×

تخشى فوات اللحظة

تخشى فوات اللحظة

وأنـت‭ ‬لسـت‭ ‬جـــزءا

‭ ‬مــن‭ ‬المشهـد…!

  في‭ ‬مدينة‭ ‬غدامس،‭ ‬حيث‭ ‬الإيقاع‭ ‬أهدأ‭ ‬والحياة‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬البساطة،‭ ‬يقضي‭ ‬أحمد‭ ‬السني‭ ‬جزءًا‭ ‬كبيراً‭ ‬من‭ ‬يومه‭ ‬ممسكًا‭ ‬بهاتفه‭. ‬ليس‭ ‬بدافع‭ ‬العمل‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بدافع‭ ‬شعور‭ ‬داخلي‭ ‬يصعب‭ ‬تجاهله،‭ ‬وهو‭ ‬الرغبة‭ ‬في‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬اتصال‭ ‬دائم‭ ‬بما‭ ‬يحدث‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬المكان‭.. ‬يسترجع‭ ‬أحمد‭ ‬بداياته‭ ‬مع‭ ‬هذا‭ ‬السلوك‭ ‬قائلًا‭: ‬‮«‬منذ‭ ‬العام‭ ‬2009‭ ‬تقريبًا‭ ‬لاحظت‭ ‬أنني‭ ‬أستخدم‭ ‬هاتفي‭ ‬بكثرة‮…‬‭ ‬من‭ ‬الصباح‭ ‬إلى‭ ‬الليل،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬بداية‭ ‬استخدام‭ ‬برامج‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‮»‬‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬الفردية‭ ‬تعكس‭ ‬ظاهرة‭ ‬أوسع‭ ‬تُعرف‭ ‬بـ‮«‬‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬فوات‭ ‬الشيء‮»‬‭ (‬FOMO‭)‬،‭ ‬وهي‭ ‬حالة‭ ‬نفسية‭ ‬تدفع‭ ‬الأفراد‭ ‬إلى‭ ‬البقاء‭ ‬متصلين‭ ‬باستمرار‭ ‬خشية‭ ‬أن‭ ‬تفوتهم‭ ‬أحداث‭ ‬أو‭ ‬فرص‭ ‬يعيشها‭ ‬الآخرون،‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬الممكن‭ ‬أن‭ ‬يعيشوها‭ ‬معهم‭!‬

متلازمة‭ ‬الـ‭ ‬FOMO‭  ‬في‭ ‬ليبيا

        خوارزميـــات‭ ‬ترسم‭ ‬أولـــوياتنــا

<< تقرير :موسى ونتيتي 

من‭ ‬المواكبة‭ ‬إلى‭ ‬الإرهاق‭ ‬والتشتت

في‭ ‬البداية،‭ ‬كان‭ ‬هدف‭ ‬أحمد‭ ‬بسيطًا‭: ‬مواكبة‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭  ‬‮«‬كنت‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬مواكبًا‭ ‬للأحداث،‭ ‬متابعًا‭ ‬لكل‭ ‬التفاصيل‭ ‬أولًا‭ ‬بأول‮…‬‭ ‬الأخبار‭ ‬السياسية‭ ‬والرياضية‭  ‬وغيرها‭.‬‮»‬‭.. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬السعي‭ ‬سرعان‭ ‬ما‭ ‬تحول‭ ‬إلى‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬الإرهاق‭ ‬الذهني‭: ‬‮«‬اكتشفت‭ ‬أخيرًا‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬أن‭ ‬أظل‭ ‬مطلعًا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬مهما‭ ‬حاولت‮»‬،‭ ‬يضيف‭ ‬أحمد‭.‬
ورغم‭ ‬هذا‭ ‬الإدراك،‭ ‬يبقى‭ ‬الشعور‭ ‬حاضرًا‭: ‬‮«‬بصراحة،‭ ‬أحب‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬قريبًا‭ ‬من‭ ‬هاتفي‮…‬‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬يفوتني‭ ‬شيء‭.‬‮»‬

رأي‭ ‬المتخصصين‭: ‬حين‭ ‬تتحول‭ ‬المنصات‭ ‬إلى‭ ‬محرك‭ ‬للقلق

في‭ ‬قراءة‭ ‬أعمق‭ ‬لهذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬تبرز‭ ‬الدكتورة‭ ‬‮«‬يسرى‭ ‬عمار‭ ‬‮»‬‭ ‬كنموذج‭ ‬للجيل‭ ‬الجديد‭ ‬من‭ ‬الأطباء‭ ‬الليبيين‭ ‬الذين‭ ‬يوظفون‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬لخدمة‭ ‬الصحة‭ ‬النفسية‭. ‬فهي‭ ‬طبيبة‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال،‭ ‬ورائدة‭ ‬أعمال‭ ‬اجتماعية،‭ ‬أطلقت‭ ‬منصة‭ ‬‮«‬موجة‮»‬‭ (‬Wave‭ ‬Mawja‭)‬،‭ ‬كأول‭ ‬مبادرة‭ ‬رقمية‭ ‬ليبية‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬تعزيز‭ ‬المرونة‭ ‬النفسية‭ ‬وكسر‭ ‬الوصمة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالاضطرابات‭ ‬النفسية‭.‬

توضح‭ ‬الدكتورة‭ ‬يسرى‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يبدو‭ ‬سلوكًا‭ ‬فرديًا‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬نتيجة‭ ‬بيئة‭ ‬رقمية‭ ‬مصممة‭ ‬لجذب‭ ‬الانتباه‭:‬
‮«‬الخوف‭ ‬من‭ ‬فوات‭ ‬الفرص‭ ‬هو‭ ‬المحرك‭ ‬الأساسي‭ ‬الذي‭ ‬تستغله‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬لجذب‭ ‬الجمهور‭ ‬وزيادة‭ ‬المشاهدات،‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬المستخدم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬تشتت‭ ‬دائم‭.‬‮»‬

وتضيف‭: ‬‮«‬يصبح‭ ‬المستخدم‭ ‬غير‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬التركيز على أولوياته  في الحياة ».‬

كيف تقضي ١٨ ساعة في ملاحقة أخبار لاتهمك؟

شاشة الهاتف

القبــر‭ ‬الصغيــر‭ ‬الـذي‭ ‬ندفن‭ ‬فيـه‭ ‬وقتنـــا‭ ‬طواعيــة

على‭ ‬أولوياته‭ ‬في‭ ‬الحياة‭.‬‮»‬

حين‭ ‬يُعاد‭ ‬تشكيل‭ ‬أولوياتنا

ولتقريب‭ ‬الصورة،‭ ‬تضرب‭ ‬مثالًا‭ ‬بسيطًا‭ ‬لكنه‭ ‬معبّر‭: ‬شخص‭ ‬ليس‭ ‬محتاجًا‭ ‬لحذاء‭ ‬جديد،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬قميص‭ ‬أو‭ ‬بنطلون،‭ ‬لكن‭ ‬بسبب‭ ‬الضغط‭ ‬الإعلاني‭ ‬قد‭ ‬يشتري‭ ‬الحذاء‭ ‬ويظل‭ ‬محتاجًا‭ ‬لما‭ ‬هو‭ ‬فعلًا‭ ‬ضروري‭ ‬‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬النمط،كما‭ ‬تشير،‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الاستهلاك،‭ ‬بل‭ ‬يمتد‭ ‬إلى‭ ‬قرارات‭ ‬أكبر‭: ‬الدراسة،‭ ‬السفر،‭ ‬وحتى‭ ‬القرارات‭ ‬المصيرية‭.‬

قراءة‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬أخرى‭: ‬من‭ ‬الطبيعة‭ ‬الإنسانية‭ ‬إلى‭ ‬التضخيم‭ ‬الرقمي

من‭ ‬زاوية‭ ‬تحليلية‭ ‬أوسع،‭ ‬ترى‭ ‬الإعلامية‭ ‬والناشطة‭ ‬المدنية‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬بنغازي‭ ‬‮«‬حنين‭ ‬أبوشوشة‮»‬‭ ‬رئيسة‭ ‬منظمة‭ ‬‮«‬نوازي‮»‬‭ ‬للدراسات‭ ‬والتنمية‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان،‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬FOMO‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬اختزالها‭ ‬في‭ ‬كونها‭ ‬سلوكًا‭ ‬رقميًا‭ ‬حديثًا،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬امتداداً‭ ‬لطبيعة‭ ‬إنسانية‭ ‬قديمة‭ ‬أعادت‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬تضخيمها‭.‬
في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬يمكن‭ ‬استحضار‭ ‬نظرية‭ ‬المقارنة‭ ‬الاجتماعية‭ ‬التي‭ ‬قدّمها‭ ‬عالم‭ ‬النفس‭ ‬Leon‭ ‬Festinger،‭ ‬والتي‭ ‬تفترض‭ ‬أن‭ ‬الأفراد‭ ‬يميلون‭ ‬إلى‭ ‬تقييم‭ ‬ذواتهم‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مقارنة‭ ‬حياتهم‭ ‬بالآخرين‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المقارنة،‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬السابق‭ ‬محدودة،‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعًا‭ ‬وحدّة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬التي‭ ‬تعرض‭ ‬نماذج‭ ‬منتقاة‭ ‬ومثالية‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية،‭ ‬ما‭ ‬يدفع‭ ‬كثيرًا‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬إلى‭ ‬الشعور‭ ‬بأنهم‭ ‬أقل‭ ‬حظًا‭ ‬أو‭ ‬متأخرون‭ ‬عن‭ ‬غيرهم‭.‬
وتعزز‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬دراسات‭ ‬الباحث‭ ‬Andrew‭ ‬Przybylski،‭ ‬التي‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬FOMO‭ ‬يرتبط‭ ‬بعدم‭ ‬الرضا‭ ‬عن‭ ‬الحياة‭ ‬وبالاستخدام‭ ‬المفرط‭ ‬لوسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬حيث‭ ‬يدخل‭ ‬الفرد‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬ترقب‭ ‬دائم‭ ‬لما‭ ‬قد‭ ‬يفوته‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬أو‭ ‬فرص،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬ينعكس‭ ‬على‭ ‬صحته‭ ‬النفسية‭ ‬واستقراره‭ ‬الداخلي‭.‬

الإعلام‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬الواقع

وتشير‭ ‬أبوشوشة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬وسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬لا‭ ‬تنقل‭ ‬الواقع‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬إنتاجه‭ ‬بطريقة‭ ‬تعزز‭ ‬المقارنة‭ ‬والضغط‭ ‬غير‭ ‬المباشر،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يؤثر‭ ‬على‭ ‬وعي‭ ‬الشباب‭ ‬ويشوش‭ ‬إدراكهم‭ ‬لصورتهم‭ ‬عن‭ ‬أنفسهم،‭ ‬ويدفعهم‭ ‬إلى‭ ‬السعي‭ ‬المستمر‭ ‬للظهور‭ ‬بصورة‭ ‬مثالية‭.‬
وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬يصبح‭ ‬دور‭ ‬الإعلام‭ ‬محوريًا،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬

في‭ ‬نقل‭ ‬المحتوى،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬وعي‭ ‬نقدي‭ ‬يساعد‭ ‬الشباب‭ ‬على‭ ‬إدراك‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬يرونه‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬الواقع‭ ‬الكامل،‭ ‬وأن‭ ‬قيمتهم‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بحضورهم‭ ‬الرقمي،‭ ‬بل‭ ‬بقدرتهم‭ ‬على‭ ‬تحقيق‭ ‬توازن‭ ‬حقيقي‭ ‬في‭ ‬حياتهم‭.‬

أثر‭ ‬خفي‭ ‬على‭ ‬الحياة‭ ‬اليومية

بالنسبة‭ ‬لأحمد،‭ ‬يظهر‭ ‬هذا‭ ‬التأثير‭ ‬بوضوح‭:‬
‮«‬لقد‭ ‬تأثرت‭ ‬بشكل‭ ‬سلبي‭ ‬جدًا،‭ ‬وخصوصًا‭ ‬استخدامي‭ ‬المفرط‭ ‬للهاتف‭ ‬في‭ ‬الساعات‭ ‬الأخيرة‭ ‬من‭ ‬الليل،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬جعلني‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأوقات‭ ‬دون‭ ‬تركيز‭ ‬وأعاني‭ ‬من‭ ‬قلة‭ ‬ساعات‭ ‬النوم‭.‬‮»‬

ورغم‭ ‬محاولاته‭ ‬للتقليل‭: ‬‮«‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬أقوم‭ ‬بأنشطة‭ ‬رياضية‭ ‬وبدنية‭ -‬كنوع‭ ‬من‭ ‬التغيير‭- ‬وأحاول‭ ‬أن‭ ‬أترك‭ ‬استخدام‭ ‬الهاتف‭ ‬فقط‭ ‬للاطلاع‭ ‬على‭ ‬الرسائل‭ ‬والإشعارات‭ ‬الجديدة‭.‬‮»‬

ومع‭ ‬هذا‭ ‬تبقى‭ ‬المفارقة‭ ‬قائمة‭: ‬‮«‬أكثر‭ ‬شعور‭ ‬بالراحة‭ ‬عندما‭ ‬أكون‭ ‬متصلًا‮…‬‭ ‬بصراحة‭.‬‮»‬

تجربة‭ ‬مختلفة‭:  ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬الوعي‭ ‬درعًا

على‭ ‬النقيض‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬أحمد،‭ ‬يقدم‭ ‬الشاب‭ ‬الحسين‭ ‬الرفاعي،‭ ‬المقيم‭ ‬في‭ ‬طرابلس،‭ ‬نموذجًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬لعلاقة‭ ‬الفرد‭ ‬مع‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬علاقة‭ ‬تشكّلت‭ ‬منذ‭ ‬البداية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬أكثر‭ ‬توازنًا‭.‬

يقول‭ ‬الحسين‭:  ‬‮«‬وُلدت‭ ‬في‭ ‬أسرة‭ ‬كبيرة،‭ ‬ورغم‭ ‬اختلاف‭ ‬الأعمار‭ ‬بيني‭ ‬وبين‭ ‬والدي‭ ‬ووالدتي،‭ ‬فقد‭ ‬أزالوا‭ ‬الفروقات‭ ‬بيننا‭. ‬وحتى‭ ‬مع‭ ‬أخي‭ ‬الأكبر،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬مقارنة‭. ‬ربّاني‭ ‬أهلي‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬أنني‭ ‬لا‭ ‬أقارن‭ ‬نفسي‭ ‬بغيري‭ ‬ولا‭ ‬بما‭ ‬يملكه‭ ‬الآخرون‭.‬‮»‬‭ ‬هذا‭ ‬التأسيس‭ ‬المبكر‭ ‬انعكس‭ ‬على‭ ‬نظرته‭ ‬للمحتوى‭ ‬الرقمي‭:‬

‮«‬ما‭ ‬يُعرض‭ ‬لا‭ ‬يمثل‭ ‬الحقيقة،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬واقع‭ ‬مُجمّل‭ ‬باستخدام‭ ‬الفلاتر‭ ‬والمونتاج‭.‬‮»‬

وعن‭ ‬حضوره‭ ‬على‭ ‬المنصات،‭ ‬يوضح‭ : ‬‮«‬لا‭ ‬يهمني‭ ‬رأي‭ ‬الناس‭ ‬فيّ،‭ ‬لكن‭ ‬أشارك‭ ‬مشاعري‭ ‬لنفسي‭ ‬أولًا‭. ‬أفرح‭ ‬بتفاعل‭ ‬الناس‭ ‬معي،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أسعى‭ ‬لتقديم‭ ‬صورة‭ ‬معينة‭.‬‮»‬‭. ‬بحكم‭ ‬عمله‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬الأخبار،‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬أقل‭ ‬تأثرًا،‭ ‬لكنه‭ ‬يلاحظ‭ ‬تأثيرًا‭ ‬واضحًا‭ ‬على‭ ‬محيطه‭: ‬‮«‬المشكلة‭ ‬أن‭ ‬كثيرين‭ ‬لا‭ ‬يتحققون‭ ‬مما‭ ‬يُنشر،‭ ‬بل‭ ‬يتفاعلون‭ ‬معه‭ ‬بسرعة‭.‬‮»‬‭.. ‬ومع‭ ‬الوقت،‭ ‬تحوّل‭ ‬هذا‭ ‬الوعي‭ ‬إلى‭ ‬سلوك‭: ‬‮«‬اقتنعت‭ ‬أن‭ ‬الهواتف،‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تُستخدم‭ ‬بشكل‭ ‬صحيح،‭ ‬فهي‭ ‬أداة‭ ‬خطيرة‭. ‬حذفت‭ ‬عددًا‭ ‬من‭ ‬التطبيقات،‭ ‬وفي‭ ‬البداية‭ ‬شعرت‭ ‬بالارتباك،‭ ‬ثم‭ ‬تأقلمت‭ ‬وأصبح‭ ‬لدي‭ ‬تحكم‭ ‬أفضل‭.‬‮»‬

ويختتم‭ ‬تجربته‭ ‬قائلًا‭: ‬‮«‬في‭ ‬مناسبة‭ ‬فرح‭ ‬ابتعدت‭ ‬عن‭ ‬الهاتف،‭ ‬وشعرت‭ ‬براحة‮…‬‭ ‬كأنني‭ ‬أعيش‭ ‬اللحظة‭ ‬فعلًا‭.‬‮»‬

بين‭ ‬الراحة‭ ‬والوعي

هذا‭ ‬التباين‭ ‬بين‭ ‬تجربة‭ ‬أحمد‭ ‬والحسين‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬حقيقة‭ ‬أساسية‭: ‬العلاقة‭ ‬مع‭ ‬التكنولوجيا‭ ‬ليست‭ ‬واحدة،‭ ‬بل‭ ‬تتشكل‭ ‬وفق‭ ‬الوعي‭ ‬الفردي‭ ‬وطريقة‭ ‬الاستخدام‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تؤكد‭ ‬الدكتورة‭ ‬يسرى‭: ‬‮«‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬لدى‭ ‬الإنسان‭ ‬وعي‭ ‬كافٍ‭ ‬باحتياجاته‭ ‬وأولوياته‭ ‬ومشاعره،‭ ‬وألا‭ ‬يكون‭ ‬منقادًا‭ ‬للغير‭.‬‮»

         عزيزي الليبي:

العالم لن يتوقف إذا لم تشاهد «ستوري » ابن عمك في الكافي !

حين‭ ‬لا‭ ‬تعكس‭ ‬المرآة‭ ‬الحقيقة‭!‬

في‭ ‬زمن‭ ‬أصبح‭ ‬فيه‭ ‬الاتصال‭ ‬الدائم‭ ‬هو‭ ‬القاعدة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬السؤال‭: ‬ماذا‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬العالم؟

بل‭: ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يفوتنا‭ ‬عندما‭ ‬لا‭ ‬نكون‭ ‬متصلين؟

بين‭ ‬تجربة‭ ‬أحمد،‭ ‬وتحليل‭ ‬المختصين،‭ ‬ونموذج‭ ‬الحسين،‭ ‬تتضح‭ ‬صورة‭ ‬أكثر‭ ‬عمقًا‭: ‬لسنا‭ ‬فقط‭ ‬مستخدمين‭ ‬لوسائل‭ ‬التواصل‭ .. ‬بل‭ ‬أحيانًا،‭ ‬نحن‭ ‬من‭ ‬يُعاد‭ ‬تشكيل‭ ‬وعيهم‭ ‬داخلها‭.‬والفارق‭ ‬بين‭ ‬الحالتين‭ ‬قد‭ ‬يبدأ‭ ‬بوعي‭ ‬بسيط‭ :‬
أن‭ ‬نختار‭ ‬ما‭ ‬نحتاجه‭ ‬فعلًا‮…‬‭ ‬لا‭ ‬ما‭ ‬يُعرض‭ ‬علينا‭ ‬باستمرار‭.‬

Share this content: