صلاح إنقاب: أكتب المشروع نفسه من طرفيه… كيف وصلنا إلى هنا، وإلى أين نحن ذاهبون؟
>اجرت الحوار : عزيزة حسين

الكاتب: صلاح إنقاب
يصعب اختزال صلاح إنقاب في صفة روائي أو شاعر؛ فهو يكتب ضمن مشروع أدبي تتقاطع فيه الرواية والشعر والقصة والفلسفة، وتتخذ الكتابة فيه من الهوية والذاكرة والحرية ومستقبل الإنسان أسئلةً مركزية. فمن الرمز وأدب الحيوان، إلى السرد الفلسفي، مرورًا بروايات الديستوبيا، وصولًا إلى استعادة الذاكرة الليبية في أعماله الروائية، تتعدد الأجناس الأدبية، بينما تظل الرؤية واحدة. وفي هذا الحوار نحاول الاقتراب من ملامح هذا المشروع، والتعرف إلى الأسئلة التي تقف خلفه، وإلى تجربته الشعرية في ديوانه الأمازيغي «آكَاط».
حين ننظر إلى مجمل أعمالك، هل ترى نفسك روائيًا يكتب الشعر والقصة، أم أن جميع هذه الأجناس ليست سوى أدوات للتعبير عن مشروع أدبي واحد؟
أنا، قبل أن أكون كاتبًا، إنسانٌ يحاول أن يفهم سبب وجوده، بعيدًا عن البديهيات التي لُقّنّاها دون سؤال. من هنا أجدني أرسم عوالم عبر أول معجزة عرفها البشر: الكلام، اللغة، عوالم أطرح فيها كيف أفهم ما حولي، وكيف أريده أن يكون.
لذلك، لا فرق عندي، في جوهر الأمر، بين أن أكون روائيًا أو كاتب قصة قصيرة أو شاعرًا أو كاتب مقال. أكتب الشعر بلغتي الأمازيغية لأنها الأقرب إلى الجذر، وأكتب الرواية والقصة والمقال بالعربية، لغتي الأم الثانية، لأنها الأعمق في تجربتي. ومهما تبدّلت لغة التعبير أو تغيّر الجنس الأدبي الذي أعبر من خلاله، تبقى الفكرة واحدة: نحن نعيش في عالم مادي واحد، لكن بداخل كل منا كون من العوالم يبحث عن باب يخرج منه.
غير أن كل نوع من هذه الأنواع الأدبية له إطاره الخاص، وقوته الخاصة، ومساحة استيعابه التي تختلف عن الأخرى. الفكرة الواحدة يمكن أن تُقال بأكثر من طريقة، لكن كل طريقة تطرحها في سياق واتجاه مختلف. الشعر يختزل الفكرة في أقل عدد ممكن من الكلمات، لكنه اختزال يزيدها غموضًا وإيحاءً، فهو أقرب إلى الومضة منه
إلى الشرح. المقال، على النقيض، يشرح بعقلانية وعمق، يفكك الفكرة ويحاورها بأدوات العقل المجرد. أما الرواية فتغوص في التفاصيل، وتخلق عوالم كاملة داخل الفكرة نفسها، عوالم لها شخصياتها وأزمنتها وتناقضاتها، حتى تصبح الفكرة مُعاشة لا مجرد مطروحة.
وكما يُنسب إلى الأديب الألماني غوته قوله: «بقدر ما تعرف من اللغات، بقدر ما تكون إنسانًا مرات عديدة». وهذا بالضبط ما أشعر به حين أنتقل بين الأمازيغية والعربية، وبين الشعر والرواية والمقال: لست أنتقل بين أدوات تعبير فحسب، بل أُولَد من جديد في كل مرة، بإنسانية مختلفة الطبقات، لكنها تحمل السؤال ذاته.
يتوزع مشروعك بين أدب الرمز، والرواية الفلسفية، والديستوبيا، وروايات الذاكرة، والشعر. كيف تولد فكرة العمل، وما الذي يحدد الشكل الأدبي الذي ستكتب من خلاله؟
الفكرة لا تستأذن أحدًا حين تأتي، لا تطرق الباب في موعد محدد، ولا تنتظر أن تكون جاهزًا لاستقبالها، هي، في الغالب، تراكمٌ صامتٌ: تجارب عشتها ولم أفهم أثرها إلا بعد سنوات، قصصٌ رأيتها في عيون الناس قبل أن تُروى بالكلام، تفاصيل صغيرة في الأشياء العابرة حولي، ظلٌّ على جدار، أو صمتٌ طال أكثر مما ينبغي في حديث عائلي، أو كلمة قالها عجوزٌ أو طفلٌ ولم يقصد بها شيئًا، لكنها استقرت فيّ كبذرة، وفوق هذا كله، قراءاتي منذ الطفولة، التي لم تكن مجرد متعة، بل كانت تُشكّل فيّ طبقات متراكمة من الأسئلة، أعود إليها اليوم دون أن أعي أحيانًا أنني أعود.
الفكرة إذن ليست حدثًا واحدًا، بل هي لحظة التقاء بين كل ما تراكم في داخلي وبين شيء صغير في الخارج يوقظه فجأة، وحين تأتي، لا تأتي عارية من الشكل، بل تأتي وهي تحمل بذرة إجابتها: أي جنس أدبي يليق بها.
من أوائل ما قرأت كانت رواية 1984 ومزرعة الحيوانات لجورج أورويل، خمسون قصة قصيرة لعلي مصطفى لمصراتي، القرود للصادق النيهوم، النحول لكافكا كانت في مكتبة أبي الكبيرة، وقد شكّلت وعيي المبكر بالديستوبيا والرواية في العموم كأداة أدبية، لم أكن أقرأ عالمًا متخيلاً بعيدًا عني، بل كنت أقرأ، دون أن أدرك ذلك تمامًا في تلك السن، انعكاسًا لما كنا نعيشه في ليبيا تحت حكم «الأخ القائد»، ذلك الاستبداد الذي يشبه إلى حد مخيف «الأخ الأكبر» عند أورويل: المراقبة، وتزييف اللغة، وابتلاع الذاكرة الجماعية، وتحويل الخوف إلى نظام حياة يومي، أتذكر أني عندما كنت طفلا كنت أعتقد أن القذافي يرانا عبر التلفاز في منازلنا عندما يلقي خطاباته، لهذا لم تكن الديستوبيا عندي خيالًا علميًا بالمعنى المتعارف عليه، بل كانت أقرب إلى مرآة مقنّعة، أستطيع من خلالها أن أقول ما لا يُقال مباشرة.
أما اختيار الجنس الأدبي الذي سأكتب من خلاله، فهو يتوقف، في النهاية، على المساحة التي تتحملها الفكرة نفسها، فلكل فكرة جسدها الذي يناسبها، الرواية تتحمل المساحة الأكبر للتعبير، فهي فضاء رحب يسمح للفكرة أن تتنفس، أن تتفرع إلى شخصيات وأزمنة وتفاصيل فرعية، أن تكبر وتتناقض مع نفسها إن اقتضى الأمر، القصة، في المقابل، أكثر تركيزًا وأقل تفصيلاً، لكنها تعوّض ذلك بعمق سردي مكثف، وكأنها ضربة واحدة دقيقة بدل معركة طويلة، أما الشعر فهو عوالم كاملة تنضغط في نص واحد قصير، حيث تُقال الفكرة بأقل الكلمات وأقصى الإيحاء، فتتحول اللحظة إلى كون مصغّر يتّسع لكل قارئ بطريقته الخاصة.
في «جمهورية الضباع» و«عن الرجل الذي عض كلبًا»، يتحول الحيوان إلى مرآة للإنسان والسلطة. لماذا اخترت الرمز وأدب الحيوان ليكونا مدخلًا لقراءة الواقع؟
اخترت الرمز والحيوان لأن بعض الحقائق لا تحتمل المباشرة، وبعض الاستبداد لا يمكن مواجهته إلا بقناعٍ، حين كتبت جمهورية الضباع في طرابلس، قبيل رحيلي إلى ألمانيا وقبل سقوط نظام القذافي، لم أكن أملك رفاهية الكتابة الواقعية المباشرة عن السلطة وأدواتها؛ فالاستبداد الذي عشناه لم يكن يحتمل المرآة الصريحة، بل كان يحتاج إلى مرآة مقنّعة، تقول الحقيقة وهي تتنكر في هيئة حكاية عن الغابة.
الأسد في الرواية ليس أسدًا فحسب، بل هو تجسيد لفكرة «الأخ الأكبر» و»الأخ القائد»
في آن، ذلك الحاكم الذي يزعم أن السماء لا تُمطر إلا أسدًا واحدًا كل بضع سنوات، وأن الأسود لا تولد كما تولد بقية المخلوقات، بل تنزل من السماء. وحين يُعلن الأسد «جمهورية الخراف»، فهو يعيد إنتاج تلك المفارقة التي عشناها نحن الليبيين: جمهوريةٌ أو جماهيريةٌ بالاسم، وقطيعٌ بالمعنى، الخراف هي «الشعب»، لكنها شعب لا يملك من الشعب سوى الاسم، بينما الحقيقة الفعلية للسلطة موزعة بين الكلاب (الأجهزة الأمنية التي تحرس وتُرهب) والضباع (المستفيدون من النظام، الوسطاء الذين يقتاتون على فتات السلطة دون أن يمتلكوا سلطة حقيقية).
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين هذا العمل وبين مزرعة الحيوانات لأورويل، رغم أن الاثنين ينطلقان من فكرةٍ قريبةٍ، أورويل كتب قراءة للثورة التي تتحول إلى استبداد جديد يشبه القديم، بخط سردي واضح يسير نحو خاتمة محكمة، أما جمهورية الضباع، فهي أقرب إلى قراءة ليبية لتلك الفكرة، لكن بأسلوبية ورمزية مختلفتين: هنا لا تسير الحكاية في خط واحد نحو نهاية واضحة، بل تتشابك فيها الولاءات والمصالح بشكل أكثر تعقيدًا وتشظيًا، بحيث لا يبقى طرف واحد «بريئًا» أو «شريرًا خالصًا»، بل شبكة من الكائنات التي تتبادل الأدوار: من كان ضحية يصبح جلادًا، ومن كان صامتًا يصبح شريكًا في الصمت، وهذا بالضبط ما أردت أن أقوله عن السلطة: إنها ليست فردًا واحدًا، بل نظام علاقاتٍ يعيد إنتاج نفسه ما دامت «الخراف» مؤمنة بأن «الأسد دائمًا على صواب»، أو أن «للسماء مخالب» وهنالك من يدّعي امتلاكها، هذه البنية الدائرية، لا الخطية، هي ما يجعل النص أقرب إلى قراءة ما بعد الثورات العربية منها إلى قراءة ثورةٍ واحدةٍ: فالاستبداد لا يسقط مرًة واحدًة وينتهي، بل يتكرر بأقنعةٍ مختلفةٍ، ويعيد إنتاج نفسه في كل مرةٍ عبر من كانوا ضحاياه بالأمس.
أما القصص السبع الفلسفية القصيرة التي تلي جمهورية الضباع في الكتاب نفسه، فقد كتبتها بأسلوب مختلف كليًا، أقرب إلى كافكا منه إلى أورويل: إذا كانت «جمهورية الضباع» أقرب إلى الحكاية الرمزية السياسية المباشرة الأثر، فإن هذه القصص تنتقل من نقد السلطة الظاهرة إلى نقد السلطة الكامنة في الوجود نفسه، في اللامعقول اليومي، في المفارقة الوجودية التي يعيشها الإنسان دون أن يفهم قوانينها، تمامًا كما لم يفهم جوزيف ك في محاكمة كافكا سبب محاكمته، فالرمز الحيواني والأدب الفلسفي القصير التقيا في هذا الكتاب على هدف واحد: الاقتراب من السلطة، سواء كانت سلطة الحاكم، أو سلطة العبث الكوني، عبر مسافةٍ كافيةٍ تسمح للقارئ أن يرى نفسه في المرآة دون أن يشعر أنها مرآة.
هل تعتقد أن الرمز يمنح الكاتب حرية أوسع في مساءلة السلطة والمجتمع، أم أنه يحمّل النص مسؤولية أكبر في التأويل؟
الرمز يمنح الكاتب حرية أوسع بلا شك، لكنه في الوقت نفسه يضع القارئ أمام مسؤولية أكبر في التأويل، وهذه ليست خسارة، بل هي جوهر ما يجعل النص حيًا يتجدد مع كل قراءة، حين يكتب الكاتب عن أسد وضباع وخراف، فهو لا يهرب من السلطة، بل يحاصرها من زاوية لا تملك فيها أدواتها الرقابية مفردات لمصادرته؛ فكيف تُحاكم كاتبًا لأنه وصف غابة؟
وكما قال الأديب الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس: «الرقابة هي أم الاستعارة»، فحين يُغلق الباب أمام القول المباشر، يجد الأدب لنفسه بابًا خلفيًا هو الرمز، ويتحول القمع نفسه، عكس ما يظنه القامع، إلى مولّد للمعنى لا قاتل له، وهذا بالضبط ما دفعني، وأنا أكتب «جمهورية الضباع» في طرابلس تحت سقف نظام لا يحتمل المباشرة، إلى أن أجعل من الغابة مسرحًا: لم يكن الرمز اختيارًا جماليًا فقط، بل كان شرط الكتابة نفسها ليصل النص إلى القارئ سليمًا، وليصل الكاتب إلى بيته سليمًا أيضًا.
في «العودة إلى كهف أفلاطون»، تستدعي أحد أهم المجازات الفلسفية في التاريخ. ما الذي دفعك إلى إعادة قراءة كهف أفلاطون في سياق معاصر؟
أفلاطون أغلق حكايته عند اللحظة الأخطر: عند مقتل العائد، عند انتصار الظل على من رآى النور، وهذا بالضبط ما أثار قلقي كقارئ قبل أن يثير فضولي ككاتب: لماذا
توقفت الحكاية هناك؟ لماذا اكتفى الفيلسوف بإدانة الجهل، ولم يجرؤ على مساءلة ما يحدث بعد أن يُقتنع السجناء، افتراضًا، بأن هناك عالمًا آخر؟ الفلسفة الكلاسيكية، في تصوري، أنجزت نصف المهمة: أثبتت أن الحقيقة موجودة خارج الكهف، لكنها لم تجرؤ على السؤال الأصعب: ماذا لو خرجنا؟ هل الخروج من الظل هو الخلاص، أم هو مجرد انتقال إلى كهفٍ آخر أوسع، بلا سقف، لكن بأغلالٍ أشد خفاءً؟
هذا ما دفعني لكتابة «العودة إلى كهف أفلاطون»: لم أرد أن أعيد سرد المجاز، بل أن أكمله من نقطة سكوته. فحين يُقتل الرجل الأعرج، لا تنتهي المأساة، بل تبدأ مأساة أعمق: مأساة الفكرة التي لا تموت رغم قتل صاحبها، الفكرة تتسرب من رأسٍ إلى رأس، كالعدوى النبيلة، حتى تصل إلى أكبرهم حكمةً وأشدهم تمسكًا بالظل، وهذا بالتحديد ما يعنيه لي «المعاصرة» هنا: أن الاستبداد لا يُهزم بمقتل معارضٍ واحد، لأن السؤال الذي طرحه يستمر في الدوران في العقول الصامتة.
لكن الأهم من مسألة الخروج نفسها، هو ما اكتشفته شخصياتي حين خرجت: أن الظلال لا تختفي خارج الكهف، بل تتغير هيئتها فقط، القرية التي يشتعل فيها الغضب بلا سبب، والمدينة التي تشتري الضمائر، والمأدبة التي لا تشبع، والمرآة التي تكشف الحسد – هذه ليست خارج الكهف، إنها كهوفٌ أخرى، أشد قسوة لأنها بلا قضبان مرئيةٍ، هنا بالضبط تكمن الفكرة الفلسفية التي أردت اختبارها: أن التحرر من قيدٍ واحد لا يعني التحرر المطلق، بل قد يعني فقط اكتشاف أن الأقفاص متعددة الطبقات، وأن «الخطايا السبع» هي الكهوف الحقيقية التي يبنيها الإنسان بيديه حين يظن نفسه حرًّا.
أما لماذا اخترت هذا السياق تحديدًا الآن، في زمننا، فلأنني أرى من حولي – في المنفى، في الهوية الممتدة بين الأمازيغية والعربية والألمانية، في الذاكرة الليبية المثقلة بالطمس والإنكار، أناسًا يخرجون من كهوفٍ سياسية أو دينية أو قومية، ليكتشفوا أن العالم «الحر» يطلب منهم ثمنًا آخر: أن يبيعوا اسمهم، أو ضميرهم، أو ذاكرتهم، لذلك جعلت «تيدت» الطفلة التي خرجت أولًا دون قرار جماعي، هي من تبقى عند عتبة الكهف تُغنّي، لا لأنها تفرض الحقيقة، بل لأنها تعرف أن الحقيقة لا تُكتشف دفعةً واحدةً، وأن بعض من يهربون من النور سيحتاجون، كما كتبتُ، أن يعودوا إليه «مرة ثانية، وثالثة، وعاشرة».
وفي النهاية، حين يقرر أهل الكهف العودة طوعًا إلى العتمة، لم أكتب ذلك كهزيمة، بل كسؤالٍ مفتوحٍ في وجه القارئ: هل «الحرية» التي نبحث عنها فعلًا هي الحقيقة، أم أنها كما كانت بالنسبة لهم وهمٌ آخر لم نكتشف ثقله بعد؟
. إلى أي مدى يمكن للرواية أن تحمل أسئلة فلسفية عميقة دون أن تفقد متعتها السردية أو تتحول إلى خطاب فكري مباشر؟
إلى مدى بعيد جدًا، بشرط واحد: أن تذوب الفكرة الفلسفية في جسد السرد، لا أن تطفو فوقه، الرواية ليست وعاء لنقل أطروحة، بل هي الأطروحة نفسها وقد اكتسبت لحمًا ودمًا وأسماء وأمكنة ومشاعر ودراما إذا صح القول، حين تشعر أن الشخصية تتحرك لتخدم فكرة الكاتب لا منطقها الداخلي، ينكسر السحر، ويتحول النص إلى محاضرةٍ متخفيةٍ.
وكما يقول ألبير كامو: «الرواية ليست إلا فلسفة تحوّلت إلى صور، وفي الرواية الجيدة، تكون الفلسفة كلها قد انتقلت إلى داخل الصور». فإن طفحت الفكرة على الشخوص والأحداث حتى بدت وكأنها لافتة مُلصقة على العمل، فقد الحدث مصداقيته وفقدت الرواية حياتها، أنا أكتب من هذا المكان بالضبط: أترك السؤال الفلسفي يسكن الشخصية دون أن يتصدر المشهد، ويبقى القارئ يعيش القصة أولاً، ثم يكتشف، دون أن يشعر بالوعظ، أنه كان يفكر معي طوال الوقت.
في سلسلة رواياتك الديستوبية، يبدو المستقبل امتدادًا لأسئلة الحاضر أكثر من كونه خيالًا علميًا. ما الذي يشغلك في هذا النوع من الكتابة؟
حين تٌكتب الديستوبيا على مهل، وعلى مدى عقدين وهو ما حدث مع روايتي الأولى ( ما بعد الهرمجدون )، تكتشف أن ما كان تخييلًا حين بدأت الكتابة، صار وقائع فعلية
حين أكملتها؛ التغير المناخي، انهيار أنظمة الرعاية الصحية، تصاعد المراقبة الرقمية، تجريم الاختلاف، وأزمات اللجوء والهجرة، كلها أشياء لم تعد بحاجة إلى خيال علمي ليتنبأ بها، بل صارت تتسلل من نشرات الأخبار إلى صفحات الرواية.
ما يشغلني في كتابة الديستوبيا: أنا لا أكتب عن المستقبل بوصفه عالمًا غريبًا مختلفًا عنا، بل أكتبه بوصفه استكمالًا منطقيًا لأسئلة نعيشها الآن دون أن نجرؤ على متابعتها حتى نهايتها: ماذا لو استمر الجشع الاقتصادي؟ ماذا لو تحول الدين، بدل أن يكون خلاصًا، إلى تهمة؟ ماذا لو صار الانتماء لعالم «الموجودين» أو عالم «اللاموجودين» مجرد مسألة جغرافيا وحظ؟
وتحضرني هنا مقولة الأديبة الكندية مارغريت أتوود، التي وضعت لنفسها قاعدة صارمة أثناء كتابة روايتها الديستوبية الشهيرة: «لن أُدخل في الكتاب أي حدث لم يكن قد وقع بالفعل في ما أسماه جيمس جويس (كابوس التاريخ)، ولا أي تقنية لم تكن موجودة أصلًا»، – رغم مخالفتي لها بشكلٍ يحتمل توقع الحدوث في رواياتي اللاحقة خصوصا الطوفان الرقمي، الولادة الثانية والمواطن صفر-، نبوءة ما بعد الإنسان، وهذه هي بالضبط فلسفتي في كتابة هذا النوع الأدبي: الديستوبيا الصادقة ليست تلك التي تخترع كوابيس من العدم، بل تلك التي تأخذ كوابيس حاضرنا الفعلية، وتسمح لها فقط بأن تكمل مسارها الطبيعي حتى النهاية التي نتجنب النظر إليها.
تتناول أعمالك قضايا الذكاء الاصطناعي، والهندسة الوراثية، وما بعد الإنسان. برأيك، هل أصبح الأدب مطالبًا بمواكبة التحولات العلمية والتكنولوجية الكبرى؟
نعم، أصبح الأدب مطالبًا بذلك، ليس لأنه يجب أن يتحول إلى تقرير علمي أو نشرة تقنية، بل لأن الأسئلة الوجودية الكبرى التي كان يطرحها الأدب منذ آلاف السنين، صار اليوم من المستحيل طرحها دون المرور عبر التكنولوجيا: من نحن؟ وماذا يبقى من الإنسان حين تتدخل الآلة في تعريفه؟ حين لا يعود الإنجاب قرارًا شخصيًا بل تصريحًا تمنحه جهة ما، فهذا ليس خيالًا تقنيًا، بل هو سؤال فلسفي قديم قدم الإنسان (من يملك حق الحياة؟ ومن يملك حق منحها أو حجبها؟) وقد ارتدى اليوم لباسًا معاصرًا: خوارزميات وأساور رقمية بدل الأساطير والمحرمات القديمة، وحين يتحول الغذاء نفسه إلى بيانات تحسبها خوارزمية توزيع، فالسؤال الحقيقي ليس تقنيًا بل إنسانيًا في جوهره: من يقرر من يستحق أن يأكل، ومن يستحق أن يُهمَّش؟
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين توظيف العلم في الرواية وبين الانبهار به. أنا لا أكتب عن الذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية بوصفهما عجائب تقنية تستحق التوثيق أو الاحتفاء، بل بوصفهما الشكل الجديد الذي تتخذه أسئلة قديمة قدم الأدب نفسه: السلطة، والملكية، والجسد، والحرية، ومن يملك حق تعريف الإنسان وتصنيفه. التكنولوجيا في نصوصي ليست بطلة القصة، بل هي المرآة التي تكشف، بقسوة أكبر من أي زمن سابق، إلى أي مدى يمكن أن تتحول الأنظمة الاقتصادية والسياسية إلى آلات لا ترحم حين تُمنح أدوات لا تخطئ.
وهذا هو نفس المسار الذي سلكته أعمال كبرى سبقتني، بل يمكن القول إن هذا التقليد الأدبي وُلد قبل قرنين من الزمن، حين كتبت ماري شيلي روايتها فرانكشتاين: لم تكن تلك الرواية، في جوهرها، عن العلم بقدر ما كانت عن الغرور الإنساني حين يظن أنه يستطيع خلق الحياة دون أن يتحمل مسؤوليتها الأخلاقية، ثم جاء أدلوس هكسلي في عالم جديد شجاع ليكتب، لا عن الهندسة الوراثية لذاتها، بل عن السعادة القسرية التي تُصنع في المختبر وتُفرض على الجميع باسم الاستقرار، وكازوو إيشيغورو في لا تدعني أذهب لم يكن يكتب عن الاستنساخ كتقنية، بل عن معنى أن تكون إنسانًا حين يُقرر آخرون أن جسدك مجرد قطع غيار مؤجلة. في كل هذه الأعمال، العلم حاضر، لكنه ليس الموضوع؛ الموضوع هو الإنسان وهو يواجه نتائج طموحه.
وأجد في كلمات الأمريكي راي برادبوري، مؤلف فهرنهايت 451، أدق تعبير عن هذه الوظيفة الأدبية: «أنا لا أحاول التنبؤ بالمستقبل، أنا أحاول منعه»، وهي الروح نفسها التي أحاول أن أكتب بها، فالأدب، حين يواكب العلم، لا يفعل ذلك ليتباهى بمعرفته التقنية أو ليتحول إلى كاتالوج للاختراعات المستقبلية، بل ليقف حارسًا أخلاقيًا أمام تسارع لا يمهل أحدًا وقتًا للسؤال: هل هذا التقدم يخدم الإنسان فعلًا، أم يعيد تعريفه وتفكيكه حتى يصبح مجرد رقم في معادلة، أو خانة في جدول بيانات؟ فكلما تسارع العلم، ازدادت حاجتنا إلى من يوقفه للحظة، ليسأل: ولماذا نفعل هذا أصلًا؟، وهذا ما كان في مقدمة روايتي ( الإبادة، البروتوكول صفر) حين قلت : «إن صدقت هذه الديستوبيا، فلا تجعلها تحدث»
هل ترى أن المستقبل الذي ترسمه في رواياتك احتمال وارد، أم أنه استعارة أدبية لتحذير الإنسان من المسار الذي يسلكه اليوم؟
لا أعتقد أن على الكاتب أن يختار بين الاحتمالين، لأن الديستوبيا الجيدة، من وجهة نظري، تعيش بالضبط في تلك المنطقة الرمادية بينهما، أنا لا أدّعي أنني أتنبأ بمستقبل حتمي، فلست عرّافًا، لكنني أيضًا لا أكتب استعارة مجردة بلا صلة بالواقع؛ فكل تفصيلة في عوالمي المتخيلة، مهما بدت غرائبية، هي في الأصل امتداد منطقي لبذرة موجودة بالفعل في عالمنا اليوم: في اقتصادنا، في علاقتنا بالتكنولوجيا، في الطريقة التي نسمح بها للسلطة، أيًا كان شكلها، بأن تتمدد أكثر مما ينبغي.
وكما كتب الأديب البريطاني ألدوس هكسلي، صاحب رواية عالم جديد شجاع، بعد نحو ثلاثين عامًا من نشرها، في مقالة أعاد فيها النظر إلى نبوءاته: «إن النبوءات التي أطلقتها سنة 1931 تتحقق أسرع بكثير مما كنت أتصور»، لم يكن هكسلي يفتخر بموهبة العرافة، بل كان يحذر من أن ما تصوره خيالًا بعيدًا، صار واقعًا متسارعًا بفعل قرارات بشريةٍ بسيطةٍ، تراكمت دون أن ينتبه أحد لخطورتها مجتمعة.
وهذا بالضبط ما يشغلني: أنا لا أرسم المستقبل لأنني أعرفه، بل أرسمه لأنني أخشى أن يتحقق، وأكتب لأزرع في القارئ ذلك القلق المبكر الذي قد يدفعه، أو يدفع مجتمعه، إلى تغيير مسارٍ صغيرٍ الآن، قبل أن يتحول هذا المسار الصغير، بعد عقودٍ، إلى قدر لا مفر منه.
في ديوانك الأمازيغي «آكَاط»، تحضر الأرض واللغة والذاكرة والطفولة بقوة. ماذا تمثل لك الكتابة بالأمازيغية، وماذا تضيف إلى تجربتك الأدبية؟
الأمازيغية بالنسبة لي ليست عنوانًا للتفوق العرقي، ولا سلاحًا في تنافس قبلي حول من يملك الأحقية التاريخية في المكان، هي، قبل كل شيء، عنوانٌ لقول لا في وجه الاستبداد، وإعلانٌ لقبول الاختلاف، حين أكتب بالأمازيغية، أنا لا أطالب بامتيازٍ أو أصالةٍ أعلى من غيري، بل أطالب بحياد الدولة والمجتمع تجاه الاختلاف، حياد لا يفرض على أحد أن يذوب في هوية واحدة كي يُعترف بوجوده.
أنا أمازيغي، لا لأنني أفضل أو أقدم أو أكثر أصالة من غيري، بل ببساطة لأنني مختلف، وهذه هي طبيعة البشر جميعًا: كلنا مختلفون، وكل واحد منا يحمل هوية هي في جوهرها تراكم طبقات، لا طبقة واحدة مفروضة على الجميع، الهوية عندي ليست جدارًا نتحصن خلفه، بل تراثًا متراكمًا يتقاطع فيه الفرد مع لغته، وأرضه، وذاكرته، وطفولته، وكل محاولة لفرض طبقة واحدة على الجميع، سواء باسم القومية أو باسم الأغلبية أو باسم الأصالة، هي في الحقيقة محاولة لإلغاء الجميع، لأنها تُسقط عن كل فرد تفرّده الخاص لصالح قالب جاهز لا يشبه أحدًا بالكامل.
وكما يقول الكاتب اللبناني الفرنسي أمين معلوف، وهو نفسه ابن هويات متعددة: «الهوية لا يمكن تقسيمها إلى نصفين أو أثلاث، ولا وضع حدود واضحة لها، أنا لا أملك عدة هويات، بل أملك هوية واحدة، مصنوعة من كل العناصر التي شكّلت نسبها الفريدة»، هذا بالضبط ما تمثله الأمازيغية في تجربتي: ليست هوية منفصلة تتنافس مع عروبتي أو ليبيتي أو ألمانيتي اللاحقة أو انسانيتي الأشمل، بل طبقةٌ من طبقاتٍ متعدّدةٍ تصنع، مجتمعة، ما أنا عليه، وحين أكتب بها، أضيف إلى تجربتي الأدبية شيئًا لا تعطيه أي لغة أخرى: صوت الأرض والطفولة كما نطقت بهما أول مرة، قبل أن تتعلم أي شيء آخر عن العالم.
هل تنظر إلى «آكَاط» بوصفه ديوانًا شعريًا مستقلًا، أم أنه الوجه الشعري للمشروع الفكري الذي يتجلى أيضًا في رواياتك وقصصك؟
أكَاط ليس عملًا منفصلًا عن مشروعي الروائي، بل هو الوجه الأول له، الجذر الذي خرجت منه كل الفروع اللاحقة، هذا الديوان احتاج أكثر من عقدين ليرى النور، فأولى كتاباتي بالأمازيغية لم تكن رواية ولا قصة، بل كانت أشعارًا، والحقيقة أن هذا لم يكن اختيارًا واعيًا مني بقدر ما كان مسارًا طبيعيًا: فالأدب الإنساني نفسه، منذ فجر الكتابة، بدأ شعرًا قبل أن يعرف السرد الطويل أو الحكاية المركبة، الشعر هو أول شكل عرفه الإنسان للتعبير عن دهشته أمام الوجود، قبل أن يتعلم كيف يبني حبكة أو يطوّر شخصية أو يخطط لحدث.
وكما كتب الشاعر الإنجليزي وليام وردزورث في مقدمته الشهيرة لديوان «أغاني غنائية»: «الشعر هو أول المعرفة وآخرها، وهو خالد خلود قلب الإنسان»، هذه الجملة تلخص علاقتي بآكَاط: فحين عجزت الرواية، بكل اتساعها وتفاصيلها، عن استيعاب صرخة الطفولة الأولى، ورائحة الأرض في جبل نفوسة، ووقع اللغة الأمازيغية على أذني قبل أن أتعلم أي لغة أخرى، لم يكن أمامي سوى الشعر، لأنه الشكل الوحيد القادر على قول ما لا يُقال بالسرد، الشكل الذي يسبق التفكير المنظم ليلامس الشعور في حالته الخام.
فآكَاط إذن هو نقطة الانطلاق الفعلية لكل ما كتبته لاحقًا، لا مجرد ديوان جانبي يقف بمعزل عن الروايات والقصص، الأرض، اللغة، الذاكرة، الطفولة، هذه الأربعة التي تحضر فيه بقوة، هي ذاتها الأسئلة التي ستتفرع لاحقًا في رواياتي، لكنها هنا تظهر في شكلها الأول، غير المروَّض بعد بقواعد الحبكة والشخصية، أقرب إلى الصرخة منها إلى الحكاية، لذلك أنظر إلى آكَاط بوصفه قلب المشروع لا هامشه: الصوت الذي بدأ منه كل شيء، والذي ظل يصدح في خلفية كل رواية كتبتها منذ ذلك الحين.
بعد هذا المشروع الأدبي المتنوع، ما السؤال الذي ما زلت تلاحقه في كتاباتك، وتشعر أن الأدب وحده قادر على الاقتراب من إجابته؟
السؤال الذي ما زلت ألاحقه، في كل ما كتبته من رواية وشعر وقصة، هو سؤال واحد لا يتوقف عن التوالد: ماذا يبقى من الإنسان أكثر من ذاكرته؟ ليس ذاكرته بوصفها سردًا لما حدث بالفعل، بل ذاكرته بوصفها العوالم التي عاشها في خياله، تلك التي لا يراها أحد، ولا تُسجَّل في وثيقة، ولا تُروى في تقرير رسمي، لكنها مع ذلك تشكّل الإنسان أكثر مما تشكّله وقائعه المعلنة.
فالجسد يفنى، والوثائق تُحرق أو تُصادَر أو تُعاد كتابتها بما يخدم رواية السلطة، لكن ما يعيش من الإنسان حقًا هو تلك الطبقة الخفية: حلم راوده ولم يخبر به أحدًا، خوف تخيّله قبل أن يقع، عالمٌ بديلٌ بناه في رأسه ليهرب إليه من عالم لا يحتمله، أو ليفهم من خلاله عالمًا يعجز عن فهمه مباشرة، هذا هو المكان الذي يجتمع فيه كل مشروعي الأدبي، من أوال إلى ما بعد الهرمجدون والإبادة، ومن جمهورية الضباع إلى آكَاط: أينما ذهبت، أجدني أسأل نفس السؤال، عن الإنسان الذي لا يُختزل في تاريخه المكتوب، بل يتّسع في مخيّلته أكثر مما يتّسع في سيرته.
وكما كتب الروائي الكولومبي غابرييل غارثيا ماركيز في مطلع سيرته الذاتية: «الحياة ليست ما عاشه المرء، بل ما يتذكره وكيف يتذكره كي يرويه»، هذه الجملة تلخص، ربما، كل ما حاولت قوله في مشروعي الأدبي كله: أن الحقيقة الأعمق للإنسان ليست في وقائعه، بل في الطريقة التي أعاد بها تخيّل تلك الوقائع، وفي العوالم الموازية التي بناها ليكمل بها ما نقصه الواقع. ولهذا أومن أن الأدب وحده، لا التاريخ ولا علم النفس ولا حتى الذاكرة الشخصية العارية، هو القادر على الاقتراب من هذا السؤال، لأنه الشكل الوحيد من أشكال المعرفة الذي لا يفرّق بين ما عشناه وما تخيّلنا أننا عشناه، بل يعتبرهما، في النهاية، الشيء نفسه.
Share this content: