×

الراحلة (حذامِ بن قدارة) وإعادة ترتيب ريادات المرأة الليبية

الراحلة (حذامِ بن قدارة) وإعادة ترتيب ريادات المرأة الليبية

يونس شعبان الفنادي
“حصري لمجلة الليبية”

صدر مؤخراً عن دار إمكان للطباعة والنشر والتوزيع بطرابلس كتابُ (الأعمالُ الكاملةُ للشاعرةِ الليبيةِ: حذامِ بن قدارة – فكيني) في حوالي ثلاثمائة وسبعين صفحة من الحجم الكبير، وهو لا يحتوي نصوصاً شعريةً قديمة لشاعرة ليبية راحلة فحسب، بل يمثل إضافة تاريخية ثرية قيّمة ومهمة للمشهد الوطني النسوي توثق مغامرة مبكرة للمرأة الليبية وقدراتها الإبداعية في خوض تجربة الكتابة الشعرية باللغة الانجليزية والالتحاق بالعمل الدبلوماسي وممارسة فنون الرسم التشكيلي، وبالتالي فإن القيمة التأريخية لهذا الكتاب تكمن في إعادته ترتيب تسلسل ريادات المرأة الليبية وتوثيقها من حيث قدمها وعراقتها الزمنية، كما يعكس إصداره في هذا الوقت مثابرة البحاث والدارسين والمهتمين بالشأن الليبي ومواصلة سعيهم وتنقيبهم ونبشهم للموروث الإبداعي من أجل الوصول إلى المزيد من الحقائق والشواهد الموثقة التي تنصف الرواد الذين ظلوا متوارين في الخفاء لعقود طويلة.

فالمشهد الشعري النسوي في ليبيا ظل لوقتٍ قريبٍ بل حتى السنتين الماضيتين يعتبر ديوان الشاعرة فوزية شلابي (في القَصِيدةِ التَّالِيَةِ أُحِبُّكَ بِصُعُوبةٍ) الصادر سنة 1984م هو أولُ ديوانٍ شعريٍّ ليبيٍّ تصدره شاعرةٌ ليبية، ولكن أبانت الدراسات البحثية في مجال الأدب والشعر في ليبيا أنَّ الشاعرة كوثر نجم التي أصدرت ديوانها الأول (فَجرٌ وغُيُوم) سنة 1965م والثاني (نِداءُ المعركة) سنة 1968م هي أول شاعرة ليبية تصدر ديواناً شعرياً يسبق ما أصدرته الشاعرة فوزية شلابي بحوالي عشرين سنة تقريباً.

أما هذا الإصدار الشعري الحديث الذي بين أيدينا الآن (الأعمالُ الكاملةُ للشاعرةِ الليبيةِ: حذامِ بن قدارة – فكيني) الصادر هذا العام 2026م فإنه يعيد مجدداً ترتيب وتأريخ هذه الريادة للكتابة الشعرية الليبية بتسلسلها المستحق، ويرجع بنا بعيداً لزمن أقدم وأعرق في كتابة المرأة الليبية للنصّ الشعري وإن كان باللغة الانجليزية، ليقدم لنا خمسة دواوين أصدرتها الشاعرة الليبية حذامِ بن قدارة (1931م-1988م) أصيلة مدينة زليتن المتحصلة سنة 1956م على درجة الماجستير في اللغات الشرقية من جامعة كامبريدج البريطانية مع مرتبة الشرف الأولى، تحتوي على 117 مائة وسبعة عشرة قصيدة شعرية موزعة على دواوينها الخمسة التالية: (أصداءٌ من الماضي Echoes from the Past) يضم 14 أربعة عشرة قصيدة و(أغنياتٌ وأناشيد Songs and Hymns) يضم 20 عشرين قصيدة الصادران سنة 1973م، و(الأسطورةُ الأبدية The Eternal Myth) الصادر سنة 1974م يضم 23 ثلاثة وعشرين قصيدة، و(الموجةُ الأرجوانية The Purple Wave) الصادر سنة 1976م يضم 25 خمسة وعشرين قصيدة، و(قصائدٌ صيفية Summer Poems) الصادر سنة 1977م يضم 37 سبعة وثلاثين قصيدة. وكانت هذه المجموعات الشعرية قد صدرت للراحلة حذامِ بن قدارة في العاصمة البريطانية عن دار النشر اللندنية «ريجنسي برس Regency Press) خلال سبعينيات القرن الماضي مجمعة تحت عنوان (The Collected Works of Hazami Gadara-Fekini)، وهي بذلك تكون من أول الأصوات الشعرية النسائية الليبية التي تكتب وتصدر قصائدها باللغة الانجليزية.

وقد اشتمل الإصدار الجديد للشاعرة الراحلة حذام بن قدارة (الأعمالُ الكاملةُ للشاعرةِ الليبيةِ: حذامِ بن قدارة – فكيني) على مقدمتين، الأولى كتبها الأستاذ الأديب حسين المزداوي بعنوان (الظروفُ التاريخيةُ لنشأةِ وتكوينِ الشاعرة والتشكيلية حذامِ بن قدارة «12 يونيو 1931-24 ديسمبر 1988») أشار في مستهلها إلى ولادة الفكرة وإصدار هذه المجموعة الكاملة فقال أنها انبثقت خلال أمسية رمضانية سنة 2025م ضمن برنامج «ليالي المدينة القديمة» أثناء تقديمه محاضرة في إحياء الذكرى المئوية لميلاد زوجها الدبلوماسي الراحل الدكتور محي الدين فكيني أحد رؤوساء الوزراء، والسفراء في عهد المملكة الليبية، وأوضح أن البيلوغرافية الليبية لم تسجل أي أثر توثيقي لهذه الشاعرة رغم إصدارها أولى مجموعاتها الشعرية سنة 1973م.
وتتبع الأستاذ المزداوي في مقدمته بعض محطات سيرة الشاعرة وأصولها العائلية ودور والدها الراحل منصور بن قدارة وجهوده في الحصول على استقلال ليبيا، وجدِّها لأمها السيد أحمد حلمي عبدالباقي رئيس وزراء عموم فلسطين ودوره في القضية الفلسطينية، كما تتبع بعض مراحل الشاعرة التعليمية والوظيفية حيث ذكر أنها نشأت في أسرة متعلمة فانخرطت مبكراً في جميع مراحله الدراسية حتى تخرجت سنة 1956م من جامعة كامبريدج البريطانية بمرتبة الشرف الأولى، وبالتالي فهي تعد من أوائل الخريجات الليبيات، وإثر ذلك تقلدت منصباً رفيعاً في أول بعثة ليبية بالأمم المتحدة بنيويورك في بداية ستينيات القرن الماضي.
ويختم الأستاذ حسين المزداوي مقدمته بالإشارة إلى خصوصية هذه الطبعة الجديدة ومحدودية نسخها والتي غايتها توثيق هذا الإرث الشعري المهم لشاعرة ليبية في المشهد الأدبي، والمحافظة عليه في الذاكرة الوطنية، ووجه شكره للسادة أنور علي فكيني، وفاضل الأمين فكيني، والشاعر محمد المزوغي صاحب دار إمكان للطباعة والنشر الذين أسهموا بجهودهم المختلفة وساعدوا في إنجاز وإصدار هذه الطبعة التي يقول عنها (في هذه الطبعة الجديدة لأعمالها الكاملة نكون قد أوقدنا شمعة طال بياتها، وإماطة اللثام عن شاعرةٍ ليبيةٍ بقيت تحت سدائل النسيان طيلة هذه العقود المضطربة.

 

أما الشاعر الدكتور سعدون إسماعيل السويح فيؤكد أهمية إصدار نصوص الشاعرة مجمعة في طبعة كاملة حيث يقول (إنّ ميزة قراءة كلِّ هذه المجموعة في مجلدٍ واحدٍ تكمنُ في أنّها تتيح للقاريء نظرةً بانوراميةً على الرؤية الشعرية والأسلوب والتقنية والتطور الذي شهدته الشاعرة.)، ويقدم في سياق ذلك قراءةً قصيرةً تشتمل تحليل بعض قصائد الشاعرة فنياً، مقتبساً سطوراً منها فيضمنها مقدمته ويستنتج بأنه (يغلب على أعمال الشاعرة كلِّها المحور المركزي للحُبّ، واحتفالها بالحياة، وتمجيد الجمال، واستخدام قوة الأسطورة للإلهام. تكثر في عناوين قصائدها التراتيل والأغاني والقصائد الغنائية، وتميل قصائدها لأن تكون غنائية إلى حد كبير، ولكن بمسحة رومانسية وإحساس عميق بالشغف بالجمال بجميع أشكاله.). وحول تأثير المكان في قصائد الشاعرة حذامِ بن قدارة يقول بأنه (لا تبعد أطلال مدينة لبدة الكبرى الرومانية كثيراً عن مدينة أسرة حذامِ، زليتن، وهي تقف شاهدةً على ماضٍ مجيد. وتصف الشاعرة لبدة بأنها «مدينةٌ نبيلةٌ خالدةٌ على الساحل الليبي»، وفي قصيدتها «أنشودةٌ إلى لبدة الكبرى» تبدو التماثيلُ الرخاميةُ، ورؤوسُ ميدوسا، والمنتدى الضخم، وبقايا النوافير، بل وحتى الأحجار، وكأنها تستعيد الحياة كجسد لرؤيتها الشعرية. وفي محاولتها لإحياء الأصداء من الماضي، تطرح الشاعرة أسئلة بلاغية، في المقطع الثاني من قصيدتها تأسر القاريء وتسحره من خلال تقنيتها في استخدام الأسئلة الاستفهامية البلاغية.)

وفي ختام مقدمته يعبّر الدكتور سعدون السويح عن امتنانه لصديقه الدكتور أنور علي فكيني الذي أهداه نسخة من الأعمال الشعرية الكاملة لقصائد زوجة عمه الشاعرة الراحلة حذامِ بن قدارة طالبا منه كتابة مقدمة حولها، ويقول (تستحق حذامِ أن تلقب ب»سافو الليبية للشعر الانجليزي» فمثل ملهمتها وربّةِ شعرها اليونانية، يتميزُ شعرُها بالجمال الغنائي، والموسيقى القافية والعواطف الجيّاشة، والصور الحية، وهي تستكشف مواضيع الحب والجمال، والصداقة، والولاء، والخيانة.)

إنّ كتاب (الأعمالُ الكاملة للشاعرة الليبية: حذامِ بن قدارة – فكيني) لا يكتفي بالأهمية التأريخية لمسيرة الراحلة حذامِ بن قدارة التي يوثقها في إعادة ترتيب الريادة الشعرية النسائية في ليبيا، ولا بالجماليات الفنية لمضامين قصائدها الشعرية، ولا بريادتها النسائية للعمل الدبلوماسي في ليبيا، ولا ريادتها بممارسة الفن التشكيلي النسائي في ليبيا فحسب، بل يتضمن 17 سبعة عشرة صورة فوتوغرافية للشاعرة حذامِ بن قدارة ألتقطت في مناسبات وأماكن مختلفة، تباينت بين أروقة جامعة كامبريدج مع زميلاتها، ومقعدها في الأمم المتحدة ومع زوجها الراحل الدكتور محي الدين فكيني، وإعلانٍ عن محاضرة تلقيها في الأمم المتحدة، ومستنسخ لمجلة (Arab World العالم العربي) في عددها يونيو/يوليو1961م يتضمن اختيارها ضمن خمس سيدات عربيات مميزات لنشاطها في مجال حقوق المرأة وإسهاماتها الثقافية المتعددة، وإضافة إلى كل ذلك يتضمن الكتاب 14 أربعة عشرة لوحة فنية تشكيلية رسمتها شاعرتنا الفنانة بخطوط وألوان زاهية تنتمي لجماليات الكون والحياة فجاءت دلالاتها البصرية لتتقاطع مع روح نصوصها الشعرية التأملية والرمزية المتأثرة بالأسطورة والنوستالجيا وتبرز موهبة حقيقية في مجال الفن التشكيلي.

 

لا شك أن الجهود التي قام بها كلٌّ من الشاعر الكبير محمد المزوغي ولمساته الفنية في إخراج الكتاب وحرصه على طباعته وإظهاره بجاذبية مضمونه الشعري وشكله الجمالي الخارجي، بالتعاون مع الأديب المثابر حسين المزداوي المعروف بسعيه الدؤوب ودراساته البحثية الجادة، وتنقيبه الدقيق، وتواصله المباشر مع أفراد عائلة فكيني، وكذلك بصمة الدكتور سعدون السويح المتجلية في قراءته العميقة للنصوص الانجليزية للشاعرة وفتح بعض مغاليقها الرمزية الأسطورية، كلها جهود نبيلة قدمت إثراء وإسهاماً مهماً للمشهد الشعري الليبي وسجلت به بصمة فارقة ستظل صفحة مضيئة في تاريخنا الوطني، وبالتالي فلابد من تقديم الشكر كل الشكر لهم جميعاً، لأن عملهم المشترك يبرهن بأنَّ الليبيين بتعاونهم المخلص قادرون على تقديم الجديد على الدوام وإنصاف المبدعين وإن طال الزمن.

 

 

 

Share this content: