عام 2018، وجود نحو 6500 محتجز داخل سجون رسمية ،في وقت لم تتوافر فيه إحصاءات واضحة حول أعداد المحتجزين داخل مراكز الاحتجاز التابعة للمجموعات المسلحة أو الأجهزة الأمنية الأخرى.
وأشار التقرير إلى أن بعض مراكز الاحتجاز كانت تضم آلاف المحتجزين، بينهم نساء وأطفال، دون عرض كثير منهم على جهات قضائية.
كما وثق التقرير انتشار الاحتجاز داخل أماكن غير رسمية، بعيدًا عن أي رقابة قضائية، إلى جانب استمرار الإفلات من العقاب في عدد من قضايا الإخفاء القسري والانتهاكات المرتبطة بالتعذيب.
و تشير بيانات صادرة عن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا إلى وجود مئات حالات الاحتجاز التعسفي التي جرى التعامل معها خلال عام 2025، في مراكز احتجاز مختلفة.
ووفقًا لبيان المؤسسة، تم الإفراج عن نحو 195 محتجزًا خلال الفترة بين مايو 2025 وأبريل 2026، بعد مراجعة أوضاعهم القانونية في عدد من مراكز الاحتجاز.
و تشير هذه البيانات إلى أن ملف الاحتجاز
التعسفي في ليبيا لايزال يتطلب معالجة مؤسسية شاملة خاصة في ظل وجود مراكز احتجاز متعددة تعمل بدرجات متفاوتة من الرقابة القانونية
قانون يجرم وانتهاكات مستمرة
وتوضح «مريم محمد» مستشارة قانونية أن القانون الليبي يجرّم بشكل صريح ممارسات التعذيب والإخفاء القسري، إذ ينصّ القانون رقم (10) لسنة 2013 بشأن تجريم التعذيب والإخفاء القسري والتمييز، على معاقبة كل من يرتكب جريمة الإخفاء القسري بالسجن لمدة قد تصل إلى سبع سنوات، فيما تصل عقوبة التعذيب إلى خمس سنوات.
كما ينص القانون ذاته على مسؤولية القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين في حال التواطؤ أو التغاضي عن هذه الجرائم أو الامتناع عن التحقيق فيها، معتبرًا أن الصمت أو التستر على هذه الانتهاكات يحمّل المسؤولين العقوبات نفسها المقررة لمرتكبيها.
وتؤكد المستشارة أن الاحتجاز يُعد تعسفيًا عندما يُحرم الشخص من حريته خارج الأطر التي ينظمها القانون، سواء عبر التوقيف دون سند قانوني، أو تجاوز المدة القانونية للاحتجاز، أو استمرار احتجاز الشخص بعد انتهاء مدة العقوبة أو صدور حكم بالإفراج عنه.
وتشير إلى أن من أبرز الضمانات القانونية التي يجب توفيرها لأي شخص منذ لحظة توقيفه: إبلاغه بسبب القبض عليه، وتمكينه من التواصل مع عائلته ومحاميه، إضافة إلى عرضه على جهة قضائية خلال المدة المحددة قانونًا.
وتضيف أن احتجاز الأشخاص داخل أماكن سرية أو غير رسمية، ومنعهم من التواصل مع محاميهم أو النيابة العامة، يمثل «انتهاكًا صارخًا للقانون»، خاصة عندما يستمر الاحتجاز لفترات طويلة دون محاكمة.
كما تشدد على أن أي اعتراف يُنتزع تحت التهديد أو التعذيب أو الإكراه يُعد باطلًا من الناحية القانونية، مضيفة أن نشر صور أو مقاطع للمحتجزين قبل صدور أحكام قضائية نهائية يُعتبر انتهاكًا لقرينة البراءة، ويمس بكرامة المحتجز وسمعة عائلته.
وترى أن المسؤولية القانونية تقع بشكل مباشر على الأفراد المتورطين في هذه الانتهاكات، إلى جانب مسؤولية الدولة في منع وقوعها، والتحقيق فيها، ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما تلفت إلى أن دور القضاء والنيابة يتمثل في تلقي الشكاوى، ومتابعة أوضاع أماكن الاحتجاز، والتأكد من عدم وجود أشخاص محتجزين خارج القانون أو بعد انتهاء المدد القانونية المقررة.
ويستند هذا الإطار القانوني — بحسب المستشارة — إلى عدد من المواثيق الدولية، من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان،
والتي تجرّم الاحتجاز التعسفي والتعذيب والمعاملة المهينة.
أثار نفسية عميقة
توضح سالمة ياقة، مختصة نفسية، أن العزلة والتهديد والخوف المستمر الذي يعيشه المحتجزون قد يؤدي إلى ما يُعرف بـاضطراب ما بعد الصدمة أو «الصدمة المزمنة»، حيث يبقى الشخص في حالة تأهب وخوف دائم حتى بعد خروجه من الاحتجاز.
وتشير إلى أن هذه التجارب تؤثر بشكل مباشر على الذاكرة والتركيز والتفكير، وقد تجعل المحتجز يشعر وكأن الخطر لا يزال قائمًا رغم انتهاء فترة الاحتجاز.
كما تؤكد أن الآثار النفسية لا تنتهي بالإفراج، بل قد تستمر لفترات طويلة، وتظهر في شكل انسحاب اجتماعي، واضطرابات في النوم، وحساسية مفرطة تجاه الأصوات أو الأماكن، إضافة إلى نوبات غضب أو حزن مفاجئة.
ضحايا غير مرئيين
وتلفت إلى أن أفراد عائلات المحتجزين، وخاصة
تتجسد آلية الإخفاء القسري في قصص ناجين تحولت حياتهم فيها من لحظات عادية إلى فترات احتجاز امتدت لأشهر:
اختفى عند الظهيرة وعاد بعد شهور شخصًا آخر في ظهيرة يوم عادي من صيف 2024، كان «س.» في طريقه إلى أحد المقاهي وسط المدينة للقاء صديق تعرّف عليه عبر الإنترنت، لتبادل كتاب « رواية الأبله للكاتب الروسي فيودور دوستويفسكي» ، لم يكن يتوقع أن يتحول ذلك اللقاء إلى بداية رحلة احتجاز استمرت لأشهر.
«كنت واقفًا بجانب سيارتي عندما أحاط بي ثلاثة رجال قال أحدهم: تعال معنا لم يبرزوا أي إذن، ولم يوضحوا السبب»، يروي «س.»، أنه جُرّد من هاتفه ومفاتيحه، وأُجبر على الصعود إلى سيارة معتمة «خلال دقائق» ، و داخل السيارة، بدأ ما وصفه بـ« تحقيق أولي»، تخللته تهديدات مباشرة، ولوّح أحدهم بسلاح يقول «لم أكن قادرًا حتى على الكلام، كل الاحتمالات كانت تدور في رأسي»، لاحقًا، نُقل إلى غرفة باردة، حيث خضع لاستجوابات متكررة، تركزت – بحسب روايته – على آرائه ومنشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي. ويؤكد أنه تعرض للضرب بأداة بلاستيكية، إلى جانب تهديدات بالقتل.
أمضى «س.» أسبوعين في زنزانة انفرادية، يصفها بأنها «مكان لا يليق حتى بالحيوانات»، قبل أن يُعرض على لجنة تضم أشخاصًا من خارج الجهات القضائية، ناقشوه في قناعاته الفكرية.
بعد ذلك، أُجبر على تسجيل مقطع فيديو، قبل إحالته إلى النيابة العامة، حيث يقول إنه واجه «ضغوطًا نفسية وتهديدات»، من بينها التلويح بعقوبات قاسية.
استمر احتجازه لأشهر، وخلال تلك الفترة، انتشر له مقطع مصور على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل صدور أي حكم قضائي. « كنت يومها أتابع صفحات الأخبار حتى توقفت فجأة وبدأ النبض يرتفع شيئا فشيئا تعرفت على نفسي ضمن فيديو يعلق عليه ملايين الليبيين قائلين اعدموه ، يقول كانت تلك اللحظة الأقسى شعرت أنني أُدان أمام الناس قبل المحكمة».
كما يروي أنه كان يسمع أصوات تعذيب سجناء آخرين داخل مقر الاحتجاز، واصفًا تلك الليالي بأنها «الأكثر رعبًا»، لاحقًا، قضت المحكمة ببراءته من التهمة الرئيسية، بعد أشهر من التوقيف ، و رغم خروجه، يؤكد «س.» أن آثار التجربة لا تزال حاضرة: «خرجت… لكنني لم أعد الشخص نفسه. هناك أشياء لا تغادر الذاكرة».
عادت من الاحتجاز بذاكرة مثقلة بالخوف
تروي «عائشة» (اسم مستعار)، وهي مهاجرة من النيجر وأم لخمسة أطفال، كيف تحولت حياتها في لحظات إلى كابوس، بعد اقتحام منزلها من قبل مجموعة مسلحة واقتيادها قسرًا أمام أطفالها.
تقول: «لم أفهم من هم قالوا فقط إنني متهمة بتهديد امرأة، ثم أخذوني مع نساء أخريات إلى مكان مجهول» ، بعد ساعات من النقل معصوبة العينين، وصلت – وفق روايتها – إلى مبنى معزول قرب البحر، حيث كانت عشرات النساء محتجزات في ظروف قاسية دون أي إجراءات قانونية.
تصف عائشة المكان بأنه «سجن سري»، تنتشر فيه مظاهر الجوع والمرض وآثار التعذيب، مؤكدة أنها شهدت حالات عنف شديد، بينها وفاة إحدى المحتجزات بعد تعرضها للضرب ، وتقول إن الإفراج كان مشروطًا بدفع المال، مضيفة: «لم يكن هناك طريق للخروج سوى الفدية».
بقيت عائشة محتجزة لثلاثة أشهر، قبل أن يتمكن زوجها من دفع مبلغ مالي مقابل إطلاق سراحها «خرجت… لكنني لم أعد كما كنت»، تؤكد أنها غادرت المدينة فورًا بعد الإفراج عنها، مفضلة العودة إلى بلدها رغم الفقر، «لأن ما عشته هناك كان أشد قسوة من أي شيء».
حتى البراءة لم تُنهِ احتجازه
يروي «م كيف تحولت حياته، في لحظات، من حياة عادية إلى تجربة احتجاز وصفها بأنها «الأقسى» في حياته ، في إحدى الليالي، وبينما كان عائدًا إلى منزله، أوقفته مجموعة مسلحة ترتدي ملابس مدنية وتستقل سيارات لا تحمل أي علامات رسمية.
«تم إنزالي من السيارة بالقوة، وتعرضت للضرب والتقييد دون أن أعرف من الجهة التي أوقفتني أو سبب احتجازي»، يقول.
نُقل إلى مقر احتجاز غير معلن، حيث صودرت متعلقاته الشخصية، وخضع للاستجواب والضرب، قبل أن يُحتجز لأيام داخل زنزانة ضيقة ومعتمة.
لاحقًا، أُحيل إلى السجن وبدأت جلسات محاكمته، ليكتشف – وفق قوله – وجود اتهامات «لا تمت له بصلة»، من بينها تهم تتعلق بإثارة الرأي العام وقضايا أخلاقية.
ويؤكد «م.» أن محاميه طالب بعرضه على الطب الشرعي لإثبات آثار التعذيب، بعد تعرضه لسوء معاملة خلال فترة التحقيق.
وبعد شهرين من المحاكمات، حصل على حكم بالبراءة، إلا أن ذلك لم يؤدِ إلى إطلاق سراحه فورًا، إذ استمر احتجازه عدة أشهر إضافية ، « كان أصعب ما في الأمر أن تبقى محتجزًا رغم صدور حكم ببراءتك»، يؤكد أن التجربة تركت أثرًا نفسيًا عميقًا عليه وعلى عائلته.
ويشير إلى أن فترة الاحتجاز غيّرت نظرته للحياة وللناس من حوله، كما تحدث عن أوضاع محتجزين آخرين التقاهم خلال فترة سجنه، قال إن بعضهم واجهوا اتهامات استندت إلى محتويات هواتفهم الشخصية أو حياتهم الخاصة.
ويختتم شهادته بالقول: «أكثر ما بقى معي ليس السجن نفسه… بل الإحساس بأن الإنسان قد يفقد حريته فجأة، دون أن يعرف كيف أو لماذا»
نمط متكرر

لا تبدو شهادات المحتجزين الذين تحدثوا « معنا» حالات فردية معزولة، إذ تتقاطع مع ما وثقه تقرير صادر عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان وائتلاف المنصة الليبية لحقوق الإنسان، والذي أشار إلى أن الإخفاء القسري والاحتجاز التعسفي في ليبيا يُستخدمان كأدوات للقمع والسيطرة الاجتماعية وإسكات الأصوات المعارضة.
وفي ذات السياق قدّر التقرير الأممي، الصادر عام 2018، وجود نحو 6500 محتجز داخل سجون رسمية ،في وقت لم تتوافر فيه إحصاءات واضحة حول أعداد المحتجزين داخل مراكز الاحتجاز التابعة للمجموعات المسلحة أو الأجهزة الأمنية الأخرى.
وأشار التقرير إلى أن بعض مراكز الاحتجاز كانت تضم آلاف المحتجزين، بينهم نساء وأطفال، دون عرض كثير منهم على جهات قضائية.
كما وثق التقرير انتشار الاحتجاز داخل أماكن غير رسمية، بعيدًا عن أي رقابة قضائية، إلى جانب استمرار الإفلات من العقاب في عدد من قضايا الإخفاء القسري والانتهاكات المرتبطة بالتعذيب.
و تشير بيانات صادرة عن المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا إلى وجود مئات حالات الاحتجاز التعسفي التي جرى التعامل معها خلال عام 2025، في مراكز احتجاز مختلفة.
ووفقًا لبيان المؤسسة، تم الإفراج عن نحو 195 محتجزًا خلال الفترة بين مايو 2025 وأبريل 2026، بعد مراجعة أوضاعهم القانونية في عدد من مراكز الاحتجاز.
و تشير هذه البيانات إلى أن ملف الاحتجاز التعسفي في ليبيا لا يزال يتطلب معالجة مؤسسية شاملة، خاصة في ظل وجود مراكز احتجاز متعددة تعمل بدرجات متفاوتة من الرقابة القانونية..»
قانون يجرم وانتهاكات مستمرة
وتوضح «مريم محمد» مستشارة قانونية أن القانون الليبي يجرّم بشكل صريح ممارسات التعذيب والإخفاء القسري، إذ ينصّ القانون رقم (10) لسنة 2013 بشأن تجريم التعذيب والإخفاء القسري والتمييز، على معاقبة كل من يرتكب جريمة الإخفاء القسري بالسجن لمدة قد تصل إلى سبع سنوات، فيما تصل عقوبة التعذيب إلى خمس سنوات.
كما ينص القانون ذاته على مسؤولية القادة السياسيين والعسكريين والأمنيين في حال التواطؤ أو التغاضي عن هذه الجرائم أو الامتناع عن التحقيق فيها، معتبرًا أن الصمت أو التستر على هذه الانتهاكات يحمّل المسؤولين العقوبات نفسها المقررة لمرتكبيها.
وتؤكد المستشارة أن الاحتجاز يُعد تعسفيًا عندما يُحرم الشخص من حريته خارج الأطر التي ينظمها القانون، سواء عبر التوقيف دون سند قانوني، أو تجاوز المدة القانونية للاحتجاز، أو استمرار احتجاز الشخص بعد انتهاء مدة العقوبة أو صدور حكم بالإفراج عنه.
وتشير إلى أن من أبرز الضمانات القانونية التي يجب توفيرها لأي شخص منذ لحظة توقيفه: إبلاغه بسبب القبض عليه، وتمكينه من التواصل مع عائلته ومحاميه، إضافة إلى عرضه على جهة قضائية خلال المدة المحددة قانونًا.
وتضيف أن احتجاز الأشخاص داخل أماكن سرية أو غير رسمية، ومنعهم من التواصل مع محاميهم أو النيابة العامة، يمثل «انتهاكًا صارخًا للقانون»، خاصة عندما يستمر الاحتجاز لفترات طويلة دون محاكمة.
كما تشدد على أن أي اعتراف يُنتزع تحت التهديد أو التعذيب أو الإكراه يُعد باطلًا من الناحية القانونية، مضيفة أن نشر صور أو مقاطع للمحتجزين قبل صدور أحكام قضائية نهائية يُعتبر انتهاكًا لقرينة البراءة، ويمس بكرامة المحتجز وسمعة عائلته.
وترى أن المسؤولية القانونية تقع بشكل مباشر على الأفراد المتورطين في هذه الانتهاكات، إلى جانب مسؤولية الدولة في منع وقوعها، والتحقيق فيها، ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما تلفت إلى أن دور القضاء والنيابة يتمثل في تلقي الشكاوى، ومتابعة أوضاع أماكن الاحتجاز، والتأكد من عدم وجود أشخاص محتجزين خارج القانون أو بعد انتهاء المدد القانونية المقررة.
ويستند هذا الإطار القانوني — بحسب المستشارة — إلى عدد من المواثيق الدولية، من بينها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والتي تجرّم الاحتجاز التعسفي والتعذيب والمعاملة المهينة.
أثار نفسية عميقة
توضح سالمة ياقة، مختصة نفسية، أن العزلة والتهديد والخوف المستمر الذي يعيشه المحتجزون قد يؤدي إلى ما يُعرف بـاضطراب ما بعد الصدمة أو «الصدمة المزمنة»، حيث يبقى الشخص في حالة تأهب وخوف دائم حتى بعد خروجه من الاحتجاز.
وتشير إلى أن هذه التجارب تؤثر بشكل مباشر على الذاكرة والتركيز والتفكير، وقد تجعل المحتجز يشعر وكأن الخطر لا يزال قائمًا رغم انتهاء فترة الاحتجاز.
كما تؤكد أن الآثار النفسية لا تنتهي بالإفراج، بل قد تستمر لفترات طويلة، وتظهر في شكل انسحاب اجتماعي، واضطرابات في النوم، وحساسية مفرطة تجاه الأصوات أو الأماكن، إضافة إلى نوبات غضب أو حزن مفاجئة.
ضحايا غير مرئيين
وتلفت إلى أن أفراد عائلات المحتجزين، وخاصة الأطفال، يُعدّون «ضحايا غير مرئيين»، إذ قد يعانون من القلق المزمن والشعور بعدم الأمان نتيجة الصدمة والخوف المستمر.
وتشدد على أن الناجين من هذه التجارب يحتاجون إلى دعم نفسي متخصص وبيئة آمنة واستقرار اجتماعي وقانوني يساعدهم على استعادة شعورهم بالأمان والكرامة.
ويرى « محمد موسى » ناشط حقوقي أن الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري لم يعودا مجرد انتهاكات فردية معزولة، بل تحولا خلال السنوات الأخيرة إلى نمط متكرر يطال نشطاء وصحفيين ومدنيين ومهاجرين، في ظل غياب المساءلة وضعف الرقابة على أماكن الاحتجاز.
ويشير إلى أن أخطر ما في هذه الانتهاكات لا يتمثل فقط في حرمان الأشخاص من حريتهم، بل في خلق حالة خوف جماعي داخل المجتمع، تدفع كثيرين إلى الصمت خشية التعرض للمصير نفسه.
ويؤكد أن بعض المناطق الليبية تشهد – بحسب توثيقات وشهادات حقوقية – ممارسات ممنهجة للإخفاء القسري والاحتجاز خارج إطار القانون، خاصة في المناطق الخاضعة لسلطات الأمر الواقع، حيث يتم توقيف أشخاص دون أوامر قضائية أو تمكينهم من التواصل مع عائلاتهم ومحاميهم، بينما تسجل مناطق أخرى حالات متفرقة في ظل استمرار الانفلات الأمني وضعف مؤسسات إنفاذ القانون.
كما يشدد على أن الإفلات من العقاب ساهم في اتساع هذه الممارسات واستمرارها، داعيًا إلى فتح تحقيقات مستقلة وشفافة، وإغلاق أماكن الاحتجاز غير الرسمية، وضمان خضوع جميع أماكن التوقيف للرقابة القضائية.
ويضيف:
«نحن بحاجة إلى مساءلة حقيقية، وآلية وطنية شفافة، وضغوط دولية فعّالة تضع حدًا لهذه الانتهاكات، لأن الصمت يُغذي استمرارها».
وفي ذات السياق تؤكد « خديجة عبدالله باحثة وأكاديمية متخصصة في العلوم الشرعية أن كرامة الإنسان وحقه في الأمان من المبادئ الأساسية التي أكد عليها الدين الإسلامي، مشددة على أن الظلم والتعذيب والإهانة «لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة».
وتوضح أن احتجاز الأشخاص دون محاكمة عادلة أو ممارسة الإكراه عليهم يتعارض مع مبادئ العدالة التي تقوم عليها الشريعة، مضيفة أن الإسلام شدد على حماية الإنسان من الظلم وصون كرامته الجسدية والنفسية.
كما تشير إلى أن التشهير بالمحتجزين أو نشر صورهم قبل صدور أحكام قضائية يمثل اعتداءً على كرامتهم وسمعتهم، ويتنافى مع مبدأ قرينة البراءة وعدم إدانة الإنسان قبل ثبوت التهمة.
وتختتم بالقول إن المجتمعات التي يسود فيها الخوف والظلم «تفقد شعورها بالأمان والاستقرار»، مؤكدًة أن احترام العدالة وحقوق الإنسان مسؤولية أخلاقية ودينية قبل أن تكون قانونية.
ختاماً
«ورغم مرور سنوات على صدور تقارير أممية ووثائق حقوقية تحدثت عن الاحتجاز التعسفي والإخفاء القسري في ليبيا، لا تزال شهادات المحتجزين السابقين تكشف استمرار الانتهاكات ذاتها، وسط مطالبات حقوقية بمحاسبة المسؤولين وإخضاع أماكن الاحتجاز لرقابة قضائية حقيقية.
Share this content: