×

صمت النساء

صمت النساء

>> محبوبــــة‭ ‬خليفــــة

“احذروا‭ ‬المرأة‭ ‬حين‭ ‬تصمت”‭.‬

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬التعبير‭ ‬ليس‭ ‬من‭ ‬عندي،‭ ‬بل‭ ‬استمعتُ‭ ‬إليه‭ ‬وانتبهتُ‭ ‬له،‭ ‬بالطبع،‭ ‬في‭ ‬مقابلة‭ ‬مع‭ ‬مذيعة‭ ‬شهيرة‭ ‬تعرّضت‭ ‬لمشاكل‭ ‬في‭ ‬حياتها‭ ‬الزوجية،

‭ ‬وخرجت‭ ‬من‭ ‬العلاقة‭ ‬بسلام،‭ ‬وتألقّت‭ ‬في‭ ‬عملها‭ ‬وأمومتها،‭ ‬ولم‭ ‬تلتفت‭ ‬إلى‭ ‬الوراء‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭.‬

متى‭ ‬تصمت‭ ‬المرأة؟‭ ‬ولماذا؟

الحقيقة،‭ ‬ورغم‭ ‬دراستي‭ ‬للفلسفة‭ ‬وعلم‭ ‬النفس،‭ ‬فإنني‭ ‬لا‭ ‬أدّعي‭ ‬الخبرة‭ ‬التحليلية‭ ‬للسلوك‭ ‬الإنساني‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المواضيع،‭ ‬لكن‭ ‬خبرتي‭ ‬الحياتية‭ ‬كبيرة؛

‭ ‬فالحياة‭ ‬واسعة‭ ‬وعريضة،‭ ‬ولها‭ ‬ارتفاع‭ ‬وعمق‭ ‬أيضًا،‭ ‬كشكلٍ‭ ‬هندسيّ‭ ‬لم‭ ‬يُعرَّف‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭. ‬وأهل‭ ‬هذا‭ ‬الكون‭ ‬يمضون‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الدنيا‭ ‬الجميلة،‭ ‬كلٌّ‭ ‬بخلاصة‭ ‬تربيته،

‭ ‬وحصيلته‭ ‬من‭ ‬العلوم،‭ ‬وخلاصة‭ ‬خبرته،‭ ‬ومنجزاته،‭ ‬وانتصاراته‭ ‬أو‭ ‬اندحاراته‭ ‬وهزائمه‭.‬

الكائن‭ ‬البشري،‭ ‬في‭ ‬فترة‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬حياته،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬شكلٍ‭ ‬آخر‭ ‬من‭ ‬الحياة،‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭  ‬ربما،‭ ‬أو‭ ‬لنقل‭ ‬أقلّ‭ ‬راحة،‭ ‬حين‭ ‬يقرر—وبكامل‭ ‬حريته—أن‭ ‬يقيّد‭ ‬هذه‭ ‬الحرية،‭ ‬وأن‭ ‬يجمع‭ ‬رأسه‭ ‬برأسٍ‭ ‬أخرى‭ ‬تحت‭ ‬سقفٍ‭ ‬واحد‭.‬

وهنا‭ ‬نعود‭ ‬إلى‭ ‬كينونة‭ ‬هذين‭ ‬الرأسين‭: ‬من‭ ‬هما؟‭ ‬وكيف‭ ‬كوّنا‭ ‬هذا‭ ‬الاتحاد؟‭ ‬وهل‭ ‬تعاهدا‭ ‬على‭ ‬بناء‭ ‬دولة‭ ‬ناجحة،‭ ‬بعَلَمِها‭ ‬المميّز،‭ ‬وبنبض‭ ‬قلوب‭ ‬الآباء‭ ‬المؤسسين‭ ‬لها،

‭ ‬وفيما‭ ‬بعد‭ ‬بشعبها‭ ‬الذي‭ ‬سيتوافد‭ ‬ويشكّل‭ ‬ماهية‭ ‬هذا‭ ‬الاتحاد‭ ‬وأهميته‭ (‬الأسرة‭)‬؟‭ ‬أم‭ ‬ربما‭ ‬سيكون‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬ضحية‭ ‬لدولة‭ ‬لم‭ ‬يُراعِ‭ ‬مسؤولوها‭ ‬رغباته‭ ‬وأمانيه،‭

‬وهم‭ ‬من‭ ‬تسببوا‭ ‬في‭ ‬وجوده،‭ ‬وعليهم‭ ‬إكمال‭ ‬المهمة‭ ‬بنجاح،‭ ‬وإلا‮…‬

بدايات‭ ‬انهيار‭ ‬هذا‭ ‬الصرح‭ ‬تكون‭ ‬بتخلّف‭ ‬أحد‭ ‬الطرفين‭ ‬عمّا‭ ‬عاهد‭ ‬الآخر‭ ‬عليه،‭ ‬وهنا‭ ‬سيلاحظ‭ ‬الطرف‭ ‬المتضرر‭ ‬أن‭ ‬شيئاً‭ ‬ما‭ ‬بدأ‭ ‬يتسرّب‭ ‬من‭ ‬الأساسات‭ ‬أو‭ ‬الدعامات،

‭ ‬التي‭ ‬من‭ ‬المفترض‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬خرسانية،‭ ‬مقاومة‭ ‬للاهتزازات،‭ ‬وحتى‭ ‬للزلازل‭ ‬العنيفة؛‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬خداعًا‭ ‬ما‭ ‬تسلّل،‭ ‬فخلخل‭ ‬الدفاعات‭ ‬الأولى‭.‬

المرأة‭ ‬ستنتبه‭ ‬أولاً،‭ ‬بحكم‭ ‬غريزتها‭ ‬وطبيعتها‭ ‬الخاصة،‭ ‬وستحدّد‭ ‬نوعية‭ ‬المشكلة،‭ ‬وستتدخل‭ ‬لمحاولة‭ ‬رفد‭ ‬تلك‭ ‬القواعد‭ ‬بمزيد‭ ‬من‭ ‬حقن‭ ‬المحبة،‭ ‬والصبر،‭ ‬والاحتساب،

‭ ‬وربما‭ ‬ببعض‭ ‬المواجهة‭. ‬فتنجح‭ ‬مرة،‭ ‬وربما‭ ‬لعدة‭ ‬مرات،‭ ‬لكن‭ ‬شيئاً‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬ينتبه‭ ‬له‭ ‬أحد،‭ ‬بقي،‭ ‬وعاد—بحكم‭ ‬تراكم‭ ‬العطب،‭ ‬وبحكم‭ ‬السنين—إلى‭ ‬الاهتزاز‭.‬

من‭ ‬سيصمت‭ ‬هذه‭ ‬المرة؟

من‭ ‬صاحب‭ ‬المصلحة‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬هذه‭ ‬الدولة،‭ ‬بشعبها‭ ‬المرعوب‭ ‬خوفاً‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬يتهدّم‭ ‬هذا‭ ‬البناء‭ ‬على‭ ‬رؤوسهم؟

لن‭ ‬نحتاج‭ ‬إلى‭ ‬السؤال‭ ‬أصلاً‭ ‬،‭ ‬فالإجابة‭ ‬حاضرة‭ ‬قبله‭.‬

إنها‭ ‬المرأة،‭ ‬التي‭ ‬واجهت—كعاملة‭ ‬بناء‭ ‬حصيفة—فحاصرت‭ ‬العارض‭ ‬الأول،‭ ‬ثم‮…‬‭ ‬ثم‭ ‬ماذا؟‭ ‬لا‭ ‬شيء،‭ ‬إلا‭ ‬الصمت،‭ ‬واحتضان‭

‬ما‭ ‬تبقّى‭ ‬من‭ ‬مشاعرها‭ ‬وعقلها،‭ ‬لتستطيع‭ ‬بدء‭ ‬بناء‭ ‬كيان‭ ‬سيخصّها‭ ‬وحدها‭ ‬هذه‭ ‬المرة‭.‬

الحقيقة‭ ‬أن‭ ‬قلم‭ ‬الكاتبة‭ ‬تلقّف‭ ‬حديث‭ ‬الإعلامية،‭ ‬وبنى‭ ‬عليه‭ ‬هذه‭ ‬الفرضية،‭ ‬من‭ ‬وقائع‭ ‬قصتها،‭ ‬ومما‭ ‬جرى‭ ‬لها،‭ ‬وما‭ ‬عانته،‭ ‬والنتيجة‭ ‬التي‭ ‬تعيش‭ ‬تفاصيلها‭ ‬حاليًا‭.‬

في‭ ‬حديثها‭ ‬دعوة‭ ‬للتأمل‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬العجيبة،‭ ‬بصورها‭ ‬المتوالية،‭ ‬الملوّنة‭ ‬أحيانًا،‭ ‬والشديدة‭ ‬السواد‭ ‬أحيانًا‭ ‬أخرى‭.‬

Share this content: