×

ذاكرة الرمال.. فيلم وثائقي يفكك بروباغندا الاستعمار

ذاكرة الرمال.. فيلم وثائقي يفكك بروباغندا الاستعمار

تزامنا مع عرضه المرتقب عبر شاشة الجزيرة الوثائقية
ذاكرة الرمال.. فيلم وثائقي يفكك بروباغندا الاستعمار ويكشف كواليس أعمق شهادات المعتقلات الفاشية في برقة

 

صافيناز عمران / طرابلس ـ الليبية خاص.

        في خطوة توثيقية ترتقي بالذاكرة الوطنية إلى معالجة سينمائية رصينة يستعد الجمهور لمتابعة الفيلم الوثائقي «ذاكرة الرمال – المعتقلات الفاشية في برقة»، من إنتاج قناة الجزيرة الوثائقية، والمقرر عرضه يوم 17 سبتمبر المقبل في تمام الساعة الثامنة مساء على شاشتها .
العمل من إخراج المخرج التونسي صامد حجي، فيما تولى الأستاذ محمد البرغثي مهمة المنتج المنفذ وصاحب فكرة الفيلم، ضمن فريق بحثي ليبي قدم قراءة بصرية وتوثيقية تعيد بناء المعالم التاريخية، وتوثق شهادات حية لضحايا المعتقلات الفاشية.


وفي حديث خاص وموسع تناول الجوانب التوثيقية وكواليس إنتاج العمل، كشف المنتج المنفذ وصاحب الفكرة، الأستاذ محمد البرغثي، تفاصيل المنهجية العلمية والسينمائية التي اعتمد عليها فريق الفيلم في استعادة الذاكرة وتفكيك الرواية الاستعمارية.
وأوضح البرغثي أن الحصول على الوثائق والمواد الأرشيفية من المؤسسات الإيطالية، وفي مقدمتها موقع «معهد لوتشي» (Istituto Luce)، شكل مهمة بحثية شاقة ومكلفة للغاية، مؤكدا أن العائق لم يكن ماليا فحسب، بل تمثل أيضا في التعتيم وصعوبة الوصول إلى أرشيف الحقبة الفاشية.
وأشار إلى أن الفريق عالج جانبا من هذا النقص من خلال الشراكة مع «المركز الليبي للمحفوظات والدراسات التاريخية» في طرابلس، الذي وفر وثائق ومواد أرشيفية مفصلية أسهمت في إضاءة كثير من الجوانب المعتمة في تلك المرحلة.


وحول التعامل مع الأرشيف الإيطالي باعتباره جزءا من «بروباغندا المستعمر»، شدد البرغثي على أن المعالجة الفنية لم تهدف إلى وضع الروايتين في كفة واحدة، وإنما إلى تفكيك الرواية الاستعمارية ودحضها بالاستناد إلى مواد ووثائق نادرة، من بينها أرشيف الدكتور الراحل يوسف سالم البرغثي، الذي يتضمن تسجيلات لشهادات حية جرى توثيقها قبل أكثر من 40 عاما لناجين رحلوا لاحقا عن عالمنا، إلى جانب شهادات لأشخاص عاصروا فترة المعتقلات خلال طفولتهم.
وحول المراجع التاريخية التي أُسس عليها العمل، بين البرغثي أن كتابات وأرشيف الدكتور الراحل يوسف سالم البرغثي شكلا المرجعية الأولى للفيلم، إلى جانب مؤلفات المؤرخ الدكتور علي عبد اللطيف أحميدة في تفكيك بنية الإبادة الجماعية.
ومن الجانب الإيطالي، استند العمل إلى كتابات المؤرخ أنجيلو ديل بوكا، المعروف بمناهضته للرواية الرسمية الفاشية، فضلا عن الشهادات الشفوية لأكاديميين وباحثين من أبناء عائلات خاضت تجربة الاعتقال، ومن بينها شهادة الباحثة الإيطالية المناهضة للفاشية ماريا لويزا.
وفيما يتعلق بالشهادات الحية، كشف البرغثي عن كواليس تسجيل الشهادة الأخيرة للراحل الحاج سليمان العبيدي، من منطقة تاكنس، مؤكدا أنها كانت تجربة إنسانية بالغة التأثير إذ لم يكتف الراحل بتذكر الأحداث، بل بدا وكأنه يستعيد ألم الفقد والجوع ونبرات الحزن التي يصعب على الشاشة أن تنقل حجمها العاطفي.
ووصف البرغثي هذه الشهادة بأنها كانت بمثابة الرمق الأخير لذاكرة حية، أبت الرحيل قبل أن تؤدي أمانتها وتترك شهادتها للأجيال.


وعلى صعيد إعادة بناء المعالم التاريخية، أشار البرغثي إلى أن إعادة تشكيل معتقل «العقيلة» باستخدام تقنية الـCGI استندت إلى وثيقة تاريخية نادرة، تمثلت في خريطة دقيقة رسمها المجاهد الراحل محمد عصمان الشامي بخط يده، اعتمادا على ذاكرته الحية للمعتقل، وجرى الحصول على نسخة منها من أرشيف الدكتور يوسف سالم.
وعن التنسيق الفني، أشاد البرغثي بالتكامل بين الرؤية السينمائية للمخرج التونسي صامد حجي، التي اتسمت بالعمق الأكاديمي والجمالي في التوثيق، وبين الفريق الليبي الذي حرص على ضبط التفاصيل التاريخية والبيئية، والحفاظ على الهوية المحلية للعمل.
وفيما يتعلق بالمشاهد التمثيلية التعبيرية، مثل مشهد إعدام الشيخ الشهيد عمر المختار وترحيل الأهالي، أوضح البرغثي أن اختيار الممثلين، ومن بينهم محمد لامين، وعمر قرقوم، ومروان العبار، وهاني القطعاني، قام على معيار «الزهد في المبالغة»، إيمانا بأن بشاعة الجرائم الفاشية لا تحتاج إلى تهويل درامي وإنما يكفي أن تقدم بقدر كبير من الرمزية والبساطة، لتترك الحقيقة التاريخية تتحدث عن نفسها.

Share this content: