الرواية في تونس وتألق المبدعات الليبيات
شهدت قاعة صوفية قلي) بمدينة الثقافة “الشاذلي القليبي” في تونس فعاليات ندوة الرواية الليبية التي نظمها “بيت الرواية” بوزارة الشؤون الثقافية التونسية تحت شعار (الرواية الليبية: مسارات التأصيل والتأويل والتأكيد) خلال يومي 27 و28 مارس الماضي، بالتعاون مع اللجنة الوطنية الليبية للتربية والعلوم والثقافة ومسرح الأوبرا بتونس.
<< يونس شعبان الفنادي
وقد افتتح الندوة التي نشطها الإعلامي «سفيان العرفاوي »الدكتور «يونس السلطاني» مدير “بيت الرواية” بكلمة رحب فيها بالمشاركين والحضور وشكر وزيرة الثقافة التونسية السيدة «أمينة الصرارفي» على حرصها ومتابعتها تنظيم هذه الندوة شاكراً جميع الجهات الداعمة والمتعاونة على رأسها اللجنة الوطنية الليبية للتربية والثقافة والعلوم ورئيسها السيد «وسام عبدالكبير الطاهر» ومسرح الأوبرا ومديره العام السيد سيف الله الطرشوني. وأوضح الدكتور «يونس السلطاني» في كلمته أن الندوة الفكرية حول الرواية الليبية (تقف عند خصائص الرواية الليبية اعتباراً للتحولات الكبيرة التي شهدتها المدونة السردية الليبية منذ نشأتها إلى اليوم.) وأضاف بأن (اختيارنا لهذه التيمة أو الموضوع “الرواية الليبية: التأصيل والتأويل والتوكيد” جاء باعتبار الاجماع الحاصل لدى عديد النقاد بكون الرواية الليبية عرفت مسارات متنوعة وقد باتت في العقود الأخيرة تمثل حالة إبداعية مقاومة بفضل الحوار الدائم بين الاتجاهات كافةً.
أما معالي وزيرة الشؤون الثقافية السيدة «أمينة الصرارفي» فقد أنابت الدكتور«توفيق قريرة» مدير عام معهد تونس للترجمة لتقديم كلمتها التي رحبت في مستهلها بالمشاركين وتوجهت بالشكر لجميع الكوادر التنظيمية والمشاركين من القطرين الشقيقين في هذه الندوة وقالت (إن هذه التظاهرة الثقافية لا تقتصر أهميتها على بُعدها العلمي والثقافي الأكاديمي، بل تتجاوز ذلك لتكون فعلاً من أفعال التضامن الثقافي المغاربي، وتجسيداً حيّاً لوحدة الهم الإبداعي بين تونس وليبيا، ولإيمان المثقفين أبناء الحي الواحد، وجيران البيت، بأن الثقافة تجمع، وحين تجمع تغرس في الوجدان الجمعي قيمة الامتداد المؤسس لهوية أوسع من هوية القطر الواحد.) وأضافت الوزيرة (لا يفوتنا في وزارة الشؤون الثقافية أن نحي بحرارة كل القائمين على تنظيم هذه الندوة، من باحثين وأكاديميين ومبدعين، وأن نثمن الجهود التي بذلها الشركاء في اللجنة الوطنية الليبية للتربية والثقافة والعلوم، من أجل تعزيز العلاقات الثقافية بين البلدين الشقيقين(

الجلسة العلمية الأولى بعنوان )الرواية الليبية: مداخل مفاهيمية)
بإدارة الدكتورة «فاطمة الحاجي » استهلتها بورقتها حول (ملامح نقد الرواية في ليبيا وشارك في الجلسة
كلٌّ من الروائي والكاتب الكبير الأستاذ «منصور بوشناف» بورقته (سردياتُ المنفى الليبي) وأستاذ الأدب والنقد في جامعة ليون بفرنسا الدكتور« لمجد بن رمضان» بورقته (تحولات الخطاب الروائي في ليبيا المعاصرة: دراسة في استراتيجيات الكتابة عند غالية يونس الذرعاني) وكانت آخر الورقات للأستاذة «حكمت المختار» وهي كاتبة ليبية تقيم في الشقيقة تونس واختارت التحدث حول موضوع (العلاقة بين الرواية الليبية والرواية العربية المعاصرة). وإثر الانتهاء من عرض الورقات بدأت الأسئلة والحوارات والمناقشات حولها
الجلسة العلمية الثانية بعنوان) خصوصية الرواية الليبية)
برئاسة الأستاذ« يونس شعبان الفنادي »حيث استهلها بعرض ورقته التي تتبع فيها مسيرة الرواية الليبية (إشكاليات وإنجازات الرواية الليبية: المساهمة النسائية نموذجاً) استعرضت بعده أستاذة الأدب العربي والنقد بجامعة سوسة الدكتورة «أسماء محمد السبوعي» ورقتها (التجريب وهواجس الكتابة الروائية النسائية الليبية: رواية “رجل لرواية واحدة” للأديبة فوزية شلابي)، واختتمت الجلسة بورقة أخيرة لأستاذة الأدب والنقد بجامعة سبها «حليمة أحمد امبيص » (تقنيات الوصف في رواية “التابوت” لعبدالله الغزال)
صباح اليوم الثاني تواصلت الندوة بانطلاق
الجلسة العلمية الثالثة تحت عنوان) مباحث في الرواية الليبية)
أدارتها الدكتورة «سامية الدريردي » مديرة مدرسة الدكتوراة بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس وعرضت ورقتها (ما قاله الصمت في رواية “النصّ الناقص” للأديبة عائشة الأصفر) تلتها أستاذة الأدب والنقد بجامعة صبراته «رقية محمد سعيد» بورقتها (ثيمة الثقافة في الرواية الليبية المعاصرة: قراءة سوسيو ثقافية في روايات نجوى بن شتوان) وبعدها قدمت الروائية التونسية «فاطمة بن محمود» ورقتها (الحبُّ في مواجهة الواقع: رواية “صراخ الطابق السفلي” للروائية الليبية فاطمة الحاجي أنموذجاً)، وأختتمت الجلسة بورقة الإعلامي الشاعر والروائي الأستاذ «طارق القزيري» (ما بين الطاولة والعتبة: هندسة الطاعة واقتصاد السمعة: قراءة في رواية “خبز على طاولة الخال ميلاد” لمحمد النعاس)،

وفي المساء جاءت جلسة اليوم الختامي بعنوان (نماذجٌ من الرواية الليبية)
قامت بإدارتها الأستاذة «نواّرة محمد عقيلة» عضو هيئة التدريس بجامعة سبها حيث استعرضت في مستهله ورقتها (الإسم العلم في الرواية الليبية من التعيين إلى التأويل: رواية “من أنت أيها الملاك” لإبراهيم الكوني نموذجاً) ثم تلتها ورقة الروائي التونسي «عثمان لطرش قصراني» (إيكولوجيا الرواية الليبية بين المرجعي والمتخيل الأسطوري: رواية “حرب الغزالة” للكاتبة عائشة إبراهيم أنموذجاً) وبعدها ورقة الروائية الدكتورة «إلهام بوصفارة» أستاذة اللغة والحضارة بكلية الآداب بسوسة (الجسد والسياسة والمقدس: جرأة المكاشفة في رواية “للجوع وجوه أخرى” لوفاء البوعيسي.
وبنهاية هذه الجلسة اختتمت ندوة (الرواية الليبية: مسارات التأصيل والتأويل والتأكيد) وألقى الدكتور «يونس السلطاني » مدير “بيت الرواية” كلمة شكر فيها جميع المشاركين والمنظمين، وقام بتكريمهم وتوزيع شهادات التقدير ومجسمات تذكارية فضية
عليهم، وتسليمهم نسخة من الكتاب الذي أصدره “بيت الرواية”
قدمت خلال ندوة (الرواية الليبية: مسارات التأصيل والتأويل والتأكيد) أربعة عشرة ورقة بحثية نقدية حول الرواية الليبية تناولت أعمال وروايات ثمانية من المبدعات الروائيات الليبيات هن: «مرضية النعاس»، فوزية شلابي، عائشة الأصفر، عائشة إبراهيم، غالية الذرعاني، نجوى بن شتوان، وفاء البوعيسي، فاطمة الحاجي، وبحضور خمس باحثات ليبيات هن: «فاطمة الحاجي»، رقية محمد سعيد، حكمت المختار، حليمة أحمد امبيص،« نوارة محمد عقيلة»، وهو ما يؤكد قدرات المرأة الليبية الإبداعية وإسهامها في المجال الروائي والنقدي والتي أعطت انطباعات طيبة عنها.
بعض الانطباعات حول الندوة :

١)الشاعرة التونسية فائزة بن مسعود:
ندوة الرواية الليبية في تونس هي ليست فقط احتفاء بالرواية الليبية إنها اختبار لقدرتها على الخروج من هامش التلقي إلى مركز التفكير، وعلى تحويل التجربة الليبية من مادة خبرية إلى مادة تأويلية عميقة. وأهميتها الحقيقية تكمن في تفكيك الصورة النمطية: ليبيا ليست فقط عنوان أزمة بل فضاء سردي غنيّ بالتشظي وهذا التشظي ذاته هو مادة أدبية خام. وفي تونس- يكتسب الحدث بُعداً إضافياً – فهو يضع المشهد الثقافي التونسي أمام مرآة قريبة تجبره على إعادة طرح أسئلته الخاصة حول (الحرية/والكتابة/وحدود الالتزام.
2 )الناقدة التونسية/ جليلة المازني
أما الكاتبة والناقدة التونسية جليلة المازني فتقول (لقد تراوحت المداخلات الفكرية الأدبية طيلة اليومين بين روائيين ونقاد من ليبيا وتونس، ولئن راهنت الناقدة «فاطمة بن محمود» على الجمع بين الجانب الوجداني والواقعي في ورقتها النقدية وهي بذلك تجعل الرواية تتجاوز مجرد السرد إلى بعث روح الوجدان فيها فيحدث التفاعل بين الشخصية والمجتمع، فإن الناقد« يونس الفنادي» قد راهن على الارتقاء بالرواية الليبية في تحوّلاتها إلى مشهد أدبي وعالمي. ولعل الناقديْن من خلال مداخلتيهما يرتقيان بالرواية التونسية والليبية الى العالمية في تقاطع مع الروائيّ الروسي «فيودور دوستويفسكي» الذي جمع بين الواقعية والغوص في التحليل النفسي لشخصياته في روايتي “الجريمة والعقاب” و”الأخوة كرامازوف”.
3)الكاتبة الباحثةالتونسية «حياة الحاج خليل»
أصيلة مدينة المهدية وأستاذة اللغة الفرنسية لمدة ثلاثة وثلاثين سنة تصف حضورها الندوة فتقول (غصتُ في جذور التّأصيل بحثاً عن مميّزات الهويّة اللّيبية فوجدتُ بصماتٍ مختلفةً ومتميزةً منحوتةً على ريشات رهيفة الحسّ تجتمع لتكوّن جناحاً يتّحد في اتّزان مع جناح الرّيشات التّونسية.
فإذ بموسيقى الخلاص والانتعاش والحوار والنّقد والتّحليل والدّراسة تعمّ قاعة “صوفية القلي”، وإذ بالنّدوة عرساً للرّواية، وإذ بالكلمات المفاتيح تلج الرّوح لتُسكن: حريّةً وأخلاقاً وكفاحاً ضدّ الجوع والاستعباد من أجل الأرض… حبلى ثمّ حاضنة. ربما يبقى الحلم أحد مقوّمات الرّواية ولذلك ينتهج العديد من الكُتّاب هذا الجنس الأدبي…
4) الأستاذة التونسية « أسماء السبوعي » ..
أما الدكتورة أسماء محمد السبوعي أستاذة الأدب والنقد بكلية الآداب بسوسة فاعتبرت أن ندوة الرواية الليبية في تونس هي جسر ثقافي بين ضفتين، ومساءلة نقدية للمشهدين الليبي والتونسي، تبرز الدور المتنامي للرواية بوصفها أداة للتقريب بين الشعوب، حيث تتجاوز حدود اللغة الجمالية لتغدو وسيلة لفهم التحولات الاجتماعية والسياسية، وفي السياق الليبي التونسي، تكتسب الرواية أهمية خاصة، نظراً لما يجمع البلدين من امتداد تاريخي وجغرافي وثقافي. تميزت الندوة بحضور ليبي لافت يجمع بين المبدعين والنقاد، وهو ما يمنحها توازناً معرفياً بين الانتاج والتأويل. ففي هذا السياق، يمثل حضور مبدعين مثل الكاتب منصور بوشناف قيمةً رمزية ومعرفيةً لما يحمله من تجربة راسخة في كتابة المنفى والهوية. كما يضطلع النقاد، ومنهم يونس الفنادي، بدور أساسي في تفكيك البنية السردية وتحليل التحولات التي تشهدها الرواية الليبية. ولا يقل حضور المبدعات أهمية، أمثال د. « فاطمة الحاجي » من ليبيا و«فاطمة بن محمود» من تونس، إذ يعكس تنامي الكتابة النسائية عامةً وفي ليبيا خاصةً، بما تطرحه من قضايا تتصل بالذات والهوية والجسد وبما تقدمه من مقاربات تجريبية تسهم في تجديد الخطاب الروائي) .
Share this content: