عينٌ لا تنام.. وبيتٌ لا يغادره الضوء
صحفية ومخرجة أفلام وثائقية وصانعة محتوى ليبية، تحوّل كل رواية تقرؤها إلى فيلم يدور في رأسها، وتحمل ليبيا معها أينما ذهبت.
لا كلمات في هذا المشهد، ولا كتاب في الكادر. عين تتّسع حدقتها ببطء، يتسلّل إليها ضوء دافئ من نافذة مبنى عتيق، وتتحوّل الإضاءة تدريجياً من واقع عادي إلى ألوان سينمائية غنية،
بينما يتصاعد صوت خُطى خافت على أوراق شجر يابسة، وموسيقى تصويرية تُنذر بعبور هادئ من عالم محسوس إلى عالم لا حدود له. هذا هو المشهد الذي تختاره هبة الشيباني
حين يُطلب منها أن تختصر علاقتها بالقراءة في لقطة واحدة، بلا كتاب ظاهر فيها. لأن الكتاب، في نهاية الأمر، ليس الورق. الكتاب هو تلك اللحظة بالذات، لحظة العبور.
هبة الشيباني ليست امرأة تحكي عن حبها للكتب فحسب. هي مصورة وصحفية ومخرجة أفلام وثائقية وصانعة محتوى، تحمل عيناً مهنية لا تعرف الراحة حتى في أوقات فراغها.
«من قال إن عين المصورة لا تنام أبداً كان مُحقّاً». فمجرد أن تفتح رواية، يبدأ عقلها، دون استئذان منها، بتفكيك النص إلى كادرات، زوايا كاميرا تُحدَّد، إضاءة تُوزَّع،
مسارات حركة تُرسم في الهواء. القراءة عندها ليست استهلاكاً لحكاية غيرها، بل إنتاج سينمائي كامل يُصوَّر في الرأس قبل أن يخرج إلى أي شاشة.

هيبة الشيباني
عاشقة الحكايات
وصانعــة الصــورة
>> حاورتها : منال الهمشري
«مجرد أن أبدأ في قراءة أي عمل خيالي، يبدأ عقلي لا إرادياً بتفكيك النص إلى كادرات سينمائية»
منذ سنوات، تعيش هبة في مدينة «ريدنج» البريطانية، على مقربة من «أكسفورد» و»باث»، تلك المدن التي تفوح منها رائحة التاريخ والأدب،
وقد أعادتها بشغف إلى أعمال جين أوستن وإلى فكرة أن المكان نفسه، حين يكون غنياً بالحكايات، يصبح مكتبة مفتوحة. لكن الانتقال الجغرافي فرض عليها ازدواجية لا تُخفيها ولا تشتكي منها،
نسخة تدير يومها المهني بالإنجليزية وسط محيطها البريطاني، ونسخة أخرى تجد روحها وهويتها الكاملة حين تكتب أو تقرأ بالعربية. «هذا الازدواج لا يمزّقني، بل يمنحني مرونة هائلة في التفكير،
ويسمح لي بأن أكون جسراً بين ثقافتين مختلفتين»، تقول، وكأنها تصف حالة كثير ممن غادروا أوطانهم ووجدوا أنفسهم يعيشون في مكانين في آنٍ واحد مكان تسكنه الأجساد، ومكان تسكنه الذاكرة.
فالجغرافيا، كما تراها، تتبدّل، لكن الانتماء لا يسقط بالمسافات أبداً. «ليبيا ليست مجرد مكان عشتُ فيه وابتعدتُ عنه، بل هي الجذور التي أرى من خلالها العالم»، تقول، وحين تصنع محتوى
أو تطرح قضايا لجمهورها الليبي وهي على بُعد قارّة كاملة، فإنها تستند دون وعي منها إلى تلك الجذور، لأن البيت كما تختصر بجملة تلخّص تجربة كل مغترب «يسكن فينا حتى وإن لم نعد نسكن فيه».
أنا أرى العالم بعين الكاميرا
حتى وأنا أقرأ

«البيت يسكن فينا حتى وإن لم نعد نسكن فيه»
لكن هبة لا تكتفي بالحنين إلى الماضي، فهي تخوض معركة يومية حقيقية مع جمهور شاب لا يعرف غير الشاشة السريعة. «هذا سؤال ما زلت أنا نفسي أبحث له عن إجابة»، تعترف بصدق نادر،
«لكن أعتقد أن السرّ ليس في محاربة الشاشة، بل في التحدّث بلغتها». فهي تصنع محتوى بصرياً عالي الجودة، وتستخدم تقنيات التصوير والمونتاج لتلفت الانتباه أولاً، ثم تربط الكتاب بشيء مألوف لدى جمهورها بالفعل كأن تحلّل
كيف أثّرت رواية معينة على سلسلة «أنمي» أو «مانغا» شهيرة. وهي هنا لا تجامل ذائقة الجيل الجديد، بل تدافع عنها بقناعة راسخة، مصرّة على أن على صنّاع المحتوى والصحفيين أن يتخلّوا عن نظرتهم الفوقية لفنون مثل المانغا والأنمي،
وأن يحتضنوها كأدوات سردية قادرة على إحياء الاهتمام بالكلمة المكتوبة، لا أن يستخفّوا بها.
القراءة ليست هواية
بل مساحتي الحرة
وملاذي الشخصي
وإذا كانت الكتب بالنسبة إلى هبة الشيباني عوالم تُرى قبل أن تُقرأ، فإن لكل قارئ كتابًا أول، ولكل كاتب أثرًا يصعب محوه. ورغم أنها تتحدث بتقدير عن لقاءات جمعتها مؤخرًا بأسماء أدبية بارزة، مثل هشام مطر، وبراندون ساندرسون، وأليف شافاق، وتصفها بأنها محطات فارقة في مسيرتها الشخصية والمهنية، فإن سؤالًا واحدًا أعادها إلى البدايات: من الكاتب الذي ترك أثره الأكبر في تكوينها؟ لم تتردد في الإجابة. لم
تختر اسمًا عالميًا، ولم تبحث عن إجابة مفاجئة، بل عادت إلى من تصفه بـ»العرّاب»: أحمد خالد توفيق.
ولمن عاش طفولته أو مراهقته على أعمال أحمد خالد توفيق، فإن هذا الاختيار ليس تفصيلاً عابراً، بل اعترافاً بدَين ثقافي يحمله جيل كامل من الشباب العربي. «أعماله تركت بصمة عميقة في وجداني»، تقول هبة، «ولو التقيته فلن أحمل له سوى رسالة شكر وامتنان عميقين على إرثه الخالد، وعلى دوره العظيم في تشكيل وعي أجيال كاملة من الشباب العربي وحثّهم على حب القراءة».
العمل في الصحافة وصناعة الأفلام الوثائقية، كما تصف هبة، يضعك باستمرار على خط التماس مع الرقابة المجتمعية. في فيلمها الوثائقي «إنتي ريادة»، تطرّقت لقصص ومواضيع اجتماعية جريئة من خلال سرديات شخصية، فكان النقد جزءاً لا يتجزأ من محاولتها تقديم محتوى هادف. «التغيير، أو حتى مجرد التفكير بصوت عالٍ، غالباً ما يستفزّ السائد»، تقول، «وأنا أستقبل ذلك بوعي كامل، لكنني لا أتركه يتحكّم في المحتوى الذي أقدّمه». وهي معادلة تبدو بسيطة في الكلام، لكنها تتطلّب مقداراً غير قليل من الشجاعة الهادئة حين تُطبَّق فعلياً على أرض الواقع، خصوصاً حين يتعلق الأمر بموضوعات كالحب والجسد وحرية المرأة في مجتمعات لا ترحّب دائماً بمن يكسر صمتها.
ثم تأتي الأمومة لتعيد ترتيب أولوياتها من الداخل. «أصبحت أكثر حساسية وتعاطفاً تجاه القصص التي تتناول الديناميكيات العائلية، ومستقبل الأطفال، والتضحيات التي تُبذل»، تقول هبة، «وجود ابنتي في حياتي جعلني أقرأ وأحلّل الأدب بعين أعمق وأكثر مسؤولية». وحين تتخيّل لقاءً افتراضياً بين الطفلة التي كانتها وابنتها اليوم، لا ترسم مشهداً عاطفياً مصطنعاً، بل مشهداً إنسانياً بسيطاً وصادقاً، الطفلة التي كانتها تفرش بفخر أعداد مجلة «ماجد» و»ميكي» و»بساط الريح»، وابنتها تأخذها في المقابل في رحلة بصرية إلى عالم المانغا اليابانية، لتنتهي الجلسة «ببساطة جلسة كوميكس عابرة للأجيال»، على حد وصفها، وكأن حب القصص لا يتغيّر جوهره عبر الزمن، بل يتغيّر شكله فقط.
لكن تحت كل هذه الألقاب مصورة، صحفية، صانعة محتوى، زوجة، أمّ، تبقى لحظة واحدة تخصّها وحدها. «عندما أفتح رواية وأغوص بين سطورها، تتلاشى كل الألقاب والمسؤوليات»، تقول هبة، «في تلك اللحظة، لا توجد مواعيد تسليم، ولا إعدادات كاميرا، ولا جداول يومية مزدحمة. أبقى أنا فقط، متلقّية مجرّدة من كل شيء، تستمتع بالقصة وتعيش أحداثها». القراءة، كما تصفها، ليست هواية إلى جانب عملها، بل مساحتها الحرة وملاذها الشخصي، المكان الوحيد الذي لا يُطلب منها فيه أن تكون أحداً سوى نفسها.

«عندما أفتح رواية، تتلاشى كل الألقاب
والمسؤوليات.. أبقى أنا فقط»
وربما لا تحتاج هذه الحكاية إلى مشهد سينمائي لتنتهي. يكفي أن نعرف أن هبة الشيباني، مصورةً كانت أم صحفية أم أمّاً، ما تزال في جوهرها تلك الطفلة التي فتحت ذات مساء بعيد عدد مجلة «ماجد»، وأن كل رواية تحملها اليوم بين يديها ليست سوى امتداد لذلك المساء نفسه. ولعل كل من قرأ سطورها هذه، واستعاد في ذهنه غلافاً أصفر لسلسلة رافقت طفولته، أو بيتاً غادره جسده ولم تغادره ذاكرته، يكتشف أنه لم يكن يقرأ حكاية هبة وحدها، بل كان يقرأ ولو لدقائق قليلة حكايته هو.
امرأةٌ تمشي بين صفحتين
واحدةٌ للواقع وأخرى للخيال
Share this content: