رفع الدعم أم إصلاح الهيكل
سياسات نقدية تضغط على المواطن وتسرّع موجات الغلاء
تحقيق : طارق بريدعة
لم يكن قرار خفض قيمة الدينار الليبي ورفع الدعم عن النقد الاجنبي مجرد اجراء مالي عابر بل حلقة جديدة في سلسلة سياسات اقتصادية انعكست مباشرة على حياة الليبيين اليومية فمن اسعار السلع الاساسية الى تاكل القدرة الشرائية وتضييق الخناق على محدودي الدخل بات المواطن يشعر آن كل تعديل نقدي يتحول سريعا الى موجة غلاء جديدة
وبينما تبرز السلطا هذه القرارات بالحاجة الى معالجة الاختلالات المالية وظبط الانفاق العالم يرى اقتصاديون ان الازمة اعمق بكثير وان الاستمرار في الحلول النقدية دون مسار تنموي واضح لن يؤدي الا الى مزيد من الانكماش الاقتصادي وارتفاع كلفة المعيشة خصوصا في الجنوب و المناطق البعيدة عن مراكز القرار وسط هذا المشهد يعود ملف الدعم الي الواجهة باعتباره احد اكثر الملفات حساسية في ليبيا دعم الوقود و الدقيق الكهرباء لكنه ملف لايمكن اختزاله في سؤال هل نرفع الدعم آم نبقيه بل في سؤال اكثر جوهرية من المتفيد الحقيقي من منظومة الدعم ؟
في خضم الجدل الدائر حول رفع الدعم وتداعياته، يطرح الخبير الاقتصادي إبراهيم السنوسي تساؤلًا يعتبره جوهريًا: من المستفيد الحقيقي من منظومة الدعم في ليبيا؟
ويؤكد السنوسي أن الدعم بصيغته الحالية لا يصل إلى المواطن كما يُفترض، رغم أن الهدف المعلن منه هو حماية الفئات الفقيرة والشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة. ويضيف أن الواقع يكشف أن جزءًا من الدعم يتحول إلى مكاسب خارج الإطار الذي وُضع من أجله، مستفيدًا من ضعف الرقابة واتساع الفجوة بين السعر المدعوم والسعر الحقيقي للسلع.

فجوة بين السعر المدعوم والسوق تفتح باب الاستغلال
يوضح السنوسي أن دعم الوقود والدقيق والكهرباء يصل جزئيًا فقط إلى المواطن، إذ يدفع المستهلك سعرًا أقل نظريًا، لكن جزءًا من قيمة الدعم يتأثر بعوامل مثل السوق السوداء، وضعف الرقابة، والتلاعب بالكميات، خاصة في المناطق البعيدة عن المدن الكبرى.. ويرى أن استفادة الجميع من الدعم بشكل متساوٍ تعني عمليًا أن الفئات الأكثر استهلاكًا تحصل على حصة أكبر من المال العام، في حين تبقى الفئات الهشة في مواجهة الغلاء وضعف الخدمات. ويشرح آلية ذلك ببساطة: الدولة تبيع السلعة بسعر منخفض، ثم يعاد بيعها بسعر أعلى، ليذهب فارق السعر إلى أطراف أخرى بدل أن ينعكس على تحسين حياة المواطن.
دعم بمليارات… وأثر محدود على حياة المواطن
على مستوى الكلفة، يشير السنوسي إلى أن بند
الدعم — خاصة المحروقات — يستهلك جزءًا كبيرًا من الإنفاق العام. ولا يقتصر ذلك على المبالغ النقدية فقط، بل يشمل أيضًا الغاز الطبيعي والزيت الثقيل المستخدمين في تشغيل محطات الكهرباء، وهي كلف ضخمة لا تُحتسب بالكامل ضمن بيانات الإيرادات والإنفاق الرسمي.

الجنوب الليبي: كلفة المعيشة أعلى… والدعم أقل حضورًا
بعيدًا عن طرابلس وبنغازي، يبدو ملف الدعم أكثر قسوة في الجنوب الليبي، حيث تتضاعف آثار الغلاء بسبب ضعف الخدمات وانعدام البدائل.
سليمان عبدالقادر: مواطن من أوباري، عبّر عن موقفه بقوله إن الحياة في الجنوب تختلف جذريًا عن الحياة في الغرب والشرق. ويوضح أن المواطن في الجنوب يعاني من انعدام البنية التحتية وتهالك الطرق، لدرجة أن السفر إلى العاصمة طرابلس أو إلى الشرق قد يكلّف المواطن تغيير الإطارات أكثر من مرة بسبب سوء الطرق.
ويضيف سليمان..إذا طلبت من المواطن أن ترفع قيمة المرتب إلى 4000 دينار وترفع عنه الدعم على المحروقات، سيرفض.
ويشرح سبب ذلك بأن الرابط الاجتماعي في الجنوب قوي، والتنقل بالمركبات عامل أساسي في حياة الناس اليومية، فضلًا عن غياب النقل العام. ويصف سليمان واقع الوقود بقوله إن المواطنين يقفون في طوابير قد تصل إلى ثلاثة كيلومترات من أجل تعبئة الوقود، فقط ليستطيعوا التنقل والتواصل مع أقاربهم.
ويحذر من أن الحديث عن إصلاح اقتصادي دون ربطه ببرامج تنموية وإنتاجية — خاصة في الجنوب — يبقى حديثًا نظريًا، مشيرًا إلى أن مناطق مثل أوباري تمتلك إمكانات في الزراعة والطاقة والسياحة البيئية، لكنها تُهمش لصالح حلول مالية مركزية لا تراعي التفاوت الجغرافي والاجتماعي.
إبراهيم الحداد: المواطن يدفع كلفة اختلالات لا يتحكم فيها
في تصريح صحفي سابق ، قال الخبير المصرفي والمدير السابق للمصرف التجاري الوطني «إبراهيم الحداد» إن الليبيين «ليسوا هم من يسرقون النفط ويهربونه ويمنحون الغاز مجانا لدول خارجية ذات مصالح».
وأضاف الحداد أن المواطنين يعانون “مذلة الطوابير الطويلة للحصول على الوقود وغاز الطهي”، في بلد ينتج كميات كبيرة من النفط والغاز، رغم أنهم ليسوا المسؤولين عن العبث والفساد الحاصل بالقطاع.
ويؤكد الحداد أن خيار رفع الدعم عن الوقود والغاز “مرفوض بشكل قاطع”، محذرًا من أن رفعه سيؤدي إلى اختفاء الفارق لصالح جهات أخرى، كما اختفت قيمة فرق سعر صرف الدينار والضرائب المفروضة عليه من مدخرات ورواتب المواطنين.
إصلاح الدعم: بين الضرورة المالية والحساسية الاجتماعية
لا يمكن مقاربة مسألة إلغاء أو تعديل الدعم عن الوقود والدقيق والكهرباء في ليبيا باعتبارها قرارًا تقنيًا معزولًا، بل هي قضية ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية وسياسية متشابكة تمس جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن.
فالدعم، رغم ما يعتريه من تشوهات عميقة، ظل لعقود أحد آخر أدوات تخفيف الصدمة المعيشية
اختيار غياب التنمية يقوض فرص التغيير
في اقتصاد ريعي هش يعتمد على الاستيراد ويعاني من ضعف الإنتاج وغياب العدالة في توزيع الدخل.
من الناحية النظرية، يُعد نظام الدعم الحالي مكلفًا وغير مستدام، إذ يستنزف جزءًا كبيرًا من الموارد العامة، ويستفيد منه غير المستحقين أكثر من الفئات الفقيرة. لكن الإشكالية لا تكمن في هذا التشخيص بقدر ما تكمن في توقيت وآلية الإصلاح.
دعم مشوَّه… وإصلاح غير مكتمل
يشير التحليل إلى أن الدعم في صيغته الحالية لا يصل إلى المواطن كاملًا، لكنه في المقابل لا يمكن استبداله بفراغ.
فالدولة التي تطلب من مواطنيها تحمّل كلفة الوقود والكهرباء والدقيق بأسعار أقرب إلى السوق، دون أن توفر دخلًا كافيًا أو خدمات عامة موثوقة، تُحوّل الإصلاح الاقتصادي إلى عبء اجتماعي.
وهنا يتجلى التناقض الأساسي: منظومة دعم غير فعالة تهدر المال العام، وإصلاح مالي قد يُحمّل المواطن وحده كلفة الاختلالات.
الحل الواقعي: دعم المواطن بدل دعم السلعة
لا تمر الرؤية الواقعية للإصلاح عبر خيارين متطرفين (الدعم الشامل أو الإلغاء الكامل)، بل عبر تفكيك منظومة الدعم الحالية وإعادة بنائها.
ويبدأ ذلك بالانتقال التدريجي من دعم السلعة إلى دعم المواطن، عبر تحويلات نقدية مباشرة وموجهة، تراعي الفوارق الجغرافية ومستويات الدخل، وترافقها سياسات صارمة لمكافحة الاحتكار وضبط الأسواق.
رفع الدعم في اقتصاد استهلاكي: تحديات إضافية
تكشف التجربة الليبية أن أي إصلاح للدعم لا يمكن أن ينجح في ظل اقتصاد أحادي المصدر يعتمد على النفط ويُهمل القطاعات الإنتاجية.
فرفع الدعم عن الوقود في اقتصاد صناعي أو زراعي منتج يختلف جذريًا عن رفعه في اقتصاد استهلاكي يستورد أكثر من 90ز% من احتياجاته.
لذلك، فإن ربط إصلاح الدعم بخطط تنويع اقتصادي واستثمار في الزراعة والصناعات التحويلية ليس ترفًا، بل شرطًا لبقاء أي إصلاح قابلًا للاستمرار.
مواطنون يحذرون: ارتفاع النقل والطاقة يضغط على السوق تقول الأستاذة «غادة أحمد» خبيرة اقتصادية ومهتمة بالشأن الاقتصادي الليبي إن رفع الدعم عن المحروقات والكهرباء في ليبيا دون إطار إصلاحي شامل سيؤدي إلى آثار اجتماعية واقتصادية خطيرة، منها ارتفاع تكاليف النقل والطاقة بما يضغط على الإنتاج ويخفض الطلب والاستهلاك.
وتضيف أن ذلك قد يؤدي إلى زيادة التكاليف التشغيلية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة وربما إغلاق بعضها، وتآكل الدخل الحقيقي للأسر وزيادة الفقر والبطالة، وتوسع الاقتصاد غير الرسمي والأسواق السوداء في المحروقات إذا لم تُراعَ التدابير التنظيمية.
أرقام 2025.. فجوة مالية في توريد المحروقات
تكشف بيانات المؤسسة الوطنية للنفط لسنة 2025 عن فجوة مالية كبيرة في ملف توريد المحروقات، إذ بلغت قيمة المحروقات الموردة خلال العام نحو 7.866
مليار دولار، مقابل مبالغ مسيّلة من المصرف المركزي بقيمة 2.679 مليار دولار فقط.
وبحسب البيانات، ارتفع حجم المبالغ غير المسيلة تدريجيًا ليصل إلى 3.822 مليار دولار بنهاية العام، ما يثير تساؤلات حول تراكم الالتزامات وترحيلها في ظل اضطراب اقتصادي وانقسام مؤسسي.
وفي جانب الإيرادات، بلغ إجمالي ما أدرجته المؤسسة ضمن الإيرادات 28.577 مليار دولار، مع التنبيه إلى أن هذه الأرقام لا تعكس قيمة المحروقات فقط، بل تشمل مصاريف مصاحبة للتوريد مثل إيجارات النواقل وغرامات التأخير والتأمين والتفتيش والوكالات البحرية والمصاريف المصرفية.
داخل وزارة النفط: دراسة 2024 وتجارب دولية
قال موظف بقسم الدراسة والإحصاءات بوزارة النفط والغاز — فضّل عدم ذكر اسمه — إن اللجنة المكلفة من وزير النفط والغاز، والتي سلّمت في عام 2024 مقترح دراسة حول رفع الدعم عن المحروقات، حاولت الاستناد إلى تجارب دولية مثل سلطنة عُمان والفلبين.
وأوضح الموظف أن التجربة العُمانية اعتمدت على الانتقال التدريجي نحو تحرير الأسعار، بالتوازي مع إنشاء منظومة دعم موجه لفئات محددة وفق معايير واضحة، ما خفف الصدمة الاجتماعية.
أسئلة تسبق أي دعم نقدي
قال الباحث في الشأن الليبي محمد يوسف درميش إن الحديث عن رفع الدعم واستبداله نقدًا يجب أن يسبقه طرح أسئلة واقعية أمام كل مواطن ومسؤول، أبرزها:
هل توجد مواصلات عامة في ليبيا؟
هل يمكن ضمان تدفق المبلغ شهريًا دون انقطاع؟
من الذي سيستلم الدعم؟
هل المبلغ المقترح يكفي فعلًا؟
هل هناك ضمان لاستقرار الأسعار؟
هل أجريت دراسات اجتماعية لتقييم تداعيات القرار؟
هل يمكن ضمان توفر الوقود بالسعر الجديد في كل الأوقات؟
ويخلص درميش إلى توصية واضحة: عدم اتخاذ قرارات تزيد من معاناة المواطن وتعمّق التشوهات في الاقتصاد الليبي.
الخلاصة: إصلاح ممكن… لكن بشروط
في المحصلة، فإن إصلاح الدعم في ليبيا هو اختبار حقيقي لقدرة الدولة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء سياسة عامة.
فإما أن يُدار ملف الدعم كجزء من رؤية شاملة تحمي الفئات الهشة، وتغلق منافذ الاستغلال، وتعيد توجيه الموارد نحو التنمية، أو يُنفذ كقرار مالي ضيق ستكون نتيجته مزيدًا من الغلاء وفقدان الثقة واتساع الهوة بين المواطن ومؤسسات الدولة.

د.« زينب سالم شعيب»: رفع الدعم عن المحروقات قد يتحول إلى عبء اجتماعي خطير إذا لم تُرافقه إصلاحات
وضمانات.. قالت الدكتورة زينب سالم شعيب، رئيس مجلس الإدارة بمؤسسة نساء مصراتة، إن ملف رفع الدعم عن المحروقات في ليبيا يُعد من أكثر الملفات حساسية، وقد يصل إلى مرحلة الخطورة إذا لم يُدار ضمن رؤية اقتصادية واضحة وخطة إصلاح شاملة تراعي الواقع الاجتماعي والمعيشي للمواطن.
وأوضحت شعيب أن بعض الأطراف ترى في رفع الدعم فرصة لمعالجة اختلالات اقتصادية مزمنة، مثل تقليص تهريب الوقود، وتوفير مبالغ مالية كبيرة يمكن توجيهها إلى قطاعات حيوية كالتعليم والصحة والبنية التحتية، إلا أن المخاوف المتزايدة تشير إلى أن المواطن قد يكون المتضرر الأكبر من أي قرار يُتخذ دون بدائل عادلة وحلول واقعية.
وأضافت أن ارتفاع أسعار الوقود سينعكس مباشرة على تكاليف النقل والكهرباء وأسعار الإنتاج، خصوصاً في الصناعات الغذائية، ما قد يؤدي إلى موجة غلاء جديدة ويزيد من معاناة المواطنين ويعمّق الأزمات الاقتصادية والاجتماعية القائمة.
وأكدت شعيب أن الفئات الفقيرة والمتوسطة ستكون الأكثر تضرراً، بسبب انخفاض قدرتها الشرائية وزيادة أعبائها المالية، في ظل أزمة السيولة وتدهور الوضع الاقتصادي العام.
وفي السياق ذاته، حذّرت رئيس مجلس إدارة مؤسسة نساء مصراتة من أن رفع الدعم قد يمنح التجار والمهربين مساحة أكبر لتحقيق أرباح إضافية، إذ قد يزداد الطلب على الوقود المهرب نتيجة ارتفاع الأسعار في السوق الرسمية، كما أن ارتفاع تكلفة النقل والشحن قد يتحول إلى ذريعة لرفع أسعار السلع بشكل غير منضبط.
وختمت حديثها بالتأكيد على ضرورة توعية المجتمع بخطورة رفع الدعم دون ضمانات، وما قد يترتب عليه من تدهور في مستوى المعيشة وارتفاع معدلات الفقر، داعية النخب والأكاديميين وكل المهتمين بالمصلحة الوطنية إلى توحيد موقفهم لضمان حماية المواطن الليبي وعدم تمرير القرار دون بدائل عادلة.
Share this content: