×

جامع العوالم

جامع العوالم

<<  عطية صالح الأوجلي 

  جامع العوالم

  كان‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2008‭. ‬فتحت‭ ‬باب‭ ‬البيت،‭ ‬فإذا‭ ‬بصديقي‭ ‬أحمد‭ ‬يقف‭ ‬أمامي،‭ ‬يمد‭ ‬يده‭ ‬بشيء‭ ‬ويبتسم‭ ‬قائلاً‭: ‬‮«‬سيأسرك‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‮»‬‭. ‬تناولته‭ ‬بلهفة‭.‬‭ ‬الاسم‭ ‬غريب‭ ‬بعض‭ ‬الشيء،‭ ‬والمؤلف‭ ‬مجهول‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭. ‬لكني‭ ‬ما‭ ‬لبثت‭ ‬أن‭ ‬اكتشفت‭ ‬أن‭ ‬تلك‭ ‬اللحظة‭ ‬كانت‭ ‬بمثابة‭       ‬تَلَقّي‭ ‬بطاقة‭ ‬دعوة‭ ‬حقيقية‭ ‬للولوج‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬غريبة‭ ‬وساحرة،‭ ‬مثيرة‭ ‬وواقعية‭ ‬في‭ ‬آن‭ ‬واحد‭.‬.‬

   الروائي‭ ‬الذي‭ ‬عاش‭ ‬كبطله

  الكاتب‭ ‬هو‭ ‬‮«‬إيليا‭ ‬ترويانوف‮»‬،‭ ‬روائي‭ ‬بلغاري‭ ‬المولد‭ ‬ألماني‭ ‬اللغة‭. ‬وُلد‭ ‬في‭ ‬بلغاريا،‭ ‬ثم‭ ‬هربت‭ ‬أسرته‭ ‬إلى‭ ‬ألمانيا‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬اللجوء‭ ‬السياسي،‭ ‬وبعدها‭ ‬رحلت‭ ‬العائلة‭ ‬إلى‭ ‬كينيا‭. ‬عاد‭ ‬ترويانوف‭ ‬لاحقاً‭ ‬إلى‭ ‬ألمانيا‭ ‬لدراسة‭ ‬الحقوق‭ ‬والإثنولوجيا‭ (‬علم‭ ‬الأجناس‭ ‬البشرية‭) ‬في‭ ‬ميونخ‭.     ‬قضى‭ ‬بعدها‭ ‬عدة‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬حياته‭ ‬في‭ ‬الهند‭ ‬وجنوب‭ ‬أفريقيا،‭ ‬وكتب‭ ‬رواياته‭ ‬باللغة‭ ‬الألمانية،‭ ‬رغم‭ ‬إجادته‭ ‬اللغة‭ ‬الإنجليزية‭ ‬وكتابته‭ ‬للشعر‭ ‬بها‭.. ‬هذا‭ ‬التنقل‭ ‬المبكر،‭ ‬وهذا‭ ‬الاهتمام‭ ‬العميق‭ ‬بالإثنولوجيا،‭ ‬جعله‭ ‬مؤهلاً‭ ‬بشكل‭ ‬فريد‭ ‬لسبر‭ ‬أغوار‭ ‬شخصية‭ ‬استثنائية‭ ‬مثل‭ ‬ريتشارد‭   ‬برتون‭. ‬إنه‭ ‬كاتب‭ ‬من‭ ‬خارج‭ ‬محيط‭ ‬الرواية،‭ ‬لا‭ ‬ينتمي‭ ‬جغرافيا‭ ‬ولا‭ ‬زمانياً‭ ‬ولا‭ ‬لغوياً‭ ‬إلى‭ ‬مسرح‭ ‬أحداثها‭. ‬لكن‭ ‬شخصية‭ ‬بطله‭ ‬أسرته،‭ ‬فتتبعها‭ ‬وعاش‭ ‬معها‭ ‬في‭ ‬صفحات‭ ‬التاريخ،‭ ‬وتجول‭ ‬معها‭ – ‬كما‭ ‬يقول‭ – ‬في‭ ‬متاهة‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭ ‬لها‭ ‬من‭ ‬العلم‭ ‬والخبرات‭. ‬هناك‭ ‬التقط‭ ‬عناصر‭ ‬منفردة‭   ‬استطاع‭ ‬أن‭ ‬ينسج‭ ‬منها‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬عملاً‭ ‬إبداعياً‭ ‬جميلاً‭.‬

 بطل‭ ‬الرواية‭: ‬ريتشارد‭ ‬فرانسيس‭ ‬برتون

 بطل‭ ‬الرواية‭ ‬هو‭ ‬السير‭ ‬ريتشارد‭ ‬فرانسيس‭ ‬برتون،‭ ‬شخصية‭ ‬تاريخية‭ ‬فريدة‭ ‬جمعت‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الصفات‭ ‬المتناقضة‭. ‬فهو‭ ‬ضابط‭ ‬ومحارب،‭ ‬كاتب‭ ‬ومترجم،‭ ‬رحالة‭ ‬وشاعر،‭ ‬ومستكشف‭ ‬جغرافي‭. ‬وُلد‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬عام‭ ‬1820‭ ‬ومات‭ ‬فيها‭ ‬في‭ ‬أكتوبر‭ ‬1890‭. ‬تتابع‭ ‬الرواية‭ ‬تفاصيل‭ ‬حياته‭   ‬وتبرز‭ ‬مفاصلها‭ ‬بحبكة‭ ‬متقنة‭ ‬تجعلك‭ ‬تعيش‭ ‬عوالم‭ ‬من‭ ‬الخيال‭ ‬والواقع‭ ‬متداخلة‭.‬

  النشأة‭ ‬والتكوين

  وُلد‭ ‬ريتشارد‭ ‬برتون‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬توركي‭ ‬بجنوب‭ ‬بريطانيا‭ ‬لأسرة‭ ‬يعمل‭ ‬عائلها‭ ‬ضابطاً‭ ‬في‭ ‬جيش‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬البريطانية‭. ‬هذا‭ ‬جعله‭ ‬يتنقل‭ ‬من‭ ‬بلد‭ ‬إلى‭ ‬آخر،‭ ‬وبالتالي‭ ‬تعرض‭ ‬مبكراً‭ ‬لعوالم‭ ‬ثقافية‭ ‬وحقائق‭ ‬جغرافية‭ ‬مختلفة‭ ‬ومتنوعة،‭ ‬وأحياناً‭ – ‬وبشكل‭ ‬صارخ‭ – ‬متناقضة‭. ‬انتقلت‭     ‬العائلة‭ ‬إلى‭ ‬فرنسا‭ ‬عام‭ ‬1825،‭ ‬حيث‭ ‬التحق‭ ‬بالمدرسة‭ ‬وأبدى‭ ‬ميولاً‭ ‬مبكرة‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬والرسم‭ ‬وعشق‭ ‬اللغات‭. ‬تعلم‭ ‬الفرنسية‭ ‬والإيطالية‭ ‬واللاتينية‭.. ‬لم‭ ‬يطل‭ ‬بقاؤه‭ ‬في‭ ‬المدرسة‭ ‬بسبب‭ ‬شخصيته‭ ‬المتمردة‭. ‬فالتحق‭ ‬لاحقاً‭ ‬بالجيش،‭ ‬وذهب‭ ‬إلى‭ ‬أفغانستان،‭ ‬ثم‭ ‬انتقل‭ ‬إلى‭   ‬الهند‭ ‬حيث‭ ‬عمل‭ ‬ضابط‭ ‬استخبارات‭ ‬لمدة‭ ‬سبع‭ ‬سنوات‭. ‬هناك‭ ‬انكب‭ ‬على‭ ‬تعلم‭ ‬اللغات،‭ ‬فأصبح‭ ‬بارعاً‭ ‬في‭ ‬التحدث‭ ‬بالعربية‭ ‬والفارسية،‭ ‬وتعلم‭ ‬أيضاً‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬لغات‭ ‬الهند‭.‬

  رحلات‭ ‬برتون‭ ‬الثلاث

تقسم‭ ‬الرواية‭ ‬حياة‭ ‬برتون‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬أجزاء،‭ ‬كل‭ ‬منها‭ ‬يُروى‭ ‬بمنظور‭ ‬مختلف‭:‬

الجزء‭ ‬الأول‭: ‬الهند‭) ‬بعيون‭ ‬الخادم)

هذا‭ ‬الجزء‭ ‬مخصص‭ ‬للسنين‭ ‬التي‭ ‬قضاها‭ ‬في‭ ‬شبه‭ ‬القارة‭ ‬الهندية،‭ ‬ويسرده‭ ‬خادم‭ ‬برتون‭. ‬هنا‭ ‬نرى‭ ‬برتون‭ ‬يجوب‭ ‬الأسواق،‭ ‬يتعلم‭ ‬اللغات،‭ ‬ويذوب‭ ‬بين‭ ‬الناس‭. ‬نعيش‭ ‬معه‭ ‬صخب‭ ‬الحياة‭ ‬الهندية،‭ ‬بتناقضاتها‭ ‬وألوانها‭ ‬وطقوسها‭.‬

  الجزء‭ ‬الثاني‭: ‬رحلة‭ ‬الحج( بعيون‭ ‬برتون)

كانت‭ ‬أخطر‭ ‬المهام‭ ‬التي‭ ‬كلف‭ ‬بها‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬1853‭ ‬هي‭ ‬الذهاب‭ ‬إلى‭ ‬مكة‭ ‬المكرمة‭ ‬والمدينة‭ ‬المنورة‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬حج،‭ ‬متنكراً‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬مسلم‭. ‬ذهب‭ ‬برتون‭ ‬إلى‭ ‬مصر

حيث‭ ‬بقي‭ ‬عاماً‭ ‬كاملاً‭ ‬يتعلم‭ ‬بدقة‭ ‬شديدة‭ ‬كيف‭ ‬يعيش‭ ‬كمسلم،‭ ‬كيف‭ ‬يفكر‭ ‬ويأكل‭ ‬ويصلي،‭ ‬ويمارس‭ ‬كافة‭ ‬جوانب‭ ‬الحياة‭. ‬قدرته‭ ‬الفائقة‭ ‬على‭ ‬التقاط‭ ‬التفاصيل،‭ ‬وإرادته‭ ‬الفولاذية،‭ ‬مكنته‭ ‬في‭ ‬النهاية‭ ‬من‭ ‬الانضمام‭ ‬إلى‭ ‬قافلة‭ ‬الحجاج‭ ‬متخفياً‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬تاجر‭ ‬أفغاني‭.‬

دوّن‭ ‬في‭ ‬رحلته‭ ‬تفاصيل‭ ‬دقيقة‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬وعاداتهم،‭ ‬علاقاتهم،‭ ‬ميولهم‭ ‬السياسية‭ ‬وعواطفهم‭ ‬الدينية،‭ ‬أعيادهم‭ ‬وطقوسهم،‭ ‬وآدابهم‭ ‬الاجتماعية‭. ‬كما‭ ‬عزز‭ ‬كتاباته‭ ‬برسومات‭ ‬من‭ ‬صنعه‭.‬

  الجزء‭ ‬الثالث‭: ‬أفريقيا‭) ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الروايتين)

في‭ ‬عام‭ ‬1857،‭ ‬قام‭ ‬السير‭ ‬برتون‭ ‬برحلة‭ ‬في‭ ‬أفريقيا‭ ‬لمعرفة‭ ‬منبع‭ ‬نهر‭ ‬النيل،‭ ‬وهو‭ ‬الحلم‭ ‬الذي‭ ‬طالما‭ ‬راود‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬المكتشفين‭ ‬والرحالة‭ ‬الأوروبيين‭. ‬لكن‭ ‬مصاعب‭ ‬الرحلة‭ ‬والمرض‭ ‬لم‭ ‬يمكناه‭ ‬من‭ ‬تحقيق‭ ‬حلمه،‭ ‬فوصل‭ ‬إلى‭ ‬بحيرة‭ ‬تنجانيقا،‭ ‬وكان‭ ‬أول‭ ‬أوروبي‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬يصل‭ ‬إليها‭. ‬هذا‭ ‬الجزء‭ ‬يمزج‭ ‬بين‭ ‬كتابات‭ ‬برتون‭ ‬وحكايات‭ ‬خادمه‭.‬

   إرث‭ ‬برتون‭ ‬الأدبي

كتب‭ ‬برتون‭ ‬عشرات‭ ‬الكتب‭ ‬بين‭ ‬يوميات‭ ‬ودراسات،‭ ‬وقام‭ ‬بترجمة‭ ‬ثلاثين‭ ‬كتاباً‭ ‬من‭ ‬لغات‭ ‬شتى‭ ‬إلى‭ ‬الإنجليزية‭. ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬أعماله‭:‬

‭ ‬‮«‬الحج‭ ‬إلى‭ ‬المدينة‭ ‬ومكة‮»‬‭ (‬1855-1856‭): ‬سجل‭ ‬فيه‭ ‬انطباعاته‭ ‬الشخصية‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬المسلمين‭ ‬ومناسك‭ ‬الحج‭.‬

‭ ‬‮«‬خفايا‭ ‬الحياة‭ ‬في‭ ‬سورية‮»‬‭ (‬1875‭).‬

‭ ‬أشهر‭ ‬أعماله‭ ‬على‭ ‬الإطلاق‭: ‬ترجمته‭ ‬لكتاب‭ ‬‮«‬ألف‭ ‬ليلة‭ ‬وليلة‮»‬،‭ ‬والتي‭ ‬جلبت‭ ‬له‭ ‬شهرة‭ ‬واسعة‭ ‬في‭ ‬الأوساط‭ ‬الأدبية‭.‬

على‭ ‬أبواب‭ ‬السبعين‭ ‬من‭ ‬عمره،‭ ‬فارق‭ ‬برتون‭ ‬الحياة‭ ‬عام‭ ‬1890،‭ ‬مخلفاً‭ ‬وراءه‭ ‬سيرته‭ ‬العجيبة‭ ‬ومغامراته‭ ‬المثيرة‭. ‬دُفن‭ ‬في‭ ‬قبر‭ ‬على‭ ‬هيئة‭ ‬خيمة‭ ‬بدوية،‭ ‬وكأنه‭ ‬حتى‭ ‬في‭ ‬موته‭ ‬أراد‭ ‬أن‭ ‬يبقى‭ ‬ممسكاً‭ ‬برمز‭ ‬الترحال‭ ‬والصحراء‭.‬

الرواية‭ ‬عمل‭ ‬فني‭ ‬رائع،‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬سيرة‭ ‬إنسان‭ ‬مغامر‭ ‬مع‭ ‬مخططات‭ ‬ورغبات‭ ‬إمبراطورية،‭ ‬لتتقابل‭ ‬مع‭ ‬أقدار‭ ‬شعوب‭ ‬دفعت‭ ‬ثمن‭ ‬عزلتها‭ ‬وضعفها‭. ‬نجح‭ ‬المؤلف‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬ينقل‭ ‬القارئ‭ ‬إلى‭ ‬عوالم‭ ‬مختلفة‭ ‬بشخوصها‭ ‬الغريبة‭ ‬المتناقضة‭ ‬وصراعاتها‭. ‬تعيش‭ ‬صخب‭ ‬الأسواق،‭ ‬صفقات‭ ‬التجارة،‭ ‬مكر‭ ‬السياسة،‭ ‬وبؤس‭ ‬العوالم‭ ‬السفلى‭.‬

الرواية‭ ‬غنية‭ ‬بالتفاصيل،‭ ‬متقنة‭ ‬السرد‭ ‬والحبك،‭ ‬وتمتاز‭ ‬بلغة‭ ‬شاعرية‭. ‬إنها‭ ‬تثير‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬التساؤلات‭:‬

حول‭ ‬الشخصيات‭ ‬المغامرة‭ ‬المتمردة‭.‬

حول‭ ‬تحديات‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬ثقافات‭ ‬مختلفة‭.‬

حول‭ ‬قدرة‭ ‬الدول‭ ‬القوية‭ ‬على‭ ‬اختراق‭ ‬المجتمعات‭ ‬الضعيفة‭ ‬ومعرفة‭ ‬أدق‭ ‬تفاصيلها‭.‬

‭ ‬حول‭ ‬التماهي‭ ‬الغريب‭ ‬بين‭ ‬بعض‭ ‬جوانب‭ ‬حياة‭ ‬الكاتب‭ ‬والشخصية‭ ‬التي‭ ‬يكتب‭ ‬عنها‭.‬

دروس‭ ‬في‭ ‬الهيمنة‭ ‬الثقافية‭: ‬لماذا‭ ‬نجح‭ ‬برتون؟

تسهم‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬ناحية‭ ‬أخرى‭ ‬في‭ ‬كشف‭ ‬قدرات‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬على‭ ‬اختراق‭ ‬المجتمعات‭ ‬الصغيرة‭ ‬الضعيفة،‭ ‬ومعرفة‭ ‬تفاصيل‭ ‬أمورها‭ ‬الحياتية،‭ ‬مما‭ ‬يمنحها‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬التأثير‭ ‬والهيمنة،‭ ‬وأحياناً‭ ‬السلطة‭ ‬المباشرة‭ ‬عليها‭. ‬ما‭ ‬قام‭ ‬به‭ ‬برتون‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ممكناً‭ ‬لولا‭ ‬ثلاثة‭ ‬أمور‭:‬

  أولاً‭: ‬الصفات‭ ‬الشخصية‭ ‬لرجال‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر

لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬الغريب‭ ‬أن‭ ‬يشهد‭ ‬ذلك‭ ‬القرن‭ ‬رجلاً‭ ‬يبرع‭ ‬في‭ ‬الفروسية‭ ‬والشعر،‭ ‬ويشغف‭ ‬بالعلوم،‭ ‬ويتمتع‭ ‬بإرادة‭ ‬وعزم‭ ‬شديدين‭. ‬وفي‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان،‭ ‬نجد‭ ‬هؤلاء‭ ‬الرجال‭ ‬يدخلون‭ ‬في‭ ‬صراعات‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬يعملون‭ ‬بها‭ ‬لاستقلالية‭ ‬تفكيرهم‭.‬

  ثانياً‭: ‬قوة‭ ‬المؤسسات

كانت‭ ‬الإمبراطورية‭ ‬تمتلك‭ ‬مؤسسات‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬التخطيط‭ ‬والتمويل‭ ‬والدعم‭ ‬لمغامرات‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يُستفاد‭ ‬منها‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬طويلة‭. ‬هذا‭ ‬الصبر‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬ميز‭ ‬المشروع‭ ‬الاستعماري‭ ‬الأوروبي‭.‬

   ثالثاً‭: ‬مناخ‭ ‬التنافس‭ ‬الأوروبي

المنافسة‭ ‬الشرسة‭ ‬بين‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬للحصول‭ ‬على‭ ‬أماكن‭ ‬جديدة‭ ‬ذات‭ ‬موارد‭ ‬أو‭ ‬مواقع‭ ‬استراتيجية‭ ‬كانت‭ ‬تدفعها‭ ‬إلى‭ ‬التخطيط‭ ‬والتمويل‭ ‬للرحلات‭ ‬الاستكشافية،‭ ‬مهما‭ ‬بدت‭ ‬مغامراتها‭ ‬مجنونة‭ ‬أو‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭.‬

   خلف‭ ‬الكتاب‭: ‬كيف‭ ‬كُتبت‭ ‬الرواية؟

عندما‭ ‬قرر‭ ‬الكاتب‭ ‬إيليا‭ ‬ترويانوف‭ ‬كتابة‭ ‬هذه‭ ‬الرواية،‭ ‬قرأ‭ ‬عشرات‭ ‬الكتب‭ ‬والبحوث‭ ‬عن‭ ‬شخصية‭ ‬برتون‭ ‬وعن‭ ‬تاريخ‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬عاش‭ ‬فيها‭. ‬سافر‭ ‬إلى‭ ‬الهند‭ ‬حيث‭ ‬أمضى‭ ‬عدة‭ ‬سنوات‭. ‬وفي‭ ‬الهند،‭ ‬قضى‭ ‬عاماً‭ ‬كاملاً‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬المسلمين،‭ ‬يتقاسم‭ ‬العيش‭ ‬معهم،‭ ‬ويتعلم‭ ‬الشعائر‭ ‬الإسلامية‭ ‬من‭ ‬صلاة‭ ‬وصوم،‭ ‬ويحاول‭ ‬جهدَه‭ ‬اقتناص‭ ‬الأبعاد‭ ‬الروحية‭ ‬للدين‭ ‬الإسلامي‭. ‬بعد‭ ‬ذلك،‭ ‬أمضى‭ ‬عامين‭ ‬كاملين‭ ‬في‭ ‬عزلة‭ ‬شبه‭ ‬تامة‭ ‬ليكتب‭ ‬روايته‭ ‬هذه‭.‬

النتيجة‭: ‬عمل‭ ‬إبداعي‭ ‬متقن‭ ‬يستحق‭ ‬عناء‭ ‬قراءته‭ ‬والاستمتاع‭ ‬به

   إيليا ترويانوف. جامع العوالم ، ترجمة الصحبي الثابت (بغداد /بيروت:منشورات الجمل ،2008).

Share this content: