×

رائدة صحافة الميدان

رائدة صحافة الميدان

سعاد الطرابلسي

في أول حوار صحفي مطوّل

 

أجرت الحوار: هند علي الهوني
تصوير: عبد الوهاب عكش

        أخشى أن أكتب مقدمة لا تفيها حقها، ويكفي أن يكون هذا الحوار الأول لها، وهي التي أمضت عمرها المهني في إجراء عشرات الحوارات الصحفية مع الآخرين. لذلك فضّلت أن أترك القارئ مباشرة أمام كلماتها وهي تتحدث بعمق وصدق ومحبة عن مسيرتها الحافلة.

    سعاد الطرابلسي، التي أطلقت عليها زميلاتها ممن عملن معها عن قرب لقب «السهل الممتنع»، في إشارة إلى رصانتها وحكمتها وحسن إدارتها للمواقف، تفتح في هذا الحوار أبواب الذاكرة، وتسمح للبوح بأن يتنفس، فتروي الكثير من المحطات والتفاصيل التي صنعت تجربتها المهنية والإنسانية.

 

قضيتي الصحفية «أبناء دور الرعاية» تحتاج إلى حلول جذرية، بعدما امتدت تداعياتها عبر أجيال، والحل لا يزال بيد أصحاب القرار.

مفتح تعريفي على لسانها…

   تخرجتُ عام 1988 في قسم الإعلام بجامعة قاريونس، المعروفة اليوم بجامعة بنغازي. وكانت بدايتي الوظيفية مديرةً للمكتبة بمركز النهر الصناعي للثقافة الجماهيرية، ثم توليت إدارة المركز بالكامل برفقة زميلة الدراسة والعمل حليمة الجروشي.

 

   نفذنا خلال تلك الفترة عدداً من الأنشطة المتنوعة التي تجاوزت الإطار الثقافي التقليدي، إذ كان مقر العمل يتوسط مجموعة من المباني السكنية، فأطلقنا مسابقة «أنظف وأجمل بناية»، وتم تكريم حارس المبنى الفائز، وقد لاقت المسابقة تفاعلاً واسعاً ومنافسة كبيرة.

 

اخترنا اسم «الحياة الليبية» انطلاقاً من قناعة بأننا لن نبقى في حالة حرب إلى الأبد، ورسالةً لطمأنة الأجيال القادمة

 

   كانت رؤيتنا آنذاك تقوم على تقديم عمل نافع ومفيد في مختلف الجوانب، كما تابع المركز الثقافي الصحف الحائطية في المدارس، وكنت أشارك مع الزميلة حليمة الجروشي في جولات ميدانية لتقديم الملاحظات المهنية دعماً وتشجيعاً للطلبة.

وفي عام 1994 افتُتح فرع المؤسسة العامة للصحافة في بنغازي، وتم استدعاء خريجي الإعلام للانضمام إليه. وضمت البداية كلاً من زينب شاهين، وليلى النيهوم، وآمال البراني، وحليمة الجروشي، فيما كانت الصحف الصادرة عن المؤسسة تشمل: «الشمس»، و«الفجر الجديد»، و«الجماهيرية»، و«البيت والأمل».

كُلّفت بإدارة مكتب صحيفة «الشمس» في بنغازي والمنطقة الشرقية، وكانت تلك الإصدارات الصحفية مدرسة مهنية حقيقية أكسبتنا الاحترافية والمسؤولية، إذ كنا نؤمن بضرورة أداء العمل على الوجه الصحيح دون مجاملة، ولم يكن هناك مجال للخطأ. وقد أسهمت تلك البدايات في صقل شخصياتنا مهنياً وإنسانياً، وغرست فينا حس المسؤولية المهنية الذي نفتقد كثيراً منه في المشهد الإعلامي الراهن 

 

طبيعة العمل بالمؤسسة العامة للصحافة…

    شمل العمل مختلف فنون العمل الصحفي، من أخبار واستطلاعات وتقارير وحوارات وتصريحات وتغطيات للأنشطة والفعاليات، بالإضافة إلى إعداد صفحة بعنوان «قضايا الجماهير».

وقد حظيت هذه الصفحة بتفاعل واسع، إذ تناولت العديد من القضايا والموضوعات، خاصة في ظل طبيعة النظام المركزي السائد آنذاك، الذي رسخ لدى كثير من المواطنين في المدن البعيدة عن العاصمة شعوراً بأنهم مواطنون من الدرجة الثانية، نظراً لأن معظم الإجراءات كانت تنطلق من طرابلس قبل أن تصل إلى الإدارات المحلية، حيث كانت تتعرض أحياناً للتأخير أو التعطيل أو الرفض.

في ذلك الوقت، أصبحت صحيفة «الشمس» متنفساً حقيقياً للمواطنين من خلال هذه الصفحة، وكان كثيرون يقصدونني شخصياً لإيصال أصواتهم، رغم إدراكهم أن النشر لا يعني بالضرورة حل مشكلاتهم بصورة مباشرة.

وأتذكر في هذا السياق زيارة أحد مسؤولي الهيئة من طرابلس إلى فرع بنغازي، إذ طلب مقابلتي وقال لي: «ألا يوجد في بنغازي سوى المشكلات؟». فأوضحت له أن الصحيفة تتكون من ست عشرة صفحة تضم موضوعات متنوعة، ولا يمكن اختزالها في صفحة واحدة مخصصة لشكاوى المواطنين واحتياجاتهم، غير أن اعتقاد سكان المدينة بأن الصحيفة تصدر من طرابلس كان يمنحهم أملاً في أن تصل أصواتهم إلى المسؤولين هناك وتلقى مطالبهم الاستجابة. 

 

وضعت رقمي الشخصي للتواصل مع الصحيفة رغم استمرار الاشتباكات وعدم استقرار الأوضاع في ليبيا، واعتبرت ذلك جزءاً من دورنا الميداني.

 

استمر العمل بهذه الوتيرة، رغم ما واجهته من محطات مهنية حاسمة، فقد تعرضت للتحقيق أكثر من مرة من قبل أجهزة الأمن الداخلي. وأتذكر أنني في إحدى المرات التقطت صورة لطابور طويل أمام أحد المصارف، ولم يخطر ببالي حينها أن هذا المشهد سيظل يتكرر حتى اليوم، وكتبت متسائلة عن أسباب تأخر صرف المرتبات. وعلى إثر ذلك تم التحفظ على الكاميرا باعتبار أن الأمر يمثل «خطراً أمنياً». لكن، ومن باب الإنصاف، حضر المسؤولون إلى مقر الصحيفة، وتم النقاش معهم، قبل أن تُعاد إليّ المعدات الصحفية.

ولا أنظر إلى هذه المواقف باعتبارها عراقيل، بقدر ما كانت انعكاساً لحماس صحفي دفعنا أحياناً إلى تجاوز حدود المعالجة المهنية السليمة لبعض القضايا.

 

 

ممارسة المرأة للصحافة في ظل الطابع الاجتماعي الليبي 

 

   منذ اختياري دراسة الإعلام والصحافة في الجامعة، خضعت لاختبار قبول شفهي وتحريري. وأذكر أن عدد المتقدمين تجاوز المئة، بينما تم قبول خمسة وعشرين طالباً وطالبة فقط. ولذلك كان دخولنا إلى المجال مقبولاً اجتماعياً منذ البداية.

ومع مرور الوقت أدركت أهمية اختبار القبول، إذ ليس كل من يدرس الإعلام قادراً على العمل في المهنة، فمثل هذه الاختبارات تكشف عن مكونات الشخصية الصحفية المؤهلة للعمل.

وأولى هذه المقومات الشعور بالمسؤولية المجتمعية؛ فهل الشخص متهور إلى درجة نشر أي معلومة دون تقدير لعواقبها؟ كما أن من يعرض القضايا وفق مصالحه الشخصية، أو يعمل بتوجيه من جهات معينة لنشر ما يخدمها وإخفاء ما يتعارض مع مصالحها، لا يصلح أيضاً للعمل الصحفي.

فالشخصية الصحفية يجب أن تجمع بين الثقة والأمانة، وهما صفتان قد لا تجتمعان دائماً في شخص واحد، بينما لا يستطيع القارئ في كثير من الأحيان التمييز بينهما.

 

■: في الوقت الذي كانت فيه ليبيا تعاني ضعف الإقبال على قراءة الصحف، كنتم في بداياتكم المهنية تمارسون الصحافة بحماس ومسؤولية، فكيف كانت المعادلة بين الأمرين؟

الإطلاع والقراءة هواية وشغف، ولذلك فإن محبي القراءة موجودون في كل المراحل، سواء في زمن الصحف الورقية أو بعد ظهور الوسائل الإلكترونية الحديثة، ولا يزال هناك من يتمسك بالصحيفة الورقية حتى اليوم.

كما أن الوصول إلى القارئ لا يرتبط بالوسيلة بقدر ما يرتبط بمدى ملامسة ما يعنيه ويشغل اهتمامه، وفهم حراك المجتمع وقضاياه. فالصحفي مطالب بمعرفة ما يشغل الفرد داخل مجتمعه والبحث عنه، وفي المقابل ينتظر القارئ صدور الصحيفة للحصول على ما يعبر عنه.

ومن هنا تنشأ العلاقة بين الصحيفة والقارئ، وتصبح الصحافة حلقة وصل واعية ومسؤولة بين المواطن والمسؤول، قائمة على المهنية والالتزام، لا على الاستثمار الشخصي في المهنة أو البحث عن تحقيق الذات على حساب الرسالة الصحفية.

 

أُبعدت عن صحيفة «الحياة الليبية» بسبب خلاف حول مفهوم الصورة الخبرية.

 

ما يقارب ثمانية عشر عاماً من العمل في صحيفة يومية تتبع الدولة.. كيف تقيمين مرحلة البدايات من الناحية المهنية والاجتماعية، ومن حيث علاقة الصحيفة بجمهور القراء؟

كانت بيئة العمل حريصة على انسياب العمل بسلاسة، وكان التشجيع حاضراً بصورة دائمة. ولا بد هنا من ذكر أعمدة هذا المكان، وفي مقدمتهم الأستاذ الراحل سعد نافو مدير الفرع، والأستاذ خليل العريبي مدير الإدارة.

 

أما على الصعيد الاجتماعي، فقد كنت في تلك الفترة زوجة وأماً وموظفة في الوقت ذاته، وحرصت على ألا يطغى دور على آخر. واليوم أتساءل أحياناً: كيف استطعت القيام بكل ذلك؟

ولم يكن الأمر مقتصراً عليّ وحدي، بل كان حال معظم الزميلات كذلك، إذ كنا نخرج يومياً في تغطيات ميدانية، وأحياناً نعمل يوم الجمعة، دون أن نقصر في مسؤولياتنا الأسرية أو متابعة دراسة أبنائنا حتى تحقيق النجاح.

كانت الحياة تسير بصورة طبيعية، ولم يكن هناك شعور بالضيق أو التقصير، بل كان الجميع يسعى إلى أداء واجباته على أكمل وجه، وهو ما تحقق بتوفيق الله أولاً، ثم بوجود شخصية قادرة على الالتزام بكل ما هو مطلوب منها في العمل والحياة.

أما اليوم، فتثار كثير من النقاشات حول الصعوبات التي تواجهها الصحفيات الشابات في التوفيق بين البيت والعمل والأبناء. وبرأيي، فإن من تجد نفسها غير قادرة على تحقيق هذا التوازن، فمن الأفضل لها أن تتفرغ لمسؤولياتها الأسرية، لأن الأصل ألا يكون نجاح جانب على حساب جانب آخر، وهذا يتطلب شخصية تمتلك قدراً كبيراً من التنظيم والقدرة على إدارة التفاصيل 

 

بداية عمل الفرع في تسعينيات القرن الماضي كانت تعتمد على نقل المواد الصحفية عبر الفاكس والبريد، ثم دخل الحاسب الآلي والإنترنت إلى فرع المؤسسة العامة للصحافة ببنغازي عام 2006. حدثينا عن هذه النقلة في طبيعة العمل؟.

في الفرع كانت هناك مشكلة نعاني منها باستمرار، تتمثل في عدم توفير احتياجاتنا الوظيفية ومتطلبات العمل من قبل المؤسسة الأم في طرابلس.

وأذكر أنه في أحد الأعوام، وبينما كنا في مقر العمل، تم تسليم كل مدير مكتب جهاز حاسوب محمول «لابتوب». وقد أثار الأمر استغرابنا، وعندما استفسرنا عن السبب كانت الإجابة أن الأستاذ محمد بعيو كان قد تولى إدارة المؤسسة في طرابلس قبل يومين فقط، واكتشف وجود هذه الأجهزة في المخازن، فقرر توزيعها بصورة عادلة على الفروع.

وكان ذلك أمراً غير مألوف بالنسبة لنا، إذ لم يسبق أن وصلتنا احتياجاتنا المهنية أو التقنية دون تقديم طلبات أو استمارات رسمية، ولذلك بقيت تلك الواقعة عالقة في الذاكرة باعتبارها المرة الأولى والأخيرة التي نتلقى فيها تجهيزات تقنية شخصية تخدم المهنة بشكل مباشر.

 

لا يصح تفسير العمل الصحفي من قبل من هم خارج المهنة.

 

■ هل هناك محطات مهنية لا تزال راسخة في الذاكرة كلما استعدتِ سنوات العمل؟

أجل، والبداية مع الأشخاص الذين رافقوا تلك المرحلة.

كان الأستاذ خليل العريبي، مدير الإدارة في الفرع، مثالاً للأخ الملتزم والحريص على حسن سير العمل، كما لا يمكن أن أنسى المرحوم عمران الفيتوري، المعروف بلقب «الشيخ»، والذي كان مكلفاً بنقلنا إلى مواقع التغطيات الصحفية.

ففي أي وقت كانت ترد إليّ فكرة لموضوع صحفي، كنت أتواصل معه مباشرة، فيحضر في الموعد المحدد دون تردد أو نقاش. وكذلك الأمر بالنسبة للمصورين، إذ كان يكفي إبلاغهم بوجود مهمة صحفية حتى يستجيبوا في أي وقت.

لقد كانت بيئة العمل مهيأة بصورة كبيرة لإنجاز العمل الصحفي على أفضل وجه، ولذلك وجدنا صعوبة حقيقية في أداء مهامنا عندما تغيرت الظروف لاحقاً.

 

ليس كل من يجيد الكتابة صالحاً للعمل الصحفي أو للنشر.

 

أما على مستوى القضايا الصحفية، فقد كانت لي قضية خاصة ارتبطت بها لسنوات طويلة، وهي قضية «أبناء دور الرعاية الاجتماعية»، التي واكبتها منذ عام 2000، وما زلت حتى اليوم على تواصل معهم.

عملت على هذه القضية من مختلف الجوانب، ولم أستطع يوماً الفصل بين إنسانيتي ومهنتي. وأتذكر أن أحد الأطفال، وكان يبلغ من العمر اثني عشر عاماً، اتصل بي في ساعة متأخرة من الليل بسبب مشكلة وقعت داخل الدار، ولم يتوجه إلى المشرفات أو المناوبين، وإنما اختار التواصل معي مباشرة.

تمكنت من إقناعه بالعودة إلى الدار التي غادرها غاضباً حتى يحل الصباح، ومع الساعات الأولى من اليوم التالي توجهت إلى هناك لمتابعة الأمر بنفسي.

وحتى اليوم، لا يزال كثير منهم يلجؤون إليّ عند الحاجة، بل كانوا يزوروننا في مقر الصحيفة ويقضون الوقت معنا وهم يتابعون أجواء العمل الصحفي، دون أن يدرك كثير من الزملاء أنهم من أبناء دور الرعاية.

لقد تابعت قضاياهم عن قرب، وما أتمناه اليوم من خلال هذا الحوار هو أن تتاح لي فرصة اللقاء بوزير الشؤون الاجتماعية، حتى أتمكن من تقديم تصور متكامل لمعالجة هذه المشكلات، بحكم معرفتي الدقيقة بأوضاعهم على امتداد سنوات طويلة.

فما عاشه الجيل السابق من أبناء دور الرعاية، لا يزال يعيشه أبناؤهم اليوم بعد الزواج وتكوين الأسر، سواء كانوا من المكفولين من الدولة أو من الأسر الحاضنة، وهو ما يجعل القضية بحاجة إلى حلول جذرية وشاملة.

ومن القضايا المهمة التي عملت عليها أيضاً قضية مرتبطة بهيئة الأوقاف، من خلال أحد المشايخ، وتتعلق بتورط مجموعة من النساء في ترويج المخدرات.

التقيت بهؤلاء النسوة، وتحاورت معهن مطولاً، وتمكنت من الوقوف على تفاصيل أوضاعهن ودوافعهن، إلى أن توصلنا إلى أن الهدف الأساسي كان تأمين مصدر دخل مادي، وليس الاستمرار في هذا الطريق.

وعليه، تم التنسيق مع هيئة الأوقاف لتوفير دعم مالي يساعدهن على ترك هذا النشاط، فكان الهدف من القضية الإصلاح الاجتماعي وليس النشر الصحفي فقط.

كما أحتفظ بموقف إنساني آخر له مكانة خاصة في ذاكرتي، تمثل في المساهمة في إعادة طفل مختطف إلى والدته.

فبينما كنت في أحد المجالس، سمعت حديثاً بين امرأتين لا أعرفهما، كانت إحداهما تقول إن زوجها أحضر ابن صديق له بعدما أخذه من والدته دون علمها، ويعتزم نقله إلى مصر، فيما ردت الأخرى بالسؤال عن موعد السفر، فجاءت الإجابة بأنه سيكون خلال يوم أو يومين، وأن الطفل موجود معهما في المنزل.

ربما كانت كثير من النساء سيتأثرن بالقصة ثم يمضين في طريقهن، لكن الحس الصحفي دفعني إلى التدخل ومحاولة معرفة المزيد من التفاصيل.

ومن خلال اسم العائلة تمكنت من الوصول إلى أحد كبار السن الذي يعرف الأسرة، ثم تابعت الخيوط مع أحد شيوخ القبائل حتى وصلت إلى والدة الطفل، وزودتها بالعنوان، وبالفعل توجهت الأسرة إلى المكان واستعادت الطفل.

وفي حادثة أخرى، حضر إلى مقر الصحيفة شاب في مقتبل العمر، ومن خلال حديثه أدركت أنه ليس ليبياً، بل سوري الجنسية ويقيم في مدينة مصراتة.

وعندما سألته عن سبب وجوده في بنغازي، أوضح أن وسيلة النقل التي كان يستقلها أوصلته إلى المدينة بالخطأ.

لم أسمح له بالمغادرة، وبدأنا سلسلة من الاتصالات باسم فرع المؤسسة العامة للصحافة في بنغازي مع عدد من الشخصيات المعروفة في مصراتة، حتى تمكنا من الوصول إلى والده، الذي حضر إلى بنغازي وتسلم ابنه بعد رحلة بحث وقلق طويلة.

الحس الصحفي يجعل صاحبه شريكاً في تفاصيل الحياة العامة.

 

في عام 2011 وُلدت صحيفة «الحياة الليبية»، التي شكّلت نقلة جديدة في مسيرتك الصحفية، منذ توليك رئاسة تحريرها وحتى مرحلة التقاعد… حدثينا عنها.

عندما دخلت مدينة بنغازي مرحلة التحول بعد ثورة فبراير، وتحديداً في مايو 2011، لم أستطع أن أكون مجرد متفرجة على ما يحدث. كنت على يقين بأن لدينا نحن أيضاً سلاحاً لا يقل أهمية عما يحمله الثوار في الجبهات، وهو الكلمة.

توجهت إلى مقر العمل، وتحدثت مع الزملاء الموجودين حول إمكانية إصدار صحيفة جديدة، خاصة في ظل ازدياد عدد الإصدارات الورقية آنذاك، بعضها يصدر عن هواة، وبعضها الآخر عن جهات تمتلك الإمكانات المادية أو تحمل توجهات مختلفة.

وكان من أوائل المتحمسين للفكرة زميلنا الراحل عبد السلام التركي، الذي قال فوراً: «أنا بسيارتي جاهز للمساعدة»، كما انضمت إلينا الزميلتان خلود الفلاح ونعيمة أقويه، بالإضافة إلى عدد من الفتيات اللواتي لم يكنّ يعملن في الصحافة، لكن أسرهن كانت تضع ثقتها فينا، فكن يحضرن إلى مقر العمل ويبقى ذووهن في انتظارهن حتى انتهاء العمل ومغادرتهن. كما انضم إلينا لاحقاً الزميل جابر نور بعد عودته من مصر.

جاء اسم «الحياة الليبية» بعيداً عن المسميات المرتبطة بالحرب والثورة والصراع، إذ أردنا أن يشعر القارئ بالسلام والطمأنينة. وكان الاسم المقترح في البداية هو «الحياة»، إلا أن إجراءات التسجيل الرسمية أظهرت وجود صحيفة تحمل الاسم ذاته، هي «الحياة» اللندنية، فقلت بصورة عفوية: إذن ستكون «الحياة الليبية».

وتكفلت مطبعة النور، بإدارة الأستاذ طارق البشاري، بطباعة ألفي نسخة مع تخصيص صفحتين ملونتين دون مقابل، بينما تكفل الراحل عبد السلام التركي بتوزيع الصحيفة في مختلف المدن الليبية، وأتذكر جيداً كيف كانت الأعداد تُنقل أحياناً عبر القوارب المتجهة إلى مصراتة وطرابلس، فيما تولى الأستاذ جابر نور الإشراف على الجانب المهني والتحريري.

واكبت صحيفة «الحياة الليبية» الأحداث منذ بدايتها، ولأنني وضعت رقم هاتفي الشخصي للتواصل مع القراء والجمهور، رغم الظروف الأمنية غير المستقرة آنذاك، تلقت الصحيفة اهتماماً واسعاً، حتى إن اتحاد الصحفيين العرب تواصل معنا للمشاركة في معرض أُقيم في مصر حول صحافة الثورات العربية.

وقد أثبتت الصحيفة حضورها وتأثيرها، إذ لم تكن هناك أعداد مرتجعة من التوزيع، بل كانت عائدات البيع تسهم في تمويل إصدار الأعداد التالية.

واعتمدنا في تلك المرحلة سياسة «صحافة الأزمات»، مع الحرص على تسليط الضوء على الأحداث كافة بصورة مهنية ومنضبطة، فلم يكن العمل عشوائياً أو ارتجالياً، بل كان محكوماً بمعايير دقيقة، لأن المرحلة كانت شديدة الحساسية، وكان هدفنا الأول هو المواطن.

وكنا نؤمن بأن هناك جهات تعمل على تأمين البلاد وحماية مؤسساتها، بينما يتمثل دورنا في تأمين الحالة النفسية للمواطن ومرافقته حتى يصل إلى بر الأمان.

وفي عام 2013 كُلّفت بإدارة مجلة «المرأة»، التي عادت لاحقاً للصدور باسم «البيت»، بعد توقف دام قرابة أربعين عاماً. وعملت خلال تلك الفترة على تطوير المجلة من حيث عدد الصفحات والشكل العام، حتى وصلت إلى نحو 180 صفحة.

ومن المواقف التي لا أنساها أن مقر العمل كان يخضع لأعمال صيانة، وكان من المفترض أن ننتقل إلى مقر بديل، إلا أننا كنا مرتبطين بالمكان إلى درجة جعلتنا نشعر بأن مغادرته نوع من الخيانة لذاكرة الشغف والبدايات، فصرنا نتبادل الأماكن مع عمال الصيانة ونواصل العمل وسط الورش وأصوات الإصلاح.

وفي تلك الفترة نفسها تلقيت تهديداً مباشراً يقول: «الزمي منزلك وإلا فسنفجر المبنى». ولم أتعامل مع الأمر بجدية في البداية، لأنني كنت أؤدي عملي الصحفي فقط، ولم أكن أتصور أن لما نقوم به هذا التأثير الكبير في المشهد العام.

وأتذكر أن الزميلة خلود الفلاح قالت لي مازحة آنذاك: «ربما يؤجلون الأمر إلى المساء، فنحن نعمل صباحاً». لكن التهديدات تكررت، وبدأت أجد في مكتبي أوراقاً بيضاء كتب عليها: «قد أُعذر من أنذر».

وتطور الأمر إلى أن لاحظ زوجي وجود سيارة تراقب وصولي إلى مقر المؤسسة ثم تغادر، رغم أنني لم أكن قد أخبرته بشيء عن تلك التهديدات.

ولم أشعر بخطورة الموقف الحقيقية إلا بعد اغتيال زميلنا الكاتب مفتاح بوزيد، حينها سيطر عليّ الخوف، وبالفعل بقيت في المنزل لأكثر من شهر، رغم العروض التي تلقيتها آنذاك لمغادرة ليبيا عبر منظمات حقوقية، لكنني فضلت البقاء وانتظار ما ستؤول إليه الأمور.

عودة «الحياة الليبية»

بعد توقف استمر قرابة خمس سنوات، عادت صحيفة «الحياة الليبية» إلى الصدور عام 2018 مع تولي السيدة خديجة بسيكري رئاسة الفرع، وبرفقة الزميلة ابتسام أغفير التي تولت إدارة تحرير الصحيفة.

ومن خلال النقاشات المشتركة سعينا إلى تقديم تجربة مختلفة تخرج من الإطار التقليدي، فجاءت فكرة «الصورة الخبرية» المستوحاة من الصحافة الأمريكية، وربما كانت «الحياة الليبية» من أوائل الصحف الليبية التي طبقت هذا المفهوم.

استمر العمل وفق هذا النهج، إلا أن بعض العاملين لم يستوعبوا هذا التطور في العمل الصحفي، الأمر الذي دفعني إلى الانسحاب من الصحيفة خلال فترة رئاسة الراحل يوسف العبيدي، بسبب الخلاف حول مفهوم الصورة الخبرية.

كان هناك من يرى ضرورة استخدام الصور الشخصية، بينما كنت أؤمن بأن الصورة الشخصية تناسب المجلات أكثر من الصحف الإخبارية، التي ينبغي أن تختزل الخبر في صورة مرتبطة بالحدث نفسه.

وفي عام 2021، ومع تولي الزميلة زينب شاهين رئاسة الفرع، استؤنف إصدار صحيفة «الحياة الليبية» بعد الاقتناع بالرؤية المهنية المتعلقة بأهمية الصورة الخبرية ومكانتها في العمل الصحفي الحديث.

 

أستاذة سعاد… تمتد تجربتك المهنية لأكثر من خمسة وعشرين عاماً، فما الذي يمكن أن تقوليه لجيل اليوم من الإعلاميين؟

هذه المهمة تقع بالدرجة الأولى على عاتق المسؤولين، من خلال الاستفادة من أصحاب الخبرة وتنظيم ورش عمل للصحفيين الشباب، لأننا ندرك حجم الفجوة القائمة بين الجانب النظري والتطبيق العملي.

ولا أعلم تحديداً أين يكمن الخلل؛ هل في طرق التدريس أم في الأشخاص أنفسهم؟ فقد قابلت خريجين في الإعلام يحملون تقديرات ممتازة، لكن أداءهم في الميدان كان ضعيفاً للغاية، وفي المقابل تعاملت مع ممارسين للمهنة ليسوا من خريجي الإعلام، لكنهم تلقوا التأهيل والتدريب اللازمين، فأصبحوا صحفيين على مستوى عالٍ من الكفاءة.

كما لا ينبغي إغفال أهمية التحرير الصحفي وصياغة المواد الإعلامية.

وأتذكر خلال أحداث فبراير 2011 أن بعض الأخبار التي كانت تصلني من الصحفيين المبتدئين كانت ترد بصياغات من قبيل: «استشهاد ضباط في كمين»، فكنت أعيد صياغتها إلى: «تصدى ضباط لكمين، ما أسفر عن استشهاد…».

هذا الفارق البسيط في الصياغة يحمل أثراً كبيراً لدى المتلقي، وهو ما يدركه أصحاب الخبرة جيداً.

ومن هنا أقترح إنشاء «نادي للمتقاعدين» يكون بمثابة بيت خبرة يضم مختلف التخصصات، ويتيح للشباب والشابات فرصة الاستماع إلى تجارب أصحاب الخبرات والاستفادة منها، على أن يكون هذا النادي بمكانة تليق بمن أفنوا أعمارهم في خدمة مؤسساتهم ومهنهم.

 

لا نستطيع الوقوف على الحياد تجاه قضايا المجتمع.

 

■ الطرابلسي… وأنتِ حديثة العهد بمرحلة التقاعد، من تشكرين ومن تلومين؟

أشكر والدي، الذي علمني ومنحني قدراً من الوعي والمعرفة ساعدني على تجاوز الكثير من المواقف الحياتية.

وأشكر أبنائي الذين تحملوا طبيعة مهنتي وظروفها، كما أشكر زميلاتي اللواتي لم ينقطعن عن السؤال عني ومساندتي.

أما اللوم فأوجهه إلى المؤسسات التي نقضي بين جدرانها معظم أعمارنا، نبذل فيها الجهد والتعب دون أن نشعر بحجم ما نقدمه إلا بعد التقاعد.

لقد تطلب العمل الصحفي جهداً نفسياً وذهنياً كبيراً، لكننا لم نكن نشعر بثقله لأننا كنا نعمل بحب وشغف وحماس.

وعندما توقفت عن العمل وأخذت قسطاً من الراحة، أدركت حجم ذلك الجهد الذي بذلناه على مدى سنوات طويلة، بينما كان المقابل في كثير من الأحيان أقل بكثير مما يستحقه الإنسان من تقدير ووفاء.

Share this content: