مسيــــرة الرمـــاة لإنجازات تــولد مـــن رحــم المعــانـــاة
“محمـد غريب”
لبطل الصاعد بقوة في عالم الرمي بالقوس والسهم
الرماية بالقوس والسهم ما تزال في مرحلة الهواية محلياً وتعاني فقراً مدقعا على مستوى الإمكانات المادية
لقاء : مناف بن دلة
قابلته بعد أن سمعت عنه الكثير .. ففعاله كانت تنبيء ببطل قادم بقوة لرياضة ما تبرح تقاتل من أجل الاعتراف بها “جماهيرياً”.. وعندما التقيته ظننته “مارفيلياً” بكل ما للكلمة من معنى .. حداثة سنه لم تمنع الجدية من أن تكون سمته ..
وبدا متيقناً من أنه سينال مراده في يوم ما, فكان وهو يتحدث “واثق الكلمة ينطق ملكاً”.. لكن وما إن استرسل حتى أكد أنه “بشري حتى النخاع”, حيث استعرض ما يتعرض له من مصاعب وما فتّ في عضد طموحاته من الكؤود, وجدت في كون الرماية بالقوس والسهم رياضة لا تملك قاعدة كبيرة “بيئة لها لتنمو”.
وبالرغم من ذلك لا يفارق التفاؤل البطل الواعد “محمد غريب” في أن يلحق إنجازه بتمثيل ليبيا غير المسبوق في بطولة العالم بآخر وأن يصير بطلاً أولمبياً, مؤكداً أن في كنانته الكثير من أسهم الإنجازات المتأملة
محمد غريب” الذي لم يكن غريباً عن الألقاب فحازها محلياً في مرحلة الناشئين ومضى دائباً على ذات النهج إبان ارتقائه لمستوى الكبار “وهو ما يزال فتيّاً”, يراهن في ما يتعهد به على الشغف والإرادة والإيمان بأن الرياضة مزيج بين تصميم لا يرى بغير الإنجاز بديلاً ووله يحيل اللعب “أبيقوري الهوى”.

حرمكم تأجيل موعد أولمبياد الناشئين في دكار من مشاركة تاريخية .. هل أصابكم ذلك بالإحباط أو شد عزمكم للتألق مستقبلاً ؟
كان مقدراً لرابع نسخ أولمبياد الشباب أن تقام في أواخر العام 2022, لكن جائحة “كوفيد -19” ألزمت تأجيلها 4 سنوات كاملة, ما فوّت عليّ فرصة المشاركة, بعد أن اجتزت الـ17 من العمر.
وبالرغم من أنني لا أخفي خيبة الأمل التي أشعر بها, إلا أنني أظل واثقاً من أن القادم ما يزال ينضح بالمواعيد والاستحقاقات القادرة على فتح أبواب التاريخ أمامي.
«تمتلكون سجلاً ذهبياً تؤكده هيمنة مطلقة على مسابقات الناشئين والانطلاق سريعاً نحو بطولات الكبار تنافس هناك من هم أكثر منك خبرة ومشاركة .. أنّى تحقق لكم هذا التألق وما هي كلمة السر في ذلك؟
السر يكمن في العزيمة والاستمرارية والاجتهاد .. فمنذ البداية كنت دائمًا أضع هدفًا واضحًا أمامي، وأسعى إليه دون تردد.
لم أكن أشارك لمجرد المشاركة، بل كنت أطمح إلى الصدارة، وأعض بالنواجذ عليها متى حققتها, ثم أطمح للمزيد مستقبلاً, متيقناً أن الإرادة طريقي إلى النجاح.
إلى جانب التألق المحلي حصدتم النجاح خارجياً .. على برونزية البطولة العربية الـ14 للقوس والسهم بمدينة الحمامات تونس في مايو الماضي.
هل تعتقد أن هذه مفارقة “مارفيلية” حيث يأتي هذا التميز الخارجي وسط شح في الموارد يعانيه اتحاد اللعبة وغياب كامل للاهتمام بها من قبل الجهات الناظمة والداعمة للشأن الرياضي, حداً دفع مدرب المنتخب الوطني وعضو المكتب التنفيذي بالاتحاد العام للقوس “أحمد المجريسي” للكشف فيما مضى عن صعوبات بلغت حد استحالة تكوين منتخب لعدم توفر المعدات والدعم المادي؟
أعتقد أن الإنجازات تولد من رحم المعاناة وذلك ما يشهد عليه الرماة الليبيون الذين يكافحون من أجل نيل الاعتراف بمقدرتهم أمام نظراء ”عرب وأفارقة” يفوقونهم خبرة وإمكانات.
وفي كل البطولات التي شاركت فيها أنا وزملائي لم نركن لشماعة الإمكانات المحدودة – رغم أنها كانت واقعاً – وبذلنا مجهودات مضنية من أجل الوصول إلى منصات التتويج.
عطفاً على ذلك .. ما أبرز التحديات التي تواجه رياضة الرمي بالقوس في ليبيا ولاعبيها؟ … كيف تقيم مستوى الرمي بالقوس في ليبيا مقارنة بالدول العربية؟
بصراحة، التحديات بالجملة والبون شاسع مع الدول المجاورة .. هنا لا نملك أي شيء تقريباً وننطلق من العدم بلاعبين “هواة” مقابل منافسين توضع على ذمتهم معسكرات تدريبية متكاملة وتجهيزات حديثة، ويشرف على تدريبهم متخصصون “لكل فئة على حدة”..بيد أنني أؤمن بأن اللاعب الحقيقي هو من يصنع من القليل كثيرًا .. فلا أنظر لما ينقصني بقدر ما أركز على ما أملكه، وأحاول تطوير نفسي بما هو متاح.

التواجد في الأولمبياد
حلمــــي الكبيــر ومتـيقن
من تحقيقــه مستقبـلاً
رياضـة القوس والسهم جعلتني أكثر هدوءًا وتركيزًا وعلمتني أن رد الفعل السريع قد يكون مكلفاً
إذن .. تقر بأن هذه الرياضة تحتاج إلى دعم أكبر من المؤسسات المختصة ؟
بالتأكيد ومحدودية انتشار اللعبة “أفقياً” يلزم الاهتمام بها أكثر والمحافظة على أبطالها من التسرب, لاسيما وأن شواهد عديدة تقف ماثلة عن فقداننا أبطالاً كانوا ليمثلوا ليبيا خير تمثيل, إلا أن غياب الجدية والاهتمام من الجهات الناظمة دفعتهم للضرب صفحاً عن الاستمرار في هذا المجال.
وهل تتمنى أن يتم دعمك بمعكسرات تحضيرية طويلة الأمد في الخارج؟
هذا أحد أمانيا .. فتوفر هذه المعسكرات وتحت إشراف مدربين عالميين يضمن تفرغي للتدريب ويبعد عني من العوائق ما تحول دون مقارعتي لأبطال اللعبة. . لنعد إلى البواكير ..
كيف كانت بدايتك مع رياضة الرمي بالقوس؟ ومن اكتشف موهبتك في هذه اللعبة؟ وهل واجهت صعوبات في بداية مشوارك، خاصة وأن اللعبة – كما أسلفت – ليست منتشرة كثيرًا في ليبيا؟
البداية كانت بدافع الفضول الصرف، لكنها سرعان ما تحولت إلى شغفٍ عميق .. وما إن مارستها أول مرة حتى وقعت في حبها .. فالرمي بالقوس ليس لعبةً عادية كما قد يبدو للوهلة الأولى .. هو “سهل ممتنع”.. أنت تمسك القوس، تسحب الوتر، وتُطلق السهم… لكن بين هذه الحركات البسيطة تختبئ معادلة معقدة من التركيز، والتوافق العصبي العضلي، والانضباط النفسي .. وحتى رمش العين يمكن أن يؤثر على النتيجة, والاتكاء الكامل على الموهبة والاجتهاد, بدون هامش للصدفة هو ما جعلني أهيم بها..
من هم الأشخاص الذين كان لهم الدور الأكبر في دعم مسيرتك الرياضية؟
مدربي “أحمد المجريسي” كان الداعم الأول لي .. لم يبخل عليّ بشيء، سواء من الناحية الفنية أو المعنوية. وقف معي في كل الظروف، وكان يؤمن بقدرتي على النجاح، وهذا منحني دافعًا كبيرًا للاستمرار.. وبالطبع لولا إيمان أسرتي بموهبتي لما استطعت أن أحقق ما حققته وأصبو لما آمله

مسيرة الرماة الليبيين دليل على أن الإنجازات تولد من رحم المعاناة
من بين كل الإنجازات التي حققتها .. أيها الذي تعتز به أكثر في مسيرتك حتى الآن؟
البطولة التي لعبتها في “سيدي سليم” وأنا بعمر الـ16 .. يومها نافست الكبار واستطعت نيل الميدالية البرونزية وأكدت أنني قادر على المنافسة في مستويات أعلى.
تقول ذلك رغم مشاركتك في بطولة العالم بغوانجو الكورية الجنوبية سنة 2025 وكنت يومها – وما زلت حتى اللحظة – أول لاعب ليبي نافس ببطولة العالم للقوس والسهم؟
نعم وقد ذكرت سبب تفضيلي لبطولة سيدي سليم, أما بطولة العالم فهي تجربة استثنائية، وإن جاءت بدعوة من الاتحاد الدولي للعبة , تظل أشبه بالحلم .. أن تجد نفسك إلى جانب أبطال العالم، تتحدث معهم وتتعلم منهم، فهذا بحد ذاته إنجاز.
وبذكر هذه البطولة فقد شاركت فيها والتقيت أبطالاً كبار, على غرار الأمريكي “بريدي أليسون” والألماني ” فلوريان أونروه” والكوري “كيم وو جين”, وهذا الأخير ساعدني في ضبط قوسي قبيل المشاركة.
على المدى البعيد .. ما أهدافك في المرحلة القادمة على الصعيدين العربي والدولي؟
الحلم الأولمبي بالتأكيد هو الذي لا يفارقني .. أقر بأن الطريق صعب، لكن ليس مستحيلًا .. وإذا ما سارت الأمور وفق ما هو مأمول فسأسير على خطى البطل الليبي “علي الغراري” وأمثل بلادي في هذا الحدث الكبير.
تخوض منذ سنوات غمار منافسات الكبار بالرغم من أنك تنتمي للناشئين .. هل كان ذلك بدافع الهيمنة المطلقة على منافسات الناشئين وطلباً لإنجازات أكبر ؟
اللعب مع لاعبين يفوقونني خبرة وإمكانات يحفزني على التطور, ومقارعة أبطال من قبيل “علي الغراري” و”عبد المنعم عريبي” يؤتي أكله علي فنياً وسيكولوجياً.

أنت تدرس في الصف الثالث الثانوي .. كيف توفق بين الدراسة والتدريب ؟
ببساطة أعيش حياة لا أملك فيها رفاهية الترفيه
.. وبالكاد أقسم وقتي بين الدراسة والتدريب وآبى أن أخضع للعقبات التي تواجهني.
ماذا تعلمت من رياضة القوس والسهم على المستوى الشخصي؟
جعلتني أكثر هدوءًا وتركيزًا, وعلمتني أن أي رد فعل سريع أو غير محسوب قد يكلفني الكثير, فبتت أتعامل مع الأمور بحكمة أكبر، وأتحكم في انفعالاتي بشكل أفضل.
برأيك .. ماذا ينقص اللعبة لتنتشر أكثر بين الشباب الليبي؟
تنقصها التوعية والدعم, فكثير من الناس لا يعرفون أنها رياضة أولمبية. نحتاج إلى اهتمام إعلامي أكبر، وإلى توفير بيئة مناسبة للتدريب، حتى نتمكن من جذب المزيد من الشباب.
وما النصيحة التي تقدمها للشباب الذين يرغبون في دخول عالم الرمي بالقوس؟
أقول لهم: لا تستسلموا من البداية, فاللعبة قد تبدو صعبة، لكنها مع الوقت تصبح ممتعة .. وبالصبر والإصرار، يمكنكم تحقيق الكثير.
أتمنى أن أتحصل على معسكر خارجي طويل الأمد وأتعهد حينها بالمنافسة العالمية
Share this content: