الإنتباه : حين ندفع أعمارنا ثمناً للتصفح
<< رزان نعيم المغربي
كنا نظن لوقت طويل أن الشاشة مجرد نافذة نطلُّ منها للمعرفة والاستكشاف، لنكتشف متأخرين أنها لم تكن نافذةً قط، بل مرآة ذكية تعيد إلينا رغباتنا. كلما همسنا بكلمة في اتصال هاتفي، أو حتى فكرنا في أمر ما، قفزت أمامنا الإعلانات والمقترحات المتعلقة به بدقة تثير الريبة. هنا يتبادر إلى أذهاننا السؤال القلِق: «هل يتجسسون علينا؟».
الحقيقة أعقد من ذلك؛ نحن نعيش تحولاً جذرياً في مفهوم الاقتصاد. لم يعد الأمر مقتصراً على تداول السلع والأموال، بل انتقل إلى ما يُعرف بـ»اقتصاد الانتباه». في هذا السوق الخفي، العملة هي «أنت»: وقتك، تركيزك، ونظرة عينيك. لقد تحول انتباهنا البشري المحدود إلى مورد نادر وسلعة تتنافس عليها المنصات.
تعمل هذه المنصات كوسطاء في «مزاد» مستمر. كل نقرة، وكل توقف لإبهامك أثناء التمرير، هو بيانات خام تُحلل لتتحول إلى «توقعات» لسلوكك القادم. هذا ما أسمته الباحثة «شوشانا زوبوف» بـرأسمالية المراقبة
؛ نظام لا يكتفي بفهم رغباتنا، بل يسعى لتوجيهها، ودفعنا برفق نحو خيارات تخدم مصالح المعلنين، موهماً إيانا بأننا أصحاب القرار.
الخدعة تكمن في «الإغراء» وتقليص المسافة بين الرغبة وتحقيقها. لقد صدق الاقتصادي «هربرت سايمون» حين حذر قبل عقود من أن «وفرة المعلومات تعني فقر الانتباه». اليوم، نعيش هذا الفقر واقعاً؛ نهرع إلى هواتفنا في كل دقيقة فراغ، وكأننا في حالة إدمان تعيد تشكيل علاقتنا بالزمن وبالآخرين .
المعركة اليوم ليست تجارية فحسب، بل هي صراع خفي على الوعي. صراع على مَن يملك حق تشكيل أفكارك: هل هو أنت، أم الخوارزمية؟ لقد أصبح انتباهنا ساحة مفتوحة للاستثمار، أما استعادته، والقدرة على رفع أعيننا عن الشاشة لنرى العالم الحقيقي، فهذا هو خيارنا الصعب، وربما فرصتنا الوحيدة للنجاة.
Share this content: