كارثــة التلــوث الإشعاعـي الجوفـي بوادي الشـاطئ
اليورانيوم والثوريوم في كؤوس المواطنين:
وثائق علمية تكشف
المســح الإشعاعــي يؤكــد تلــوث 13 بئــراً عامــة
والوضع الإقليمي “خطير جداً”
>> تحقيق : ريمة الفلاني
حديث قديم عن تلوث إشعاعي في منطقة وادي الشاطئ عاد بقوة في مطلع عام 2026 ,بعد نتائج كشفت عنها فرق علمية متخصصة
لتجد المنطقة نفسها أمام أزمة صحية وبيئية خطيرة وسط غياب البدائل وضعف إمكانات السلطات المحلية ..وادي الشاطئ الذي يقع جنوب غرب ليبي
يمتد لمسافة تقارب 130 كيلو متر من اشكدة شرقا وحتى أدرى غربا ويضم عشرات القرى والبلدات الزراعية يواجه واقعا صعبا يهدد حياة قاطنيه..
في بلدة اشكدة بمنطقة وادي الشاطئ ,لم تعد مياه الآبار مجرد مصدر للحياة ,بل تحولت إلى مصدر خوف يومي يرافق السكان مع كل كوب ماء وكل وجبة طعام أو استعمال للمياه في الأمورالحياتية اليومية.
تقول آمنة نورالدين (55عاما) وهي معلمة لغة انجليزية تقطن بلدة اشكدة ,إن الحديث عن الاشعاع في المنطقة ليس جديدا «سمعنا منذ نهاية الثمانينات عن وجود تلوث وإشعاع في المياه بعدما جاءت
شركة صينية أو كورية لست متأكدة وأعلنت أن المنطقة تحتوي على نسب مرتفعة من الحديد والإشعاع لكن أحدا لم يهتم وقتها».
وتضيف آمنة إن القلق تصاعد بشكل مفاجئ بعد انتشار نتائج التحاليل الأخيرة لمياه الآبار «كنت في العمرة ,وعندما عدت وجدت الناس تتحدث عن المياه الملوثة ,كثيرون توقفوا عن شرب مياه الآبار وأصبحوا يشترون المياه المعبأة
,لكن أغلب السكان مازالوا يستخدمون المياه في الطبخ والغسل والاستحمام ,رغم خطورتها حسب وصفها .
بالنسبة لآمنة ,لم يكن شراء المياه حلا عمليا «لا أملك سيارة ,وكنا نطلب من جار لنا أن يجلب لنا المياه لكن الأمر لم يستمر طويلا ,واضطررنا لاحقا لاستخدام الفلاتر المنزلية والاستمرار في شرب المياه لأنه لايوجد بديل حقيقي».
تقول آمنة إن الأزمة لم تتوقف عند الجانب الصحي فقط بل امتدت إلى البيئة حيث امتلأت شوارع اشكدة بالنفايات البلاستيكية بسبب الاعتماد الكبير على قوارير المياه ,وحتى فلاتر المياه المنزلية تتحول الى اللون الأسود بسرعة ونضطر لتغييرها كل أسبوعين وهو عبءمادي إضافي.
وتعتقد آمنة أن الأمراض المنتشرة في البلدة مرتبطة بالمياه الملوثة «لايكاد يخلو بيت من مريض أورام أو مسالك بولية أو فشل كلوي ربما يكون التلوث السبب .لكن الناس تخاف من العطش أكثر من خوفها من المرض».
اكتشاف بالصدفة
من جهته يقول جمال عبدالله مختار محلة اشكدة ,إن اكتشاف التلوث جاء خلال زيارة ميدانية لفريق من مركز البحوث الصناعية بنغازي كانوا في المنطقة للكشف عن الإشعاع في المحاجر ضمن مشروع المسح على المحاجر ومواد البناء .
ويوضح جمال «عندما جاءت هذه الفرق طلبنا منهم فحص مادة سوداء تظهر في مياه بعض الآبار وعندما أجروا الفحص اكتشفوا أن الاشعاع وصل إلى 5500 حسب أجهزة القياس الخاصة بهم .
ويؤكد مختار محلة اشكدة أن اللجنة قامت لاحقا بفحص آبار أخرى لتتأكد أن الثلاث آبار الوحيدة في البلدة كلها ملوثة ومستوى الإشعاع فيها فوق المعدل الآمن .
ويضيف أنهم طلبوا منهم عدم الحديث عن الموضوع حتى يتم التأكد بتحاليل إضافية ,وبعد شهر عادوا بأجهزة أكثر تطورا وتبين أن كل النتائج السابقة صحيحة .
ورغم خطورة النتائج يقول عبدالله إن السلطات لم تتخذ إجراءات فعلية فقد كان من المفترض إعلان

الموت الصامت يملأ آبار «أشكدة»
وفلاتر المياه تتحول للأسود في أسبوعين
إشعاعات الآبار العميقة
تتجاوز الخطوط الحمراء
الطاقـــة الذريــــة ومــركـز بحــوث بنغـــازي يرفعــــــان تقــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــارير «تلوث المياه» لأصحاب القرار: الكرة في ملعبكم
حالة الطوارئ وإغلاق الآبار ولكن ذلك لم يحدث خاصة مع تزامن هذه المشكلة مع تغيير المجلس البلدي براك الذي تتبعه بلدة اشكدة
,وقد حاولنا بشكل فردي البحث عن حلول بديلة ووجدنا بئراً في مزرعة مواطن قمنا بفحصه واتضح انه سليم من الإشعاع لكن لم نستطع ربطه بالشبكة العامة لقلة الإمكانات.
ويطالب عبدالله بحفر آبار بديلة لا يتجاوز عمقها 200 متر موضحا أن الآبار العميقة هي الأكثر تلوثا بالاشعاع.
رفضنا إغلاق الآبار
يقول وكيل بلدية براك عبدالسلام بوعزوم أن المجلس البلدي وجد نفسه أمام معضلة حقيقية فاللجان العلمية أوصت باغلاق 13 بئرا ملوثة ,لكننا رفضنا تنفيذ القرار لأنه لا يوجد بديل مائي للسكان .
ويضيف إما أن توفر الحكومات آبارا جديدة وشبكات مياه بديلة أو ميزانية لجلب المياه من مناطق أخرى ,وقد وعدت السلطات بحفر ثلاث آبار جديدة في المنطقة لكن المشروع لم ينفذ بعد.
تلوث طبيعي ..وخطر حقيقي

وخبراء يحذرون:
«تعاملوا مع الطمي
كنفايـــــات مشعــــة»!
ويؤكد مدير مركز البحوث الصناعية بنغازي أبوبكر بوقيلة أن التلوث المكتشف طبيعي المنشأ وليس ناتجا عن نفايات نووية أو مواد مشعة مدفونة
, وأن المشروع الوطني للمسح الإشعاعي الذي كان يستهدف في الأصل محاجر الرخام ومواد البناء اكتشف التلوث بالصدفة .
وبحسب بوقيلة ,فإن المسح الذي تم بالتعاون بين مركز البحوث الصناعية بنغازي ومؤسسة الطاقة الذرية طرابلس شمل نحو خمسين بئرا
في مناطق متعددة من وادي الشاطئ وأظهر أن ثلاثة عشر بئراً فقط سجلت نسب تلوث مرتفعة.
وينفي بوقيلة صحة الأرقام المتداولة عن تلوث مئات الآبار موضحا أن المسح اقتصر على الآبار العامة التي حفرتها الدولة دون الابار الخاصة المملوكة للمواطنين
,ولكنه يشدد في الوقت نفسه على خطورة الوضع فهذا التلوث قد يكون من العوامل التي تساعد على انتشار الأورام والفشل الكلوي والعجز الجنسي على المدى الطويل ويجب على

مياه عميقة خارج المواصفات
وتحذيرات من رواسب الراديوم والحديد!
الدولة التحرك بشكل عاجل.
ويحذر بوقيلة من استخدام الآبار الملوثة أو حتى الاقتراب منها ,ويدعو إلى توخي الحذر مع فلاتر المياه بعد استعمالها باعتبارها نفايات مشعة ويجب دفنها ،
لذلك يجب انشاء مقابر للنفايات المشعة في المنطقة لدفن هذه الفلاتر لخطورتها .
وكشف بوقيلة لمجلة الليبية أن احدى شركات تعبئة المياه في بلدة آقار الشاطئ أُغلقت بعد اكتشاف مستويات إشعاع مرتفعة في المياه التي تستخدمها.
ويؤكد بوقيلة أنهم بالإضافة لمنطقة وادي الشاطئ اكتشفوا تلوثا في بلدة أم الأرانب في الجنوب الليبي،وأن المؤسسات المختصة ستقوم بمسح شامل لكل المناطق في ليبيا للتأكد من خلوها من الإشعاع.

بئر اشكدة حالة خاصة
ويوضح رئيس مجلس إدارة مؤسسة الطاقة الذرية طرابلس الدكتور الهاشمي الأبيض لمجلة الليبية أن التواجد الطبيعي للإشعاع في المياه الجوفية ظاهرة شائعة ناتجة
عن تفاعل المياه مع الصخور والتربة المحتوية على نظائر مشعة طبيعية (نورم) مثل اليورانيوم والثوريوم والروديوم وتختلف كمية الإشعاع في المياه من بئر إلى بئر بناءاً على عوامل جيولوجية وكيميائية .
ويقول الدكتور الأبيض إن بئر اشكدة حالة خاصة
لأنه لايطابق المواصفات من حيث التغليف وهو أيضا عميق جدا والمياه الخارجة منه تحتوي على رواسب كثيرة منها الحديد وغيرها لأن المنطقة غنية بالحديد .
ويدعو الجهات المختصة للبحث عن مصادر أخرى للمياه أو استخدام محطات التحلية وهي الأكثر أمانا لحجز الراديوم مع ضرورة حفظ الأغشية عند تغييرها في مكان آمن بعيدا عن الناس.
ويطمئن الأبيض المواطنين بأنه في الغالب كميات الإشعاع ضئيلة ولا تشكل خطرا ولكن يجب المراقبة الدورية لجودة مياه الشرب خاصة في المناطق التي تم رصد مستوى عالى من الإشعاع فيها .
تفسير علمي
من جانبه يوضح رئيس اللجنة التسييرية للمسح الإشعاعي الدكتور ضو مصباح أن مصدر التلوث يعود إلى الطبيعة الجيولوجية للمنطقة ويفسر ماحدث بأنه تحلل عناصر مثل اليورانيوم والثوريوم داخل طبقات الأرض يؤدي الى ظهور نظائر مشعة ,أبرزها الراديوم 226و228,مايرفع مستوى الاشعاع في المياه والطمى المصاحب للآبار .
ويشير الدكتور ضو إلى أن اخطر مافي الأمر هو الطمى الخارج من جوف الأرض أثناء الحفر لأنه يحتوي على نسب إشعاع مرتفعة ,داعيا إلى دفنه في أماكن مخصصة والتعامل معه كنفايات مشعة.
ويؤكد مصباح أنه في وادي الشاطئ الآبار العميقة التي يتجاوز عمقها 400 متر أو 500 متر هي الأكثر عرضة للتلوث بينما الآبار الأقل من 200 متر أكثر أمانا نسبيا .
ويوصي بإنشاء مختبرات متخصصة في المنطقة لمراقبة مستويات الإشعاع في المياه واستكمال مشاريع محطات التحلية والتصفية المبنية في وادي الشاطئ وعددها تسعة عشر محطة وهي متوقفة منذ عام 2011 .
ويختم الدكتور ضو قائلا «رغم خطورة الوضع إلا أني أدعو لعدم اثارة الهلع بين السكان والتعامل مع القضية بأعتبارها مشكلة صحية وبيئية تحتاج حلولاً علمية عاجلة دون تهويل أو نشر للذعر .
ويؤكد كلا من مركز البحوث الصناعية بنغازي والمؤسسة الليبية للطاقة الذرية أنهم رفعوا تقاريرهم ونتائجها وتوصياتهم للجهات المختصة ولأصحاب القرار ويرجو منهم سرعة الانجاز.
بين الخوف والعطش
ختاما في وادي الشاطئ يبدو المشهد أكثر تعقيدا من مجرد تحذيرات علمية أو تقارير رسمية .
فالسكان يدركون حجم الخطر ,لكنهم في الوقت نفسه يواجهون واقعا قاسيا حيث لا بديل حقيقي للمياه .
وبين الخوف من الإشعاع والخوف من العطش تستمر الحياة في بلدات الجنوب الليبي فيما تبقى الأسئلة معلقة حول قدرة الدولة على التحرك قبل أن تتحول الأزمة إلى كارثة صحية وبيئية أوسع.
Share this content: