×

السؤال‭ ‬الصحفي

السؤال‭ ‬الصحفي

‬من‭ ‬أداة‭ ‬للمساءلة‭ ‬إلى‭ ‬رهينة‭ ‬‮«‬المسموح‮»‬

يمثّل‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬إحدى‭ ‬الركائز‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬العمل‭ ‬الإعلامي‭ ‬المهني،‭ ‬بوصفه‭ ‬الأداة‭ ‬التي‭ ‬تمنح‭ ‬المعلومة‭ ‬معناها‭ ‬التحليلي‭ ‬وتحوّلها‭ ‬من‭ ‬نقل‭ ‬آني‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬مساءلة‭ ‬وفهم،‭ ‬وفي‭ ‬السياق‭ ‬الليبي،‭ ‬حيث‭ ‬تتشابك‭ ‬التحديات‭ ‬السياسية‭ ‬والأمنية‭ ‬والتشريعية،‭ ‬تزداد‭ ‬أهمية‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬بوصفه‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬مستوى‭ ‬المهنية‭ ‬وحدود‭ ‬الحرية‭ ‬داخل‭ ‬المشهد‭ ‬الإعلامي‭.‬

ومع‭ ‬تصاعد‭ ‬المحتوى‭ ‬الجاهز،‭ ‬وتسارع‭ ‬ايقاع‭ ‬الإنتاج‭ ‬الإعلامي،‭ ‬وتداخل‭ ‬الاعتبارات‭ ‬التحريرية‭ ‬مع‭ ‬الضغوط‭ ‬السياسية‭ ‬والتمويلية،‭ ‬بات‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬موضع‭ ‬اختبار‭ ‬حقيقي،‭ ‬هل‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬يؤدي‭ ‬دوره‭ ‬كأداة‭ ‬كشف‭ ‬ومساءلة،‭ ‬أم‭ ‬أُعيد‭ ‬تشكيله‭ ‬ليعمل‭ ‬ضمن‭ ‬هوامش‭ ‬محددة‭ ‬سلفًا؟

كيف‭ ‬تحول‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬مساءلة‭ ‬إلى‭ ‬عنصر‭ ‬مكمّل؟

شهد‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬تحوّلًا‭ ‬تدريجيًا‭ ‬في‭ ‬موقعه‭ ‬ووظيفته‭ ‬منذ‭ ‬مرحلة‭ ‬الانفتاح‭ ‬النسبي‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬عام‭ ‬2011‭. ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬شكّل‭ ‬مدخلًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬للتحقيق‭ ‬والاستقصاء،‭ ‬تراجع‭ ‬حضوره‭ ‬ليصبح‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬عنصرًا‭ ‬مكمّلًا‭ ‬ضمن‭ ‬أجندات‭ ‬إعلامية‭ ‬مُدارة‭ ‬سلفًا،‭ ‬تخضع‭ ‬لحسابات‭ ‬سياسية‭ ‬وتمويلية‭ ‬واضحة‭. ‬هذا‭ ‬التحوّل‭ ‬أضعف‭ ‬الدور‭ ‬النقدي‭ ‬للسؤال،‭ ‬وحوّله‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬مساءلة‭ ‬إلى‭ ‬وسيلة‭ ‬لتمرير‭ ‬الرسائل‭ ‬أو‭ ‬تلميع‭ ‬المواقف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬انعكس‭ ‬في‭ ‬الغياب‭ ‬شبه‭ ‬التام‭ ‬للأسئلة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالفساد‭ ‬الخدمي‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬حيوية‭ ‬كالصحة‭ ‬والتعليم‭ ‬والرياضة،‭ ‬مقابل‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬قضايا‭ ‬تخدم‭ ‬الاصطفافات‭ ‬السياسية‭.‬

وتأثر‭ ‬حضور‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬بطبيعة‭ ‬البيئة‭ ‬الإعلامية‭ ‬المحيطة‭ ‬به،‭ ‬حيث‭ ‬فرضت‭ ‬القيود‭ ‬الأمنية‭ ‬والحدود‭ ‬التحريرية‭ ‬الصارمة‭ ‬أسئلة‭ ‬مُعدّة‭ ‬مسبقًا‭ ‬في‭ ‬الإعلام‭ ‬المرئي،‭ ‬بينما‭ ‬احتفظ‭ ‬الإعلام‭ ‬المسموع‭ ‬بهامش‭ ‬أوسع‭ ‬نسبيًا،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬المباشرة‭ ‬بالمواطن‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬شهدت‭ ‬الصحافة‭ ‬المكتوبة‭ ‬تراجعًا‭ ‬ملحوظًا‭ ‬في‭ ‬التحقيقات‭ ‬المعمقة،‭ ‬فيما‭ ‬اتسم‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬بازدواجية‭ ‬واضحة‭ ‬بين‭ ‬جرأة‭ ‬الطرح‭ ‬وسطحية‭ ‬المعالجة،‭ ‬مع‭ ‬صعود‭ ‬نماذج‭ ‬إعلامية‭ ‬سريعة‭ ‬الإيقاع‭ ‬تفتقر‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأحيان‭ ‬إلى‭ ‬التوثيق‭ ‬والتحقق‭.‬

ولا‭ ‬تنفصل‭ ‬محدودية‭ ‬الجرأة‭ ‬عن‭ ‬واقع‭ ‬الاستقلالية‭ ‬الهشّة،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يُرسم‭ ‬سقف‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬بقوة‭ ‬القوانين‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تحدده‭ ‬معادلات‭ ‬الأمن‭ ‬والتمويل‭. ‬فاستمرار‭ ‬العمل‭ ‬بتشريعات‭ ‬قديمة‭ ‬وغياب‭ ‬قوانين‭ ‬ضامنة‭ ‬لحرية‭ ‬الصحافة‭ ‬وحق‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومة‭ ‬يدفعان‭ ‬الصحفيين‭ ‬إلى‭ ‬ممارسة‭ ‬رقابة‭ ‬ذاتية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الخوف،‭ ‬ويجعلان‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬لتجاوز‭ ‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬تتداخل‭ ‬فيها‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الأمنية‭ ‬والسياسية‭.‬

ويظل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬المعلومة‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬العوائق‭ ‬أمام‭ ‬فاعلية‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي،‭ ‬حيث‭ ‬يواجه‭ ‬الصحفي‭ ‬صمتًا‭ ‬رسميًا‭ ‬أو‭ ‬إجابات‭ ‬عامة‭ ‬ودبلوماسية‭ ‬تُفرغ‭ ‬السؤال‭ ‬من‭ ‬مضمونه،‭ ‬وتُبقي‭ ‬المساءلة‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬مغلقة‭. ‬أما‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬فقد‭ ‬فرضت‭ ‬واقعًا‭ ‬مزدوجًا؛‭ ‬فمن‭ ‬جهة‭ ‬كسرت‭ ‬احتكار‭ ‬المنابر‭ ‬وفتحت‭ ‬المجال‭ ‬لأسئلة‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مطروحة،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬أسهمت‭ ‬في‭ ‬شيوع‭ ‬أسئلة‭ ‬انفعالية‭ ‬سريعة،‭ ‬أضعفت‭ ‬المعايير‭ ‬المهنية‭ ‬وعمّقت‭ ‬الفجوة‭ ‬بين‭ ‬الجرأة‭ ‬والعمق‭.‬

المشهد‭ ‬الإقليمي‭ ‬للسؤال‭ ‬الصحفي‭..‬

‭ ‬تتقاطع‭ ‬أزمة‭ ‬‮«‬السؤال‭ ‬الصحفي‮»‬‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬مع‭ ‬سياق‭ ‬إقليمي‭ ‬يواجه‭ ‬تحديات‭ ‬هيكلية‭ ‬متباينة؛‭ ‬فبينما‭ ‬تحول‭ ‬السؤال‭ ‬في‭  ‬كل‭ ‬من‭ ‬تونس‭ ‬والجزائر،‭ ‬من‭ ‬أداة‭ ‬رقابية‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬مخاطرة‭ ‬قانونية‮»‬‭ ‬تعزز‭ ‬الرقابة‭ ‬الذاتية،‭ ‬يواجه‭ ‬في‭ ‬‮«‬‭ ‬مصر‮»‬‭ ‬جدار‭ ‬‮«‬الرواية‭ ‬الرسمية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬تحوله‭ ‬إلى‭ ‬إجراء‭ ‬بروتوكولي‭ ‬معد‭ ‬مسبقاً‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬المغرب،‭ ‬فتطغى‭ ‬الضغوط‭ ‬الاقتصادية‭ ‬على‭ ‬الجرأة‭ ‬المهنية،‭ ‬مما‭ ‬يغيب‭ ‬النقد‭ ‬تجاه‭ ‬المؤسسات‭ ‬الممولة،‭ ‬وهي‭ ‬تقاطعات‭ ‬تعكس‭ ‬ارتهان‭ ‬السؤال‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬بمعادلات‭ ‬الأمن،‭ ‬التمويل،‭ ‬والتبعية‭ ‬السياسية‭.‬

السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬بوصفه‭ ‬قاعدة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تجاوزها‭..‬

يرى‭ ‬الإعلامي‭ ‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬خالد‭ (‬التلفزيون‭ ‬العربي‭) ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬حاضرًا‭ ‬في‭ ‬صميم‭ ‬الحوارات‭ ‬الإذاعية‭ ‬والتلفزيونية‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها،‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬محتوى‭ ‬إعلامي‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ذا‭ ‬قيمة‭ ‬دون‭ ‬الارتكاز‭ ‬على‭ ‬الأسئلة‭ ‬الجوهرية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالحدث‭ ‬وسياقه‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬قوة‭ ‬السؤال،‭ ‬بحسب‭ ‬رأيه،‭ ‬تظل‭ ‬مرهونة‭ ‬بطبيعة‭ ‬القضايا‭ ‬المطروحة‭ ‬وحدود‭ ‬السياسة‭ ‬التحريرية‭ ‬التي‭ ‬تحكم‭ ‬المؤسسة‭ ‬الإعلامية‭.‬

ويتقاطع‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬مع‭ ‬رؤية‭ ‬الإعلامي‭ ‬منير‭ ‬الأشهب‭ (‬قناة‭ ‬العربية‭)‬،‭ ‬الذي‭ ‬يؤكد‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬للبرامج‭ ‬الجادة،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬السياسية‭ ‬والاقتصادية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬فعاليته‭ ‬تتراجع‭ ‬عندما‭ ‬يُفرغ‭ ‬من‭ ‬طابعه‭ ‬الاستكشافي،‭ ‬أو‭ ‬يُستبدل‭ ‬بأسئلة‭ ‬تقليدية‭ ‬لا‭ ‬تضيف‭ ‬معرفة‭ ‬حقيقية‭ ‬للمشاهد‭.‬

حرية‭ ‬السؤال‮…‬‭ ‬مساحة‭ ‬نظرية‭ ‬وواقع‭ ‬مُقيد‭..‬

من‭ ‬منظور‭ ‬ميداني،‭ ‬ترى‭ ‬الصحافية‭ ‬‮«‬صالحة‭ ‬هويدي‮»‬‭ (‬منصة‭ ‬الصباح‭ ‬الليبية‭) ‬أن‭ ‬الصحفي‭ ‬لا‭ ‬يمتلك‭ ‬دائمًا‭ ‬حرية‭ ‬حقيقية‭ ‬لطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬الجريئة،‭ ‬إذ‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تُفرض‭ ‬عليه‭ ‬قيود‭ ‬غير‭ ‬معلنة‭ ‬تحدد‭ ‬له‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬‮«‬مسموح‮»‬‭ ‬و‮«‬غير‭ ‬مسموح‮»‬‭. ‬وتشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هوس‭ ‬‮«‬الترند‮»‬‭  ‬والشهرة‭ ‬أسهم‭ ‬في‭ ‬إزاحة‭ ‬القضايا‭ ‬الجوهرية‭ ‬لصالح‭ ‬محتوى‭ ‬سطحي‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬هموم‭ ‬الناس‭ ‬الفعلية‭.‬

ويذهب‭ ‬الإعلامي‭ ‬‮«‬مصطفى‭ ‬أبو‭ ‬حميدة‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الخط‭ ‬التحريري‭ ‬والأيديولوجي‭ ‬لبعض‭ ‬القنوات‭ ‬يشكّل‭ ‬العائق‭ ‬الأكبر‭ ‬أمام‭ ‬الجرأة،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬الأسئلة‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬البرامج‭ ‬شكلية،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬بدت‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬مباشرة‭.‬

الإجابات‮…‬‭ ‬بين‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والتهرّب‭..‬

في‭ ‬تقييم‭ ‬طبيعة‭ ‬الإجابات،‭ ‬تجمع‭ ‬آراء‭ ‬المشاركين‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬المسؤولين‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬يلجؤون‭ ‬إلى‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬والمراوغة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬الحساسة‭. ‬وتشير‭ ‬صالحة‭ ‬هويدي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬المتابعة‭ ‬الجادة‭ ‬للسؤال‭ ‬يسمح‭ ‬للضيف‭ ‬بالالتفاف‭ ‬على‭ ‬جوهر‭ ‬القضية،‭ ‬فيما‭ ‬يرى‭ ‬‮«‬منير‭ ‬الأشهب‮»‬‭ ‬أن‭ ‬مهارة‭ ‬الصحفي‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬تفكيك‭ ‬هذه‭ ‬الإجابات‭ ‬وانتزاع‭ ‬مؤشرات‭ ‬الحقيقة‭ ‬منها،‭ ‬حتى‭ ‬إن‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬صريحة‭ ‬بالكامل‭.‬

الإعلام‭ ‬الرقمي‮…‬‭ ‬ضغط‭ ‬إضافي‭ ‬أم‭ ‬فرصة‭ ‬للمساءلة؟

ترى‭ ‬الصحافية‭ ‬‮«‬فائزة‭ ‬العجيلي‮»‬‭ (‬صحيفة‭ ‬فبراير‭) ‬أن‭ ‬الإعلام‭ ‬الرقمي‭ ‬فتح‭ ‬مساحات‭ ‬جديدة‭ ‬لطرح‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مُقصاة‭ ‬سابقًا،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬شجّع‭ ‬على‭ ‬السطحية‭ ‬والانفعال‭. ‬وبحسب‭ ‬رأيها،‭ ‬فإن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬المنصات‭ ‬ذاتها،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬كيفية‭ ‬توظيفها‭ ‬إما‭ ‬كأداة‭ ‬مساءلة‭ ‬ذكية،‭ ‬أو‭ ‬كمنصة‭ ‬ضجيج‭ ‬تُفرغ‭ ‬السؤال‭ ‬من‭ ‬مضمونه‭ ‬المهني‭.‬

ويؤكد‭ ‬‮«‬عبد‭ ‬الناصر‭ ‬خالد‭ ‬‮»‬‭ ‬أن‭ ‬البث‭ ‬المباشر‭ ‬وتفاعل‭ ‬الجمهور‭ ‬أسهما‭ ‬في‭ ‬تقوية‭ ‬بعض‭ ‬الأسئلة،‭ ‬لكنه‭ ‬يشير‭ ‬أيضًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬سرعة‭ ‬ردود‭ ‬الفعل‭ ‬فرضت‭ ‬على‭ ‬الصحفيين‭ ‬رقابة‭ ‬ذاتية‭ ‬إضافية‭.‬

مستقبل‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‮…‬‭ ‬أي‭ ‬اتجاه؟

يرى‭ ‬الإعلامي‭ ‬‮«‬رافع‭ ‬البكوش‭ ‬‮»‬‭ (‬قناة‭ ‬ليبيا‭ ‬الأحرار‭) ‬أن‭ ‬المشهد‭ ‬يتجه‭ ‬نحو‭ ‬محتوى‭ ‬سريع‭ ‬وأسئلة‭ ‬خفيفة‭ ‬تتماشى‭ ‬مع‭ ‬منطق‭ ‬“الترند”،‭ ‬ما‭ ‬يهدد‭ ‬بتراجع‭ ‬الأسئلة‭ ‬العميقة‭ ‬لصالح‭ ‬الشكل‭. ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬تؤكد‭ ‬فائزة‭ ‬العجيلي‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬سيحسم‭ ‬بين‭ ‬نموذجين‭ ‬لا‭ ‬ثالث‭ ‬لهما‭: ‬صحافة‭ ‬استقصائية‭ ‬مبنية‭ ‬على‭ ‬البيانات‭ ‬والتحقيق،‭ ‬أو‭ ‬صحافة‭ ‬تكتفي‭ ‬بإعادة‭ ‬تدوير‭ ‬المعلومات‭ ‬الجاهزة‭.‬

تنسجم‭ ‬هذه‭ ‬الرؤى‭ ‬مع‭ ‬طرح‭ ‬الصحافي‭ ‬‮«‬هشام‭ ‬حقية‮»‬،‭ ‬الذي‭ ‬يرى‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬جوهر‭ ‬المهنة‭ ‬نظريًا،‭ ‬لكنه‭ ‬تراجع‭ ‬عمليًا‭ ‬تحت‭ ‬ضغط‭ ‬المحتوى‭ ‬الجاهز‭ ‬وثقافة‭ ‬“الترند”،‭ ‬حيث‭ ‬باتت‭ ‬السرعة‭ ‬والتفاعل‭ ‬تُقدَّمان‭ ‬على‭ ‬العمق‭. ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإشكال‭ ‬لا‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬السؤال‭ ‬ذاته،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بيئة‭ ‬إعلامية‭ ‬لا‭ ‬تكافئ‭ ‬السؤال‭ ‬الجريء،‭ ‬وتفرض‭ ‬قيودًا‭ ‬سياسية‭ ‬ومؤسسية‭ ‬واقتصادية‭ ‬تدفع‭ ‬الصحافي‭ ‬إلى‭ ‬رقابة‭ ‬ذاتية‭ ‬تُفرغ‭ ‬الجرأة‭ ‬من‭ ‬مضمونها‭.‬

تكشف‭ ‬الآراء‭ ‬المهنية‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭ ‬لم‭ ‬يفقد‭ ‬مكانته،‭ ‬لكنه‭ ‬أصبح‭ ‬محكومًا‭ ‬بسياقات‭ ‬معقدة‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬السياسة،‭ ‬التمويل،‭ ‬وسرعة‭ ‬الإيقاع‭ ‬الإعلامي‭. ‬ويظل‭ ‬مستقبل‭ ‬السؤال‭ ‬مرتبطًا‭ ‬بوعي‭ ‬الصحفي‭ ‬وقدرته‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬السؤال‭ ‬من‭ ‬إجراء‭ ‬روتيني‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬مساءلة‭ ‬فعّالة،‭ ‬تكسر‭ ‬الصمت‭ ‬وتكشف‭ ‬ما‭ ‬يُراد‭ ‬له‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬دون‭ ‬تدقيق‭ ‬أو‭ ‬محاسبة‭.‬

ختاماً‭.‬‭.‬

‭ ‬تتطلب‭ ‬استعادة‭ ‬دور‭ ‬السؤال‭ ‬الصحفي‭  ‬ترسيخ‭ ‬دعائم‭ ‬العمل‭ ‬المهني،‭ ‬وتنويع‭ ‬مصادر‭ ‬تمويله‭ ‬لضمان‭ ‬استقلاليته،‭ ‬مع‭ ‬صقل‭ ‬مهارات‭ ‬الصحافيين‭ ‬في‭ ‬‮«‬الذكاء‭ ‬الحواري‮»‬‭ ‬والبيانات‭. ‬كما‭ ‬يجب‭ ‬تفعيل‭ ‬مواثيق‭ ‬الشرف‭ ‬النقابية‭ ‬لرفض‭ ‬الأسئلة‭ ‬الجاهزة،‭ ‬واستثمار‭ ‬الفضاء‭ ‬الرقمي‭ ‬كمنصة‭ ‬ضغط‭ ‬جماهيري‭ ‬تفرض‭ ‬القضايا‭ ‬المسكوت‭ ‬عنها‭ ‬وتكسر‭ ‬قيود‭ ‬الإعلام‭ ‬التقليدي‭.‬

Share this content: