×

صلاح‭ ‬إنقاب‭: ‬أكتب‭ ‬المشروع‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬طرفيه‭… ‬كيف‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬هنا،‭ ‬وإلى‭ ‬أين‭ ‬نحن‭ ‬ذاهبون؟

صلاح‭ ‬إنقاب‭: ‬أكتب‭ ‬المشروع‭ ‬نفسه‭ ‬من‭ ‬طرفيه‭… ‬كيف‭ ‬وصلنا‭ ‬إلى‭ ‬هنا،‭ ‬وإلى‭ ‬أين‭ ‬نحن‭ ‬ذاهبون؟

>اجرت الحوار : عزيزة حسين

 الكاتب: صلاح إنقاب

        يصعب‭ ‬اختزال‭ ‬صلاح‭ ‬إنقاب‭ ‬في‭ ‬صفة‭ ‬روائي‭ ‬أو‭ ‬شاعر؛‭ ‬فهو‭ ‬يكتب‭ ‬ضمن‭ ‬مشروع‭ ‬أدبي‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الرواية‭ ‬والشعر‭ ‬والقصة‭ ‬والفلسفة،‭ ‬وتتخذ‭ ‬الكتابة‭ ‬فيه‭ ‬من‭ ‬الهوية‭ ‬والذاكرة‭ ‬والحرية‭ ‬ومستقبل‭ ‬الإنسان‭ ‬أسئلةً‭ ‬مركزية‭. ‬فمن‭ ‬الرمز‭ ‬وأدب‭ ‬الحيوان،‭ ‬إلى‭ ‬السرد‭ ‬الفلسفي،‭ ‬مرورًا‭ ‬بروايات‭ ‬الديستوبيا،‭ ‬وصولًا‭ ‬إلى‭ ‬استعادة‭ ‬الذاكرة‭ ‬الليبية‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬الروائية،‭ ‬تتعدد‭ ‬الأجناس‭ ‬الأدبية،‭ ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬الرؤية‭ ‬واحدة‭. ‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬الحوار‭ ‬نحاول‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬ملامح‭ ‬هذا‭ ‬المشروع،‭ ‬والتعرف‭ ‬إلى‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬خلفه،‭ ‬وإلى‭ ‬تجربته‭ ‬الشعرية‭ ‬في‭ ‬ديوانه‭ ‬الأمازيغي‭ ‬‮«‬آكَاط‮»‬‭.‬

حين‭ ‬ننظر‭ ‬إلى‭ ‬مجمل‭ ‬أعمالك،‭ ‬هل‭ ‬ترى‭ ‬نفسك‭ ‬روائيًا‭ ‬يكتب‭ ‬الشعر‭ ‬والقصة،‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬الأجناس‭ ‬ليست‭ ‬سوى‭ ‬أدوات‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬أدبي‭ ‬واحد؟

أنا،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬كاتبًا،‭ ‬إنسانٌ‭ ‬يحاول‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬سبب‭ ‬وجوده،‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬البديهيات‭ ‬التي‭ ‬لُقّنّاها‭ ‬دون‭ ‬سؤال‭. ‬من‭ ‬هنا‭ ‬أجدني‭ ‬أرسم‭ ‬عوالم‭ ‬عبر‭ ‬أول‭ ‬معجزة‭ ‬عرفها‭ ‬البشر‭: ‬الكلام،‭ ‬اللغة،‭ ‬عوالم‭ ‬أطرح‭ ‬فيها‭ ‬كيف‭ ‬أفهم‭ ‬ما‭ ‬حولي،‭ ‬وكيف‭ ‬أريده‭ ‬أن‭ ‬يكون‭.‬

لذلك،‭ ‬لا‭ ‬فرق‭ ‬عندي،‭ ‬في‭ ‬جوهر‭ ‬الأمر،‭ ‬بين‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬روائيًا‭ ‬أو‭ ‬كاتب‭ ‬قصة‭ ‬قصيرة‭ ‬أو‭ ‬شاعرًا‭ ‬أو‭ ‬كاتب‭ ‬مقال‭. ‬أكتب‭ ‬الشعر‭ ‬بلغتي‭ ‬الأمازيغية‭ ‬لأنها‭ ‬الأقرب‭ ‬إلى‭ ‬الجذر،‭ ‬وأكتب‭ ‬الرواية‭ ‬والقصة‭ ‬والمقال‭ ‬بالعربية،‭ ‬لغتي‭ ‬الأم‭ ‬الثانية،‭ ‬لأنها‭ ‬الأعمق‭ ‬في‭ ‬تجربتي‭. ‬ومهما‭ ‬تبدّلت‭ ‬لغة‭ ‬التعبير‭ ‬أو‭ ‬تغيّر‭ ‬الجنس‭ ‬الأدبي‭ ‬الذي‭ ‬أعبر‭ ‬من‭ ‬خلاله،‭ ‬تبقى‭ ‬الفكرة‭ ‬واحدة‭: ‬نحن‭ ‬نعيش‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬مادي‭ ‬واحد،‭ ‬لكن‭ ‬بداخل‭ ‬كل‭ ‬منا‭ ‬كون‭ ‬من‭ ‬العوالم‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬باب‭ ‬يخرج‭ ‬منه‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬نوع‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الأنواع‭ ‬الأدبية‭ ‬له‭ ‬إطاره‭ ‬الخاص،‭ ‬وقوته‭ ‬الخاصة،‭ ‬ومساحة‭ ‬استيعابه‭ ‬التي‭ ‬تختلف‭ ‬عن‭ ‬الأخرى‭. ‬الفكرة‭ ‬الواحدة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُقال‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬طريقة،‭ ‬لكن‭ ‬كل‭ ‬طريقة‭ ‬تطرحها‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬واتجاه‭ ‬مختلف‭. ‬الشعر‭ ‬يختزل‭ ‬الفكرة‭ ‬في‭ ‬أقل‭ ‬عدد‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬الكلمات،‭ ‬لكنه‭ ‬اختزال‭ ‬يزيدها‭ ‬غموضًا‭ ‬وإيحاءً،‭ ‬فهو‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الومضة‭ ‬منه‭

إلى‭ ‬الشرح‭. ‬المقال،‭ ‬على‭ ‬النقيض،‭ ‬يشرح‭ ‬بعقلانية‭ ‬وعمق،‭ ‬يفكك‭ ‬الفكرة‭ ‬ويحاورها‭ ‬بأدوات‭ ‬العقل‭ ‬المجرد‭. ‬أما‭ ‬الرواية‭ ‬فتغوص‭ ‬في‭ ‬التفاصيل،‭ ‬وتخلق‭ ‬عوالم‭ ‬كاملة‭ ‬داخل‭ ‬الفكرة‭ ‬نفسها،‭ ‬عوالم‭ ‬لها‭ ‬شخصياتها‭ ‬وأزمنتها‭ ‬وتناقضاتها،‭ ‬حتى‭ ‬تصبح‭ ‬الفكرة‭ ‬مُعاشة‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬مطروحة‭.‬

وكما‭ ‬يُنسب‭ ‬إلى‭ ‬الأديب‭ ‬الألماني‭ ‬غوته‭ ‬قوله‭: ‬‮«‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تعرف‭ ‬من‭ ‬اللغات،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬تكون‭ ‬إنسانًا‭ ‬مرات‭ ‬عديدة‮»‬‭. ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬أشعر‭ ‬به‭ ‬حين‭ ‬أنتقل‭ ‬بين‭ ‬الأمازيغية‭ ‬والعربية،‭ ‬وبين‭ ‬الشعر‭ ‬والرواية‭ ‬والمقال‭: ‬لست‭ ‬أنتقل‭ ‬بين‭ ‬أدوات‭ ‬تعبير‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أُولَد‭ ‬من‭ ‬جديد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة،‭ ‬بإنسانية‭ ‬مختلفة‭ ‬الطبقات،‭ ‬لكنها‭ ‬تحمل‭ ‬السؤال‭ ‬ذاته‭.‬

 يتوزع‭ ‬مشروعك‭ ‬بين‭ ‬أدب‭ ‬الرمز،‭ ‬والرواية‭ ‬الفلسفية،‭ ‬والديستوبيا،‭ ‬وروايات‭ ‬الذاكرة،‭ ‬والشعر‭. ‬كيف‭ ‬تولد‭ ‬فكرة‭ ‬العمل،‭ ‬وما‭ ‬الذي‭ ‬يحدد‭ ‬الشكل‭ ‬الأدبي‭ ‬الذي‭ ‬ستكتب‭ ‬من‭ ‬خلاله؟

الفكرة‭ ‬لا‭ ‬تستأذن‭ ‬أحدًا‭ ‬حين‭ ‬تأتي،‭ ‬لا‭ ‬تطرق‭ ‬الباب‭ ‬في‭ ‬موعد‭ ‬محدد،‭ ‬ولا‭ ‬تنتظر‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬جاهزًا‭ ‬لاستقبالها،‭ ‬هي،‭ ‬في‭ ‬الغالب،‭ ‬تراكمٌ‭ ‬صامتٌ‭: ‬تجارب‭ ‬عشتها‭ ‬ولم‭ ‬أفهم‭ ‬أثرها‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬سنوات،‭ ‬قصصٌ‭ ‬رأيتها‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الناس‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُروى‭ ‬بالكلام،‭ ‬تفاصيل‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬الأشياء‭ ‬العابرة‭ ‬حولي،‭ ‬ظلٌّ‭ ‬على‭ ‬جدار،‭ ‬أو‭ ‬صمتٌ‭ ‬طال‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينبغي‭ ‬في‭ ‬حديث‭ ‬عائلي،‭ ‬أو‭ ‬كلمة‭ ‬قالها‭ ‬عجوزٌ‭ ‬أو‭ ‬طفلٌ‭ ‬ولم‭ ‬يقصد‭ ‬بها‭ ‬شيئًا،‭ ‬لكنها‭ ‬استقرت‭ ‬فيّ‭ ‬كبذرة،‭ ‬وفوق‭ ‬هذا‭ ‬كله،‭ ‬قراءاتي‭ ‬منذ‭ ‬الطفولة،‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬متعة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬تُشكّل‭ ‬فيّ‭ ‬طبقات‭ ‬متراكمة‭ ‬من‭ ‬الأسئلة،‭ ‬أعود‭ ‬إليها‭ ‬اليوم‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أعي‭ ‬أحيانًا‭ ‬أنني‭ ‬أعود‭.‬

الفكرة‭ ‬إذن‭ ‬ليست‭ ‬حدثًا‭ ‬واحدًا،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬لحظة‭ ‬التقاء‭ ‬بين‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تراكم‭ ‬في‭ ‬داخلي‭ ‬وبين‭ ‬شيء‭ ‬صغير‭ ‬في‭ ‬الخارج‭ ‬يوقظه‭ ‬فجأة،‭ ‬وحين‭ ‬تأتي،‭ ‬لا‭ ‬تأتي‭ ‬عارية‭ ‬من‭ ‬الشكل،‭ ‬بل‭ ‬تأتي‭ ‬وهي‭ ‬تحمل‭ ‬بذرة‭ ‬إجابتها‭: ‬أي‭ ‬جنس‭ ‬أدبي‭ ‬يليق‭ ‬بها‭.‬

من‭ ‬أوائل‭ ‬ما‭ ‬قرأت‭ ‬كانت‭ ‬رواية‭ ‬1984‭ ‬ومزرعة‭ ‬الحيوانات‭ ‬لجورج‭ ‬أورويل،‭ ‬خمسون‭ ‬قصة‭ ‬قصيرة‭ ‬لعلي‭ ‬مصطفى‭ ‬لمصراتي،‭  ‬القرود‭ ‬للصادق‭ ‬النيهوم،‭ ‬النحول‭ ‬لكافكا‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬مكتبة‭ ‬أبي‭ ‬الكبيرة،‭ ‬وقد‭ ‬شكّلت‭ ‬وعيي‭ ‬المبكر‭ ‬بالديستوبيا‭ ‬والرواية‭ ‬في‭ ‬العموم‭ ‬كأداة‭ ‬أدبية،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أقرأ‭ ‬عالمًا‭ ‬متخيلاً‭ ‬بعيدًا‭ ‬عني،‭ ‬بل‭ ‬كنت‭ ‬أقرأ،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬أدرك‭ ‬ذلك‭ ‬تمامًا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬السن،‭ ‬انعكاسًا‭ ‬لما‭ ‬كنا‭ ‬نعيشه‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬تحت‭ ‬حكم‭ ‬‮«‬الأخ‭ ‬القائد‮»‬،‭ ‬ذلك‭ ‬الاستبداد‭ ‬الذي‭ ‬يشبه‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬مخيف‭ ‬‮«‬الأخ‭ ‬الأكبر‮»‬‭ ‬عند‭ ‬أورويل‭: ‬المراقبة،‭ ‬وتزييف‭ ‬اللغة،‭ ‬وابتلاع‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية،‭ ‬وتحويل‭ ‬الخوف‭ ‬إلى‭ ‬نظام‭ ‬حياة‭ ‬يومي،‭ ‬أتذكر‭ ‬أني‭ ‬عندما‭ ‬كنت‭ ‬طفلا‭ ‬كنت‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬القذافي‭ ‬يرانا‭ ‬عبر‭ ‬التلفاز‭ ‬في‭ ‬منازلنا‭ ‬عندما‭ ‬يلقي‭ ‬خطاباته،‭ ‬لهذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬الديستوبيا‭ ‬عندي‭ ‬خيالًا‭ ‬علميًا‭ ‬بالمعنى‭ ‬المتعارف‭ ‬عليه،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬مقنّعة،‭ ‬أستطيع‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬أن‭ ‬أقول‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُقال‭ ‬مباشرة‭.‬

أما‭ ‬اختيار‭ ‬الجنس‭ ‬الأدبي‭ ‬الذي‭ ‬سأكتب‭ ‬من‭ ‬خلاله،‭ ‬فهو‭ ‬يتوقف،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬على‭ ‬المساحة‭ ‬التي‭ ‬تتحملها‭ ‬الفكرة‭ ‬نفسها،‭ ‬فلكل‭ ‬فكرة‭ ‬جسدها‭ ‬الذي‭ ‬يناسبها،‭ ‬الرواية‭ ‬تتحمل‭ ‬المساحة‭ ‬الأكبر‭ ‬للتعبير،‭ ‬فهي‭ ‬فضاء‭ ‬رحب‭ ‬يسمح‭ ‬للفكرة‭ ‬أن‭ ‬تتنفس،‭ ‬أن‭ ‬تتفرع‭ ‬إلى‭ ‬شخصيات‭ ‬وأزمنة‭ ‬وتفاصيل‭ ‬فرعية،‭ ‬أن‭ ‬تكبر‭ ‬وتتناقض‭ ‬مع‭ ‬نفسها‭ ‬إن‭ ‬اقتضى‭ ‬الأمر،‭ ‬القصة،‭ ‬في‭ ‬المقابل،‭ ‬أكثر‭ ‬تركيزًا‭ ‬وأقل‭ ‬تفصيلاً،‭ ‬لكنها‭ ‬تعوّض‭ ‬ذلك‭ ‬بعمق‭ ‬سردي‭ ‬مكثف،‭ ‬وكأنها‭ ‬ضربة‭ ‬واحدة‭ ‬دقيقة‭ ‬بدل‭ ‬معركة‭ ‬طويلة،‭ ‬أما‭ ‬الشعر‭ ‬فهو‭ ‬عوالم‭ ‬كاملة‭ ‬تنضغط‭ ‬في‭ ‬نص‭ ‬واحد‭ ‬قصير،‭ ‬حيث‭ ‬تُقال‭ ‬الفكرة‭ ‬بأقل‭ ‬الكلمات‭ ‬وأقصى‭ ‬الإيحاء،‭ ‬فتتحول‭ ‬اللحظة‭ ‬إلى‭ ‬كون‭ ‬مصغّر‭ ‬يتّسع‭ ‬لكل‭ ‬قارئ‭ ‬بطريقته‭ ‬الخاصة‭.‬

في‭ ‬‮«‬جمهورية‭ ‬الضباع‮»‬‭ ‬و«عن‭ ‬الرجل‭ ‬الذي‭ ‬عض‭ ‬كلبًا‮»‬،‭ ‬يتحول‭ ‬الحيوان‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬للإنسان‭ ‬والسلطة‭. ‬لماذا‭ ‬اخترت‭ ‬الرمز‭ ‬وأدب‭ ‬الحيوان‭ ‬ليكونا‭ ‬مدخلًا‭ ‬لقراءة‭ ‬الواقع؟

اخترت‭ ‬الرمز‭ ‬والحيوان‭ ‬لأن‭ ‬بعض‭ ‬الحقائق‭ ‬لا‭ ‬تحتمل‭ ‬المباشرة،‭ ‬وبعض‭ ‬الاستبداد‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬مواجهته‭ ‬إلا‭ ‬بقناعٍ،‭ ‬حين‭ ‬كتبت‭ ‬جمهورية‭ ‬الضباع‭ ‬في‭ ‬طرابلس،‭ ‬قبيل‭ ‬رحيلي‭ ‬إلى‭ ‬ألمانيا‭ ‬وقبل‭ ‬سقوط‭ ‬نظام‭ ‬القذافي،‭ ‬لم‭ ‬أكن‭ ‬أملك‭ ‬رفاهية‭ ‬الكتابة‭ ‬الواقعية‭ ‬المباشرة‭ ‬عن‭ ‬السلطة‭ ‬وأدواتها؛‭ ‬فالاستبداد‭ ‬الذي‭ ‬عشناه‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يحتمل‭ ‬المرآة‭ ‬الصريحة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مرآة‭ ‬مقنّعة،‭ ‬تقول‭ ‬الحقيقة‭ ‬وهي‭ ‬تتنكر‭ ‬في‭ ‬هيئة‭ ‬حكاية‭ ‬عن‭ ‬الغابة‭.‬

الأسد‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬ليس‭ ‬أسدًا‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تجسيد‭ ‬لفكرة‭ ‬‮«‬الأخ‭ ‬الأكبر‮»‬‭ ‬و»الأخ‭ ‬القائد‮»‬‭ ‬

في‭ ‬آن،‭ ‬ذلك‭ ‬الحاكم‭ ‬الذي‭ ‬يزعم‭ ‬أن‭ ‬السماء‭ ‬لا‭ ‬تُمطر‭ ‬إلا‭ ‬أسدًا‭ ‬واحدًا‭ ‬كل‭ ‬بضع‭ ‬سنوات،‭ ‬وأن‭ ‬الأسود‭ ‬لا‭ ‬تولد‭ ‬كما‭ ‬تولد‭ ‬بقية‭ ‬المخلوقات،‭ ‬بل‭ ‬تنزل‭ ‬من‭ ‬السماء‭. ‬وحين‭ ‬يُعلن‭ ‬الأسد‭ ‬‮«‬جمهورية‭ ‬الخراف‮»‬،‭ ‬فهو‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬تلك‭ ‬المفارقة‭ ‬التي‭ ‬عشناها‭ ‬نحن‭ ‬الليبيين‭: ‬جمهوريةٌ‭ ‬أو‭ ‬جماهيريةٌ‭ ‬بالاسم،‭ ‬وقطيعٌ‭ ‬بالمعنى،‭ ‬الخراف‭ ‬هي‭ ‬‮«‬الشعب‮»‬،‭ ‬لكنها‭ ‬شعب‭ ‬لا‭ ‬يملك‭ ‬من‭ ‬الشعب‭ ‬سوى‭ ‬الاسم،‭ ‬بينما‭ ‬الحقيقة‭ ‬الفعلية‭ ‬للسلطة‭ ‬موزعة‭ ‬بين‭ ‬الكلاب‭ (‬الأجهزة‭ ‬الأمنية‭ ‬التي‭ ‬تحرس‭ ‬وتُرهب‭) ‬والضباع‭ (‬المستفيدون‭ ‬من‭ ‬النظام،‭ ‬الوسطاء‭ ‬الذين‭ ‬يقتاتون‭ ‬على‭ ‬فتات‭ ‬السلطة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يمتلكوا‭ ‬سلطة‭ ‬حقيقية‭).‬

وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬الفرق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬هذا‭ ‬العمل‭ ‬وبين‭ ‬مزرعة‭ ‬الحيوانات‭ ‬لأورويل،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬الاثنين‭ ‬ينطلقان‭ ‬من‭ ‬فكرةٍ‭ ‬قريبةٍ،‭  ‬أورويل‭ ‬كتب‭ ‬قراءة‭ ‬للثورة‭ ‬التي‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬استبداد‭ ‬جديد‭ ‬يشبه‭ ‬القديم،‭ ‬بخط‭ ‬سردي‭ ‬واضح‭ ‬يسير‭ ‬نحو‭ ‬خاتمة‭ ‬محكمة،‭ ‬أما‭ ‬جمهورية‭ ‬الضباع،‭ ‬فهي‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬ليبية‭ ‬لتلك‭ ‬الفكرة،‭ ‬لكن‭ ‬بأسلوبية‭ ‬ورمزية‭ ‬مختلفتين‭: ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬تسير‭ ‬الحكاية‭ ‬في‭ ‬خط‭ ‬واحد‭ ‬نحو‭ ‬نهاية‭ ‬واضحة،‭ ‬بل‭ ‬تتشابك‭ ‬فيها‭ ‬الولاءات‭ ‬والمصالح‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا‭ ‬وتشظيًا،‭ ‬بحيث‭ ‬لا‭ ‬يبقى‭ ‬طرف‭ ‬واحد‭ ‬‮«‬بريئًا‮»‬‭ ‬أو‭ ‬‮«‬شريرًا‭ ‬خالصًا‮»‬،‭ ‬بل‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الكائنات‭ ‬التي‭ ‬تتبادل‭ ‬الأدوار‭: ‬من‭ ‬كان‭ ‬ضحية‭ ‬يصبح‭ ‬جلادًا،‭ ‬ومن‭ ‬كان‭ ‬صامتًا‭ ‬يصبح‭ ‬شريكًا‭ ‬في‭ ‬الصمت،‭ ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬أردت‭ ‬أن‭ ‬أقوله‭ ‬عن‭ ‬السلطة‭: ‬إنها‭ ‬ليست‭ ‬فردًا‭ ‬واحدًا،‭ ‬بل‭ ‬نظام‭ ‬علاقاتٍ‭ ‬يعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬نفسه‭ ‬ما‭ ‬دامت‭ ‬‮«‬الخراف‮»‬‭ ‬مؤمنة‭ ‬بأن‭ ‬‮«‬الأسد‭ ‬دائمًا‭ ‬على‭ ‬صواب‮»‬،‭ ‬أو‭ ‬أن‭ ‬‮«‬للسماء‭ ‬مخالب‮»‬‭ ‬وهنالك‭ ‬من‭ ‬يدّعي‭ ‬امتلاكها،‭ ‬هذه‭ ‬البنية‭ ‬الدائرية،‭ ‬لا‭ ‬الخطية،‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬النص‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورات‭ ‬العربية‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬قراءة‭ ‬ثورةٍ‭ ‬واحدةٍ‭: ‬فالاستبداد‭ ‬لا‭ ‬يسقط‭ ‬مرًة‭ ‬واحدًة‭ ‬وينتهي،‭ ‬بل‭ ‬يتكرر‭ ‬بأقنعةٍ‭ ‬مختلفةٍ،‭ ‬ويعيد‭ ‬إنتاج‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرةٍ‭ ‬عبر‭ ‬من‭ ‬كانوا‭ ‬ضحاياه‭ ‬بالأمس‭.‬

أما‭ ‬القصص‭ ‬السبع‭ ‬الفلسفية‭ ‬القصيرة‭ ‬التي‭ ‬تلي‭ ‬جمهورية‭ ‬الضباع‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬نفسه،‭ ‬فقد‭ ‬كتبتها‭ ‬بأسلوب‭ ‬مختلف‭ ‬كليًا،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬كافكا‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬أورويل‭: ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬جمهورية‭ ‬الضباع‮»‬‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الحكاية‭ ‬الرمزية‭ ‬السياسية‭ ‬المباشرة‭ ‬الأثر،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬تنتقل‭ ‬من‭ ‬نقد‭ ‬السلطة‭ ‬الظاهرة‭ ‬إلى‭ ‬نقد‭ ‬السلطة‭ ‬الكامنة‭ ‬في‭ ‬الوجود‭ ‬نفسه،‭ ‬في‭ ‬اللامعقول‭ ‬اليومي،‭ ‬في‭ ‬المفارقة‭ ‬الوجودية‭ ‬التي‭ ‬يعيشها‭ ‬الإنسان‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يفهم‭ ‬قوانينها،‭ ‬تمامًا‭ ‬كما‭ ‬لم‭ ‬يفهم‭ ‬جوزيف‭ ‬ك‭ ‬في‭ ‬محاكمة‭ ‬كافكا‭ ‬سبب‭ ‬محاكمته،‭ ‬فالرمز‭ ‬الحيواني‭ ‬والأدب‭ ‬الفلسفي‭ ‬القصير‭ ‬التقيا‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الكتاب‭ ‬على‭ ‬هدف‭ ‬واحد‭: ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬السلطة،‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬سلطة‭ ‬الحاكم،‭ ‬أو‭ ‬سلطة‭ ‬العبث‭ ‬الكوني،‭ ‬عبر‭ ‬مسافةٍ‭ ‬كافيةٍ‭ ‬تسمح‭ ‬للقارئ‭ ‬أن‭ ‬يرى‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬المرآة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬أنها‭ ‬مرآة‭.‬

‬ هل‭ ‬تعتقد‭ ‬أن‭ ‬الرمز‭ ‬يمنح‭ ‬الكاتب‭ ‬حرية‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬مساءلة‭ ‬السلطة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬يحمّل‭ ‬النص‭ ‬مسؤولية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬التأويل؟

الرمز‭ ‬يمنح‭ ‬الكاتب‭ ‬حرية‭ ‬أوسع‭ ‬بلا‭ ‬شك،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭ ‬يضع‭ ‬القارئ‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولية‭ ‬أكبر‭ ‬في‭ ‬التأويل،‭ ‬وهذه‭ ‬ليست‭ ‬خسارة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬جوهر‭ ‬ما‭ ‬يجعل‭ ‬النص‭ ‬حيًا‭ ‬يتجدد‭ ‬مع‭ ‬كل‭ ‬قراءة،‭ ‬حين‭ ‬يكتب‭ ‬الكاتب‭ ‬عن‭ ‬أسد‭ ‬وضباع‭ ‬وخراف،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يهرب‭ ‬من‭ ‬السلطة،‭ ‬بل‭ ‬يحاصرها‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬لا‭ ‬تملك‭ ‬فيها‭ ‬أدواتها‭ ‬الرقابية‭ ‬مفردات‭ ‬لمصادرته؛‭ ‬فكيف‭ ‬تُحاكم‭ ‬كاتبًا‭ ‬لأنه‭ ‬وصف‭ ‬غابة؟

وكما‭ ‬قال‭ ‬الأديب‭ ‬الأرجنتيني‭ ‬خورخي‭ ‬لويس‭ ‬بورخيس‭: ‬‮«‬الرقابة‭ ‬هي‭ ‬أم‭ ‬الاستعارة‮»‬،‭ ‬فحين‭ ‬يُغلق‭ ‬الباب‭ ‬أمام‭ ‬القول‭ ‬المباشر،‭ ‬يجد‭ ‬الأدب‭ ‬لنفسه‭ ‬بابًا‭ ‬خلفيًا‭ ‬هو‭ ‬الرمز،‭ ‬ويتحول‭ ‬القمع‭ ‬نفسه،‭ ‬عكس‭ ‬ما‭ ‬يظنه‭ ‬القامع،‭ ‬إلى‭ ‬مولّد‭ ‬للمعنى‭ ‬لا‭ ‬قاتل‭ ‬له،‭ ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬دفعني،‭ ‬وأنا‭ ‬أكتب‭ ‬‮«‬جمهورية‭ ‬الضباع‮»‬‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬تحت‭ ‬سقف‭ ‬نظام‭ ‬لا‭ ‬يحتمل‭ ‬المباشرة،‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬أجعل‭ ‬من‭ ‬الغابة‭ ‬مسرحًا‭: ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬الرمز‭ ‬اختيارًا‭ ‬جماليًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬شرط‭ ‬الكتابة‭ ‬نفسها‭ ‬ليصل‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬القارئ‭ ‬سليمًا،‭ ‬وليصل‭ ‬الكاتب‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭ ‬سليمًا‭ ‬أيضًا‭.‬

‬ في‭ ‬‮«‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬كهف‭ ‬أفلاطون‮»‬،‭ ‬تستدعي‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬المجازات‭ ‬الفلسفية‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬دفعك‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬قراءة‭ ‬كهف‭ ‬أفلاطون‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬معاصر؟

أفلاطون‭ ‬أغلق‭ ‬حكايته‭ ‬عند‭ ‬اللحظة‭ ‬الأخطر‭: ‬عند‭ ‬مقتل‭ ‬العائد،‭ ‬عند‭ ‬انتصار‭ ‬الظل‭ ‬على‭ ‬من‭ ‬رآى‭ ‬النور،‭ ‬وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬أثار‭ ‬قلقي‭ ‬كقارئ‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يثير‭ ‬فضولي‭ ‬ككاتب‭: ‬لماذا‭ ‬

توقفت‭ ‬الحكاية‭ ‬هناك؟‭ ‬لماذا‭ ‬اكتفى‭ ‬الفيلسوف‭ ‬بإدانة‭ ‬الجهل،‭ ‬ولم‭ ‬يجرؤ‭ ‬على‭ ‬مساءلة‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬يُقتنع‭ ‬السجناء،‭ ‬افتراضًا،‭ ‬بأن‭ ‬هناك‭ ‬عالمًا‭ ‬آخر؟‭ ‬الفلسفة‭ ‬الكلاسيكية،‭ ‬في‭ ‬تصوري،‭ ‬أنجزت‭ ‬نصف‭ ‬المهمة‭: ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬موجودة‭ ‬خارج‭ ‬الكهف،‭ ‬لكنها‭ ‬لم‭ ‬تجرؤ‭ ‬على‭ ‬السؤال‭ ‬الأصعب‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬خرجنا؟‭ ‬هل‭ ‬الخروج‭ ‬من‭ ‬الظل‭ ‬هو‭ ‬الخلاص،‭ ‬أم‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬انتقال‭ ‬إلى‭ ‬كهفٍ‭ ‬آخر‭ ‬أوسع،‭ ‬بلا‭ ‬سقف،‭ ‬لكن‭ ‬بأغلالٍ‭ ‬أشد‭ ‬خفاءً؟

هذا‭ ‬ما‭ ‬دفعني‭ ‬لكتابة‭ ‬‮«‬العودة‭ ‬إلى‭ ‬كهف‭ ‬أفلاطون‮»‬‭: ‬لم‭ ‬أرد‭ ‬أن‭ ‬أعيد‭ ‬سرد‭ ‬المجاز،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬أكمله‭ ‬من‭ ‬نقطة‭ ‬سكوته‭. ‬فحين‭ ‬يُقتل‭ ‬الرجل‭ ‬الأعرج،‭ ‬لا‭ ‬تنتهي‭ ‬المأساة،‭ ‬بل‭ ‬تبدأ‭ ‬مأساة‭ ‬أعمق‭: ‬مأساة‭ ‬الفكرة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تموت‭ ‬رغم‭ ‬قتل‭ ‬صاحبها،‭ ‬الفكرة‭ ‬تتسرب‭ ‬من‭ ‬رأسٍ‭ ‬إلى‭ ‬رأس،‭ ‬كالعدوى‭ ‬النبيلة،‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬إلى‭ ‬أكبرهم‭ ‬حكمةً‭ ‬وأشدهم‭ ‬تمسكًا‭ ‬بالظل،‭ ‬وهذا‭ ‬بالتحديد‭ ‬ما‭ ‬يعنيه‭ ‬لي‭ ‬‮«‬المعاصرة‮»‬‭ ‬هنا‭: ‬أن‭ ‬الاستبداد‭ ‬لا‭ ‬يُهزم‭ ‬بمقتل‭ ‬معارضٍ‭ ‬واحد،‭ ‬لأن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬طرحه‭ ‬يستمر‭ ‬في‭ ‬الدوران‭ ‬في‭ ‬العقول‭ ‬الصامتة‭.‬

لكن‭ ‬الأهم‭ ‬من‭ ‬مسألة‭ ‬الخروج‭ ‬نفسها،‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬اكتشفته‭ ‬شخصياتي‭ ‬حين‭ ‬خرجت‭: ‬أن‭ ‬الظلال‭ ‬لا‭ ‬تختفي‭ ‬خارج‭ ‬الكهف،‭ ‬بل‭ ‬تتغير‭ ‬هيئتها‭ ‬فقط،‭ ‬القرية‭ ‬التي‭ ‬يشتعل‭ ‬فيها‭ ‬الغضب‭ ‬بلا‭ ‬سبب،‭ ‬والمدينة‭ ‬التي‭ ‬تشتري‭ ‬الضمائر،‭ ‬والمأدبة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تشبع،‭ ‬والمرآة‭ ‬التي‭ ‬تكشف‭ ‬الحسد‭ ‬–‭ ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬خارج‭ ‬الكهف،‭ ‬إنها‭ ‬كهوفٌ‭ ‬أخرى،‭ ‬أشد‭ ‬قسوة‭ ‬لأنها‭ ‬بلا‭ ‬قضبان‭ ‬مرئيةٍ،‭ ‬هنا‭ ‬بالضبط‭ ‬تكمن‭ ‬الفكرة‭ ‬الفلسفية‭ ‬التي‭ ‬أردت‭ ‬اختبارها‭: ‬أن‭ ‬التحرر‭ ‬من‭ ‬قيدٍ‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬التحرر‭ ‬المطلق،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬اكتشاف‭ ‬أن‭ ‬الأقفاص‭ ‬متعددة‭ ‬الطبقات،‭ ‬وأن‭ ‬‮«‬الخطايا‭ ‬السبع‮»‬‭ ‬هي‭ ‬الكهوف‭ ‬الحقيقية‭ ‬التي‭ ‬يبنيها‭ ‬الإنسان‭ ‬بيديه‭ ‬حين‭ ‬يظن‭ ‬نفسه‭ ‬حرًّا‭.‬

أما‭ ‬لماذا‭ ‬اخترت‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬تحديدًا‭ ‬الآن،‭ ‬في‭ ‬زمننا،‭ ‬فلأنني‭ ‬أرى‭ ‬من‭ ‬حولي‭ ‬–‭ ‬في‭ ‬المنفى،‭ ‬في‭ ‬الهوية‭ ‬الممتدة‭ ‬بين‭ ‬الأمازيغية‭ ‬والعربية‭ ‬والألمانية،‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الليبية‭ ‬المثقلة‭ ‬بالطمس‭ ‬والإنكار،‭ ‬أناسًا‭ ‬يخرجون‭ ‬من‭ ‬كهوفٍ‭ ‬سياسية‭ ‬أو‭ ‬دينية‭ ‬أو‭ ‬قومية،‭ ‬ليكتشفوا‭ ‬أن‭ ‬العالم‭ ‬‮«‬الحر‮»‬‭ ‬يطلب‭ ‬منهم‭ ‬ثمنًا‭ ‬آخر‭: ‬أن‭ ‬يبيعوا‭ ‬اسمهم،‭ ‬أو‭ ‬ضميرهم،‭ ‬أو‭ ‬ذاكرتهم،‭ ‬لذلك‭ ‬جعلت‭ ‬‮«‬تيدت‮»‬‭ ‬الطفلة‭ ‬التي‭ ‬خرجت‭ ‬أولًا‭ ‬دون‭ ‬قرار‭ ‬جماعي،‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬تبقى‭ ‬عند‭ ‬عتبة‭ ‬الكهف‭ ‬تُغنّي،‭ ‬لا‭ ‬لأنها‭ ‬تفرض‭ ‬الحقيقة،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬تعرف‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬لا‭ ‬تُكتشف‭ ‬دفعةً‭ ‬واحدةً،‭ ‬وأن‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬يهربون‭ ‬من‭ ‬النور‭ ‬سيحتاجون،‭ ‬كما‭ ‬كتبتُ،‭ ‬أن‭ ‬يعودوا‭ ‬إليه‭ ‬‮«‬مرة‭ ‬ثانية،‭ ‬وثالثة،‭ ‬وعاشرة‮»‬‭.‬

وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬حين‭ ‬يقرر‭ ‬أهل‭ ‬الكهف‭ ‬العودة‭ ‬طوعًا‭ ‬إلى‭ ‬العتمة،‭ ‬لم‭ ‬أكتب‭ ‬ذلك‭ ‬كهزيمة،‭ ‬بل‭ ‬كسؤالٍ‭ ‬مفتوحٍ‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬القارئ‭: ‬هل‭ ‬‮«‬الحرية‮»‬‭ ‬التي‭ ‬نبحث‭ ‬عنها‭ ‬فعلًا‭ ‬هي‭ ‬الحقيقة،‭ ‬أم‭ ‬أنها‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬بالنسبة‭ ‬لهم‭ ‬وهمٌ‭ ‬آخر‭ ‬لم‭ ‬نكتشف‭ ‬ثقله‭ ‬بعد؟

‭.‬ إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬يمكن‭ ‬للرواية‭ ‬أن‭ ‬تحمل‭ ‬أسئلة‭ ‬فلسفية‭ ‬عميقة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬تفقد‭ ‬متعتها‭ ‬السردية‭ ‬أو‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬خطاب‭ ‬فكري‭ ‬مباشر؟

إلى‭ ‬مدى‭ ‬بعيد‭ ‬جدًا،‭ ‬بشرط‭ ‬واحد‭: ‬أن‭ ‬تذوب‭ ‬الفكرة‭ ‬الفلسفية‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬السرد،‭ ‬لا‭ ‬أن‭ ‬تطفو‭ ‬فوقه،‭ ‬الرواية‭ ‬ليست‭ ‬وعاء‭ ‬لنقل‭ ‬أطروحة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬الأطروحة‭ ‬نفسها‭ ‬وقد‭ ‬اكتسبت‭ ‬لحمًا‭ ‬ودمًا‭ ‬وأسماء‭ ‬وأمكنة‭ ‬ومشاعر‭ ‬ودراما‭ ‬إذا‭ ‬صح‭ ‬القول،‭ ‬حين‭ ‬تشعر‭ ‬أن‭ ‬الشخصية‭ ‬تتحرك‭ ‬لتخدم‭ ‬فكرة‭ ‬الكاتب‭ ‬لا‭ ‬منطقها‭ ‬الداخلي،‭ ‬ينكسر‭ ‬السحر،‭ ‬ويتحول‭ ‬النص‭ ‬إلى‭ ‬محاضرةٍ‭ ‬متخفيةٍ‭.‬

وكما‭ ‬يقول‭ ‬ألبير‭ ‬كامو‭: ‬‮«‬الرواية‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬فلسفة‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬صور،‭ ‬وفي‭ ‬الرواية‭ ‬الجيدة،‭ ‬تكون‭ ‬الفلسفة‭ ‬كلها‭ ‬قد‭ ‬انتقلت‭ ‬إلى‭ ‬داخل‭ ‬الصور‮»‬‭. ‬فإن‭ ‬طفحت‭ ‬الفكرة‭ ‬على‭ ‬الشخوص‭ ‬والأحداث‭ ‬حتى‭ ‬بدت‭ ‬وكأنها‭ ‬لافتة‭ ‬مُلصقة‭ ‬على‭ ‬العمل،‭ ‬فقد‭ ‬الحدث‭ ‬مصداقيته‭ ‬وفقدت‭ ‬الرواية‭ ‬حياتها،‭ ‬أنا‭ ‬أكتب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭ ‬بالضبط‭: ‬أترك‭ ‬السؤال‭ ‬الفلسفي‭ ‬يسكن‭ ‬الشخصية‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتصدر‭ ‬المشهد،‭ ‬ويبقى‭ ‬القارئ‭ ‬يعيش‭ ‬القصة‭ ‬أولاً،‭ ‬ثم‭ ‬يكتشف،‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يشعر‭ ‬بالوعظ،‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يفكر‭ ‬معي‭ ‬طوال‭ ‬الوقت‭.‬

 في‭ ‬سلسلة‭ ‬رواياتك‭ ‬الديستوبية،‭ ‬يبدو‭ ‬المستقبل‭ ‬امتدادًا‭ ‬لأسئلة‭ ‬الحاضر‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬خيالًا‭ ‬علميًا‭. ‬ما‭ ‬الذي‭ ‬يشغلك‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الكتابة؟

حين‭ ‬تٌكتب‭ ‬الديستوبيا‭ ‬على‭ ‬مهل،‭ ‬وعلى‭ ‬مدى‭ ‬عقدين‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬مع‭ ‬روايتي‭ ‬الأولى‭ ( ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الهرمجدون‭ )‬،‭ ‬تكتشف‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬تخييلًا‭ ‬حين‭ ‬بدأت‭ ‬الكتابة،‭ ‬صار‭ ‬وقائع‭ ‬فعلية‭ ‬

حين‭ ‬أكملتها؛‭ ‬التغير‭ ‬المناخي،‭ ‬انهيار‭ ‬أنظمة‭ ‬الرعاية‭ ‬الصحية،‭ ‬تصاعد‭ ‬المراقبة‭ ‬الرقمية،‭ ‬تجريم‭ ‬الاختلاف،‭ ‬وأزمات‭ ‬اللجوء‭ ‬والهجرة،‭ ‬كلها‭ ‬أشياء‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬خيال‭ ‬علمي‭ ‬ليتنبأ‭ ‬بها،‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬تتسلل‭ ‬من‭ ‬نشرات‭ ‬الأخبار‭ ‬إلى‭ ‬صفحات‭ ‬الرواية‭.‬

ما‭ ‬يشغلني‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬الديستوبيا‭: ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬المستقبل‭ ‬بوصفه‭ ‬عالمًا‭ ‬غريبًا‭ ‬مختلفًا‭ ‬عنا،‭ ‬بل‭ ‬أكتبه‭ ‬بوصفه‭ ‬استكمالًا‭ ‬منطقيًا‭ ‬لأسئلة‭ ‬نعيشها‭ ‬الآن‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬نجرؤ‭ ‬على‭ ‬متابعتها‭ ‬حتى‭ ‬نهايتها‭: ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬استمر‭ ‬الجشع‭ ‬الاقتصادي؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬تحول‭ ‬الدين،‭ ‬بدل‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬خلاصًا،‭ ‬إلى‭ ‬تهمة؟‭ ‬ماذا‭ ‬لو‭ ‬صار‭ ‬الانتماء‭ ‬لعالم‭ ‬‮«‬الموجودين‮»‬‭ ‬أو‭ ‬عالم‭ ‬‮«‬اللاموجودين‮»‬‭ ‬مجرد‭ ‬مسألة‭ ‬جغرافيا‭ ‬وحظ؟

وتحضرني‭ ‬هنا‭ ‬مقولة‭ ‬الأديبة‭ ‬الكندية‭ ‬مارغريت‭ ‬أتوود،‭ ‬التي‭ ‬وضعت‭ ‬لنفسها‭ ‬قاعدة‭ ‬صارمة‭ ‬أثناء‭ ‬كتابة‭ ‬روايتها‭ ‬الديستوبية‭ ‬الشهيرة‭: ‬‮«‬لن‭ ‬أُدخل‭ ‬في‭ ‬الكتاب‭ ‬أي‭ ‬حدث‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬قد‭ ‬وقع‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬أسماه‭ ‬جيمس‭ ‬جويس‭ (‬كابوس‭ ‬التاريخ‭)‬،‭ ‬ولا‭ ‬أي‭ ‬تقنية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬موجودة‭ ‬أصلًا‮»‬،‭ – ‬رغم‭ ‬مخالفتي‭ ‬لها‭ ‬بشكلٍ‭ ‬يحتمل‭ ‬توقع‭ ‬الحدوث‭ ‬في‭ ‬رواياتي‭ ‬اللاحقة‭ ‬خصوصا‭ ‬الطوفان‭ ‬الرقمي،‭ ‬الولادة‭ ‬الثانية‭ ‬والمواطن‭ ‬صفر‭-‬،‭ ‬نبوءة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الإنسان،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬بالضبط‭ ‬فلسفتي‭ ‬في‭ ‬كتابة‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬الأدبي‭: ‬الديستوبيا‭ ‬الصادقة‭ ‬ليست‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تخترع‭ ‬كوابيس‭ ‬من‭ ‬العدم،‭ ‬بل‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬تأخذ‭ ‬كوابيس‭ ‬حاضرنا‭ ‬الفعلية،‭ ‬وتسمح‭ ‬لها‭ ‬فقط‭ ‬بأن‭ ‬تكمل‭ ‬مسارها‭ ‬الطبيعي‭ ‬حتى‭ ‬النهاية‭ ‬التي‭ ‬نتجنب‭ ‬النظر‭ ‬إليها‭.‬

 تتناول‭ ‬أعمالك‭ ‬قضايا‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي،‭ ‬والهندسة‭ ‬الوراثية،‭ ‬وما‭ ‬بعد‭ ‬الإنسان‭. ‬برأيك،‭ ‬هل‭ ‬أصبح‭ ‬الأدب‭ ‬مطالبًا‭ ‬بمواكبة‭ ‬التحولات‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬الكبرى؟

نعم،‭ ‬أصبح‭ ‬الأدب‭ ‬مطالبًا‭ ‬بذلك،‭ ‬ليس‭ ‬لأنه‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬تقرير‭ ‬علمي‭ ‬أو‭ ‬نشرة‭ ‬تقنية،‭ ‬بل‭ ‬لأن‭ ‬الأسئلة‭ ‬الوجودية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬كان‭ ‬يطرحها‭ ‬الأدب‭ ‬منذ‭ ‬آلاف‭ ‬السنين،‭ ‬صار‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬المستحيل‭ ‬طرحها‭ ‬دون‭ ‬المرور‭ ‬عبر‭ ‬التكنولوجيا‭: ‬من‭ ‬نحن؟‭ ‬وماذا‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬حين‭ ‬تتدخل‭ ‬الآلة‭ ‬في‭ ‬تعريفه؟‭ ‬حين‭ ‬لا‭ ‬يعود‭ ‬الإنجاب‭ ‬قرارًا‭ ‬شخصيًا‭ ‬بل‭ ‬تصريحًا‭ ‬تمنحه‭ ‬جهة‭ ‬ما،‭ ‬فهذا‭ ‬ليس‭ ‬خيالًا‭ ‬تقنيًا،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬سؤال‭ ‬فلسفي‭ ‬قديم‭ ‬قدم‭ ‬الإنسان‭ (‬من‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬الحياة؟‭ ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬منحها‭ ‬أو‭ ‬حجبها؟‭) ‬وقد‭ ‬ارتدى‭ ‬اليوم‭ ‬لباسًا‭ ‬معاصرًا‭: ‬خوارزميات‭ ‬وأساور‭ ‬رقمية‭ ‬بدل‭ ‬الأساطير‭ ‬والمحرمات‭ ‬القديمة،‭ ‬وحين‭ ‬يتحول‭ ‬الغذاء‭ ‬نفسه‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬تحسبها‭ ‬خوارزمية‭ ‬توزيع،‭ ‬فالسؤال‭ ‬الحقيقي‭ ‬ليس‭ ‬تقنيًا‭ ‬بل‭ ‬إنسانيًا‭ ‬في‭ ‬جوهره‭: ‬من‭ ‬يقرر‭ ‬من‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يأكل،‭ ‬ومن‭ ‬يستحق‭ ‬أن‭ ‬يُهمَّش؟

وهنا‭ ‬يكمن‭ ‬الفرق‭ ‬الجوهري‭ ‬بين‭ ‬توظيف‭ ‬العلم‭ ‬في‭ ‬الرواية‭ ‬وبين‭ ‬الانبهار‭ ‬به‭. ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬عن‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬والهندسة‭ ‬الوراثية‭ ‬بوصفهما‭ ‬عجائب‭ ‬تقنية‭ ‬تستحق‭ ‬التوثيق‭ ‬أو‭ ‬الاحتفاء،‭ ‬بل‭ ‬بوصفهما‭ ‬الشكل‭ ‬الجديد‭ ‬الذي‭ ‬تتخذه‭ ‬أسئلة‭ ‬قديمة‭ ‬قدم‭ ‬الأدب‭ ‬نفسه‭: ‬السلطة،‭ ‬والملكية،‭ ‬والجسد،‭ ‬والحرية،‭ ‬ومن‭ ‬يملك‭ ‬حق‭ ‬تعريف‭ ‬الإنسان‭ ‬وتصنيفه‭. ‬التكنولوجيا‭ ‬في‭ ‬نصوصي‭ ‬ليست‭ ‬بطلة‭ ‬القصة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬المرآة‭ ‬التي‭ ‬تكشف،‭ ‬بقسوة‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬زمن‭ ‬سابق،‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬مدى‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬الأنظمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والسياسية‭ ‬إلى‭ ‬آلات‭ ‬لا‭ ‬ترحم‭ ‬حين‭ ‬تُمنح‭ ‬أدوات‭ ‬لا‭ ‬تخطئ‭.‬

وهذا‭ ‬هو‭ ‬نفس‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬سلكته‭ ‬أعمال‭ ‬كبرى‭ ‬سبقتني،‭ ‬بل‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬هذا‭ ‬التقليد‭ ‬الأدبي‭ ‬وُلد‭ ‬قبل‭ ‬قرنين‭ ‬من‭ ‬الزمن،‭ ‬حين‭ ‬كتبت‭ ‬ماري‭ ‬شيلي‭ ‬روايتها‭ ‬فرانكشتاين‭: ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬تلك‭ ‬الرواية،‭ ‬في‭ ‬جوهرها،‭ ‬عن‭ ‬العلم‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬عن‭ ‬الغرور‭ ‬الإنساني‭ ‬حين‭ ‬يظن‭ ‬أنه‭ ‬يستطيع‭ ‬خلق‭ ‬الحياة‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬يتحمل‭ ‬مسؤوليتها‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬ثم‭ ‬جاء‭ ‬أدلوس‭ ‬هكسلي‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬جديد‭ ‬شجاع‭ ‬ليكتب،‭ ‬لا‭ ‬عن‭ ‬الهندسة‭ ‬الوراثية‭ ‬لذاتها،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬السعادة‭ ‬القسرية‭ ‬التي‭ ‬تُصنع‭ ‬في‭ ‬المختبر‭ ‬وتُفرض‭ ‬على‭ ‬الجميع‭ ‬باسم‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وكازوو‭ ‬إيشيغورو‭ ‬في‭ ‬لا‭ ‬تدعني‭ ‬أذهب‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يكتب‭ ‬عن‭ ‬الاستنساخ‭ ‬كتقنية،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬إنسانًا‭ ‬حين‭ ‬يُقرر‭ ‬آخرون‭ ‬أن‭ ‬جسدك‭ ‬مجرد‭ ‬قطع‭ ‬غيار‭ ‬مؤجلة‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال،‭ ‬العلم‭ ‬حاضر،‭ ‬لكنه‭ ‬ليس‭ ‬الموضوع؛‭ ‬الموضوع‭ ‬هو‭ ‬الإنسان‭ ‬وهو‭ ‬يواجه‭ ‬نتائج‭ ‬طموحه‭.‬

وأجد‭ ‬في‭ ‬كلمات‭ ‬الأمريكي‭ ‬راي‭ ‬برادبوري،‭ ‬مؤلف‭ ‬فهرنهايت‭ ‬451،‭ ‬أدق‭ ‬تعبير‭ ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬الوظيفة‭ ‬الأدبية‭: ‬‮«‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أحاول‭ ‬التنبؤ‭ ‬بالمستقبل،‭ ‬أنا‭ ‬أحاول‭ ‬منعه‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬الروح‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬أحاول‭ ‬أن‭ ‬أكتب‭ ‬بها،‭ ‬فالأدب،‭ ‬حين‭ ‬يواكب‭ ‬العلم،‭ ‬لا‭ ‬يفعل‭ ‬ذلك‭ ‬ليتباهى‭ ‬بمعرفته‭ ‬التقنية‭ ‬أو‭ ‬ليتحول‭ ‬إلى‭ ‬كاتالوج‭ ‬للاختراعات‭ ‬المستقبلية،‭ ‬بل‭ ‬ليقف‭ ‬حارسًا‭ ‬أخلاقيًا‭ ‬أمام‭ ‬تسارع‭ ‬لا‭ ‬يمهل‭ ‬أحدًا‭ ‬وقتًا‭ ‬للسؤال‭: ‬هل‭ ‬هذا‭ ‬التقدم‭ ‬يخدم‭ ‬الإنسان‭ ‬فعلًا،‭ ‬أم‭ ‬يعيد‭ ‬تعريفه‭ ‬وتفكيكه‭ ‬حتى‭ ‬يصبح‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬في‭ ‬معادلة،‭ ‬أو‭ ‬خانة‭ ‬في‭ ‬جدول‭ ‬بيانات؟‭ ‬فكلما‭ ‬تسارع‭ ‬العلم،‭ ‬ازدادت‭ ‬حاجتنا‭ ‬إلى‭ ‬من‭ ‬يوقفه‭ ‬للحظة،‭ ‬ليسأل‭: ‬ولماذا‭ ‬نفعل‭ ‬هذا‭ ‬أصلًا؟،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬في‭ ‬مقدمة‭ ‬روايتي‭ ( ‬الإبادة،‭ ‬البروتوكول‭ ‬صفر‭) ‬حين‭ ‬قلت‭ : ‬‮«‬إن‭ ‬صدقت‭ ‬هذه‭ ‬الديستوبيا،‭ ‬فلا‭ ‬تجعلها‭ ‬تحدث‮»‬

‬ هل‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬المستقبل‭ ‬الذي‭ ‬ترسمه‭ ‬في‭ ‬رواياتك‭ ‬احتمال‭ ‬وارد،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬استعارة‭ ‬أدبية‭ ‬لتحذير‭ ‬الإنسان‭ ‬من‭ ‬المسار‭ ‬الذي‭ ‬يسلكه‭ ‬اليوم؟

لا‭ ‬أعتقد‭ ‬أن‭ ‬على‭ ‬الكاتب‭ ‬أن‭ ‬يختار‭ ‬بين‭ ‬الاحتمالين،‭ ‬لأن‭ ‬الديستوبيا‭ ‬الجيدة،‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظري،‭ ‬تعيش‭ ‬بالضبط‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المنطقة‭ ‬الرمادية‭ ‬بينهما،‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أدّعي‭ ‬أنني‭ ‬أتنبأ‭ ‬بمستقبل‭ ‬حتمي،‭ ‬فلست‭ ‬عرّافًا،‭ ‬لكنني‭ ‬أيضًا‭ ‬لا‭ ‬أكتب‭ ‬استعارة‭ ‬مجردة‭ ‬بلا‭ ‬صلة‭ ‬بالواقع؛‭ ‬فكل‭ ‬تفصيلة‭ ‬في‭ ‬عوالمي‭ ‬المتخيلة،‭ ‬مهما‭ ‬بدت‭ ‬غرائبية،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬امتداد‭ ‬منطقي‭ ‬لبذرة‭ ‬موجودة‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬اليوم‭: ‬في‭ ‬اقتصادنا،‭ ‬في‭ ‬علاقتنا‭ ‬بالتكنولوجيا،‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬نسمح‭ ‬بها‭ ‬للسلطة،‭ ‬أيًا‭ ‬كان‭ ‬شكلها،‭ ‬بأن‭ ‬تتمدد‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينبغي‭.‬

وكما‭ ‬كتب‭ ‬الأديب‭ ‬البريطاني‭ ‬ألدوس‭ ‬هكسلي،‭ ‬صاحب‭ ‬رواية‭ ‬عالم‭ ‬جديد‭ ‬شجاع،‭ ‬بعد‭ ‬نحو‭ ‬ثلاثين‭ ‬عامًا‭ ‬من‭ ‬نشرها،‭ ‬في‭ ‬مقالة‭ ‬أعاد‭ ‬فيها‭ ‬النظر‭ ‬إلى‭ ‬نبوءاته‭: ‬‮«‬إن‭ ‬النبوءات‭ ‬التي‭ ‬أطلقتها‭ ‬سنة‭ ‬1931‭ ‬تتحقق‭ ‬أسرع‭ ‬بكثير‭ ‬مما‭ ‬كنت‭ ‬أتصور‮»‬،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هكسلي‭ ‬يفتخر‭ ‬بموهبة‭ ‬العرافة،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يحذر‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬تصوره‭ ‬خيالًا‭ ‬بعيدًا،‭ ‬صار‭ ‬واقعًا‭ ‬متسارعًا‭ ‬بفعل‭ ‬قرارات‭ ‬بشريةٍ‭ ‬بسيطةٍ،‭ ‬تراكمت‭ ‬دون‭ ‬أن‭ ‬ينتبه‭ ‬أحد‭ ‬لخطورتها‭ ‬مجتمعة‭.‬

وهذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬يشغلني‭: ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أرسم‭ ‬المستقبل‭ ‬لأنني‭ ‬أعرفه،‭ ‬بل‭ ‬أرسمه‭ ‬لأنني‭ ‬أخشى‭ ‬أن‭ ‬يتحقق،‭ ‬وأكتب‭ ‬لأزرع‭ ‬في‭ ‬القارئ‭ ‬ذلك‭ ‬القلق‭ ‬المبكر‭ ‬الذي‭ ‬قد‭ ‬يدفعه،‭ ‬أو‭ ‬يدفع‭ ‬مجتمعه،‭ ‬إلى‭ ‬تغيير‭ ‬مسارٍ‭ ‬صغيرٍ‭ ‬الآن،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتحول‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬الصغير،‭ ‬بعد‭ ‬عقودٍ،‭ ‬إلى‭ ‬قدر‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬منه‭.‬

‬ في‭ ‬ديوانك‭ ‬الأمازيغي‭ ‬‮«‬آكَاط‮»‬،‭ ‬تحضر‭ ‬الأرض‭ ‬واللغة‭ ‬والذاكرة‭ ‬والطفولة‭ ‬بقوة‭. ‬ماذا‭ ‬تمثل‭ ‬لك‭ ‬الكتابة‭ ‬بالأمازيغية،‭ ‬وماذا‭ ‬تضيف‭ ‬إلى‭ ‬تجربتك‭ ‬الأدبية؟

الأمازيغية‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬ليست‭ ‬عنوانًا‭ ‬للتفوق‭ ‬العرقي،‭ ‬ولا‭ ‬سلاحًا‭ ‬في‭ ‬تنافس‭ ‬قبلي‭ ‬حول‭ ‬من‭ ‬يملك‭ ‬الأحقية‭ ‬التاريخية‭ ‬في‭ ‬المكان،‭ ‬هي،‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬عنوانٌ‭ ‬لقول‭ ‬لا‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الاستبداد،‭ ‬وإعلانٌ‭ ‬لقبول‭ ‬الاختلاف،‭ ‬حين‭ ‬أكتب‭ ‬بالأمازيغية،‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أطالب‭ ‬بامتيازٍ‭ ‬أو‭ ‬أصالةٍ‭ ‬أعلى‭ ‬من‭ ‬غيري،‭ ‬بل‭ ‬أطالب‭ ‬بحياد‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬تجاه‭ ‬الاختلاف،‭ ‬حياد‭ ‬لا‭ ‬يفرض‭ ‬على‭ ‬أحد‭ ‬أن‭ ‬يذوب‭ ‬في‭ ‬هوية‭ ‬واحدة‭ ‬كي‭ ‬يُعترف‭ ‬بوجوده‭.‬

أنا‭ ‬أمازيغي،‭ ‬لا‭ ‬لأنني‭ ‬أفضل‭ ‬أو‭ ‬أقدم‭ ‬أو‭ ‬أكثر‭ ‬أصالة‭ ‬من‭ ‬غيري،‭ ‬بل‭ ‬ببساطة‭ ‬لأنني‭ ‬مختلف،‭ ‬وهذه‭ ‬هي‭ ‬طبيعة‭ ‬البشر‭ ‬جميعًا‭: ‬كلنا‭ ‬مختلفون،‭ ‬وكل‭ ‬واحد‭ ‬منا‭ ‬يحمل‭ ‬هوية‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬جوهرها‭ ‬تراكم‭ ‬طبقات،‭ ‬لا‭ ‬طبقة‭ ‬واحدة‭ ‬مفروضة‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬الهوية‭ ‬عندي‭ ‬ليست‭ ‬جدارًا‭ ‬نتحصن‭ ‬خلفه،‭ ‬بل‭ ‬تراثًا‭ ‬متراكمًا‭ ‬يتقاطع‭ ‬فيه‭ ‬الفرد‭ ‬مع‭ ‬لغته،‭ ‬وأرضه،‭ ‬وذاكرته،‭ ‬وطفولته،‭ ‬وكل‭ ‬محاولة‭ ‬لفرض‭ ‬طبقة‭ ‬واحدة‭ ‬على‭ ‬الجميع،‭ ‬سواء‭ ‬باسم‭ ‬القومية‭ ‬أو‭ ‬باسم‭ ‬الأغلبية‭ ‬أو‭ ‬باسم‭ ‬الأصالة،‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬محاولة‭ ‬لإلغاء‭ ‬الجميع،‭ ‬لأنها‭ ‬تُسقط‭ ‬عن‭ ‬كل‭ ‬فرد‭ ‬تفرّده‭ ‬الخاص‭ ‬لصالح‭ ‬قالب‭ ‬جاهز‭ ‬لا‭ ‬يشبه‭ ‬أحدًا‭ ‬بالكامل‭.‬

وكما‭ ‬يقول‭ ‬الكاتب‭ ‬اللبناني‭ ‬الفرنسي‭ ‬أمين‭ ‬معلوف،‭ ‬وهو‭ ‬نفسه‭ ‬ابن‭ ‬هويات‭ ‬متعددة‭: ‬‮«‬الهوية‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تقسيمها‭ ‬إلى‭ ‬نصفين‭ ‬أو‭ ‬أثلاث،‭ ‬ولا‭ ‬وضع‭ ‬حدود‭ ‬واضحة‭ ‬لها،‭ ‬أنا‭ ‬لا‭ ‬أملك‭ ‬عدة‭ ‬هويات،‭ ‬بل‭ ‬أملك‭ ‬هوية‭ ‬واحدة،‭ ‬مصنوعة‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬العناصر‭ ‬التي‭ ‬شكّلت‭ ‬نسبها‭ ‬الفريدة‮»‬،‭ ‬هذا‭ ‬بالضبط‭ ‬ما‭ ‬تمثله‭ ‬الأمازيغية‭ ‬في‭ ‬تجربتي‭: ‬ليست‭ ‬هوية‭ ‬منفصلة‭ ‬تتنافس‭ ‬مع‭ ‬عروبتي‭ ‬أو‭ ‬ليبيتي‭ ‬أو‭ ‬ألمانيتي‭ ‬اللاحقة‭ ‬أو‭ ‬انسانيتي‭ ‬الأشمل،‭ ‬بل‭ ‬طبقةٌ‭ ‬من‭ ‬طبقاتٍ‭ ‬متعدّدةٍ‭ ‬تصنع،‭ ‬مجتمعة،‭ ‬ما‭ ‬أنا‭ ‬عليه،‭ ‬وحين‭ ‬أكتب‭ ‬بها،‭ ‬أضيف‭ ‬إلى‭ ‬تجربتي‭ ‬الأدبية‭ ‬شيئًا‭ ‬لا‭ ‬تعطيه‭ ‬أي‭ ‬لغة‭ ‬أخرى‭: ‬صوت‭ ‬الأرض‭ ‬والطفولة‭ ‬كما‭ ‬نطقت‭ ‬بهما‭ ‬أول‭ ‬مرة،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تتعلم‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬آخر‭ ‬عن‭ ‬العالم‭.‬

هل‭ ‬تنظر‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬آكَاط‮»‬‭ ‬بوصفه‭ ‬ديوانًا‭ ‬شعريًا‭ ‬مستقلًا،‭ ‬أم‭ ‬أنه‭ ‬الوجه‭ ‬الشعري‭ ‬للمشروع‭ ‬الفكري‭ ‬الذي‭ ‬يتجلى‭ ‬أيضًا‭ ‬في‭ ‬رواياتك‭ ‬وقصصك؟

أكَاط‭ ‬ليس‭ ‬عملًا‭ ‬منفصلًا‭ ‬عن‭ ‬مشروعي‭ ‬الروائي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬الوجه‭ ‬الأول‭ ‬له،‭ ‬الجذر‭ ‬الذي‭ ‬خرجت‭ ‬منه‭ ‬كل‭ ‬الفروع‭ ‬اللاحقة،‭ ‬هذا‭ ‬الديوان‭ ‬احتاج‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عقدين‭ ‬ليرى‭ ‬النور،‭ ‬فأولى‭ ‬كتاباتي‭ ‬بالأمازيغية‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬رواية‭ ‬ولا‭ ‬قصة،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬أشعارًا،‭ ‬والحقيقة‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬اختيارًا‭ ‬واعيًا‭ ‬مني‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬مسارًا‭ ‬طبيعيًا‭: ‬فالأدب‭ ‬الإنساني‭ ‬نفسه،‭ ‬منذ‭ ‬فجر‭ ‬الكتابة،‭ ‬بدأ‭ ‬شعرًا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يعرف‭ ‬السرد‭ ‬الطويل‭ ‬أو‭ ‬الحكاية‭ ‬المركبة،‭ ‬الشعر‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬شكل‭ ‬عرفه‭ ‬الإنسان‭ ‬للتعبير‭ ‬عن‭ ‬دهشته‭ ‬أمام‭ ‬الوجود،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتعلم‭ ‬كيف‭ ‬يبني‭ ‬حبكة‭ ‬أو‭ ‬يطوّر‭ ‬شخصية‭ ‬أو‭ ‬يخطط‭ ‬لحدث‭.‬

وكما‭ ‬كتب‭ ‬الشاعر‭ ‬الإنجليزي‭ ‬وليام‭ ‬وردزورث‭ ‬في‭ ‬مقدمته‭ ‬الشهيرة‭ ‬لديوان‭ ‬‮«‬أغاني‭ ‬غنائية‮»‬‭: ‬‮«‬الشعر‭ ‬هو‭ ‬أول‭ ‬المعرفة‭ ‬وآخرها،‭ ‬وهو‭ ‬خالد‭ ‬خلود‭ ‬قلب‭ ‬الإنسان‮»‬،‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬تلخص‭ ‬علاقتي‭ ‬بآكَاط‭: ‬فحين‭ ‬عجزت‭ ‬الرواية،‭ ‬بكل‭ ‬اتساعها‭ ‬وتفاصيلها،‭ ‬عن‭ ‬استيعاب‭ ‬صرخة‭ ‬الطفولة‭ ‬الأولى،‭ ‬ورائحة‭ ‬الأرض‭ ‬في‭ ‬جبل‭ ‬نفوسة،‭ ‬ووقع‭ ‬اللغة‭ ‬الأمازيغية‭ ‬على‭ ‬أذني‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬أتعلم‭ ‬أي‭ ‬لغة‭ ‬أخرى،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أمامي‭ ‬سوى‭ ‬الشعر،‭ ‬لأنه‭ ‬الشكل‭ ‬الوحيد‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬قول‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يُقال‭ ‬بالسرد،‭ ‬الشكل‭ ‬الذي‭ ‬يسبق‭ ‬التفكير‭ ‬المنظم‭ ‬ليلامس‭ ‬الشعور‭ ‬في‭ ‬حالته‭ ‬الخام‭.‬

فآكَاط‭ ‬إذن‭ ‬هو‭ ‬نقطة‭ ‬الانطلاق‭ ‬الفعلية‭ ‬لكل‭ ‬ما‭ ‬كتبته‭ ‬لاحقًا،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬ديوان‭ ‬جانبي‭ ‬يقف‭ ‬بمعزل‭ ‬عن‭ ‬الروايات‭ ‬والقصص،‭ ‬الأرض،‭ ‬اللغة،‭ ‬الذاكرة،‭ ‬الطفولة،‭ ‬هذه‭ ‬الأربعة‭ ‬التي‭ ‬تحضر‭ ‬فيه‭ ‬بقوة،‭ ‬هي‭ ‬ذاتها‭ ‬الأسئلة‭ ‬التي‭ ‬ستتفرع‭ ‬لاحقًا‭ ‬في‭ ‬رواياتي،‭ ‬لكنها‭ ‬هنا‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬شكلها‭ ‬الأول،‭ ‬غير‭ ‬المروَّض‭ ‬بعد‭ ‬بقواعد‭ ‬الحبكة‭ ‬والشخصية،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الصرخة‭ ‬منها‭ ‬إلى‭ ‬الحكاية،‭ ‬لذلك‭ ‬أنظر‭ ‬إلى‭ ‬آكَاط‭ ‬بوصفه‭ ‬قلب‭ ‬المشروع‭ ‬لا‭ ‬هامشه‭: ‬الصوت‭ ‬الذي‭ ‬بدأ‭ ‬منه‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬والذي‭ ‬ظل‭ ‬يصدح‭ ‬في‭ ‬خلفية‭ ‬كل‭ ‬رواية‭ ‬كتبتها‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬الحين‭.‬

‬ بعد‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬الأدبي‭ ‬المتنوع،‭ ‬ما‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬تلاحقه‭ ‬في‭ ‬كتاباتك،‭ ‬وتشعر‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬وحده‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬إجابته؟

السؤال‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬ألاحقه،‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬كتبته‭ ‬من‭ ‬رواية‭ ‬وشعر‭ ‬وقصة،‭ ‬هو‭ ‬سؤال‭ ‬واحد‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عن‭ ‬التوالد‭: ‬ماذا‭ ‬يبقى‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬ذاكرته؟‭ ‬ليس‭ ‬ذاكرته‭ ‬بوصفها‭ ‬سردًا‭ ‬لما‭ ‬حدث‭ ‬بالفعل،‭ ‬بل‭ ‬ذاكرته‭ ‬بوصفها‭ ‬العوالم‭ ‬التي‭ ‬عاشها‭ ‬في‭ ‬خياله،‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬يراها‭ ‬أحد،‭ ‬ولا‭ ‬تُسجَّل‭ ‬في‭ ‬وثيقة،‭ ‬ولا‭ ‬تُروى‭ ‬في‭ ‬تقرير‭ ‬رسمي،‭ ‬لكنها‭ ‬مع‭ ‬ذلك‭ ‬تشكّل‭ ‬الإنسان‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تشكّله‭ ‬وقائعه‭ ‬المعلنة‭.‬

فالجسد‭ ‬يفنى،‭ ‬والوثائق‭ ‬تُحرق‭ ‬أو‭ ‬تُصادَر‭ ‬أو‭ ‬تُعاد‭ ‬كتابتها‭ ‬بما‭ ‬يخدم‭ ‬رواية‭ ‬السلطة،‭ ‬لكن‭ ‬ما‭ ‬يعيش‭ ‬من‭ ‬الإنسان‭ ‬حقًا‭ ‬هو‭ ‬تلك‭ ‬الطبقة‭ ‬الخفية‭:‬‭ ‬حلم‭ ‬راوده‭ ‬ولم‭ ‬يخبر‭ ‬به‭ ‬أحدًا،‭ ‬خوف‭ ‬تخيّله‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يقع،‭ ‬عالمٌ‭ ‬بديلٌ‭ ‬بناه‭ ‬في‭ ‬رأسه‭ ‬ليهرب‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬يحتمله،‭ ‬أو‭ ‬ليفهم‭ ‬من‭ ‬خلاله‭ ‬عالمًا‭ ‬يعجز‭ ‬عن‭ ‬فهمه‭ ‬مباشرة،‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬المكان‭ ‬الذي‭ ‬يجتمع‭ ‬فيه‭ ‬كل‭ ‬مشروعي‭ ‬الأدبي،‭ ‬من‭ ‬أوال‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الهرمجدون‭ ‬والإبادة،‭ ‬ومن‭ ‬جمهورية‭ ‬الضباع‭ ‬إلى‭ ‬آكَاط‭: ‬أينما‭ ‬ذهبت،‭ ‬أجدني‭ ‬أسأل‭ ‬نفس‭ ‬السؤال،‭ ‬عن‭ ‬الإنسان‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُختزل‭ ‬في‭ ‬تاريخه‭ ‬المكتوب،‭ ‬بل‭ ‬يتّسع‭ ‬في‭ ‬مخيّلته‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬يتّسع‭ ‬في‭ ‬سيرته‭.‬

وكما‭ ‬كتب‭ ‬الروائي‭ ‬الكولومبي‭ ‬غابرييل‭ ‬غارثيا‭ ‬ماركيز‭ ‬في‭ ‬مطلع‭ ‬سيرته‭ ‬الذاتية‭: ‬‮«‬الحياة‭ ‬ليست‭ ‬ما‭ ‬عاشه‭ ‬المرء،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬يتذكره‭ ‬وكيف‭ ‬يتذكره‭ ‬كي‭ ‬يرويه‮»‬،‭ ‬هذه‭ ‬الجملة‭ ‬تلخص،‭ ‬ربما،‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬حاولت‭ ‬قوله‭ ‬في‭ ‬مشروعي‭ ‬الأدبي‭ ‬كله‭: ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬الأعمق‭ ‬للإنسان‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬وقائعه،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الطريقة‭ ‬التي‭ ‬أعاد‭ ‬بها‭ ‬تخيّل‭ ‬تلك‭ ‬الوقائع،‭ ‬وفي‭ ‬العوالم‭ ‬الموازية‭ ‬التي‭ ‬بناها‭ ‬ليكمل‭ ‬بها‭ ‬ما‭ ‬نقصه‭ ‬الواقع‭. ‬ولهذا‭ ‬أومن‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬وحده،‭ ‬لا‭ ‬التاريخ‭ ‬ولا‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬ولا‭ ‬حتى‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشخصية‭ ‬العارية،‭ ‬هو‭ ‬القادر‭ ‬على‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬السؤال،‭ ‬لأنه‭ ‬الشكل‭ ‬الوحيد‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬المعرفة‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يفرّق‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬عشناه‭ ‬وما‭ ‬تخيّلنا‭ ‬أننا‭ ‬عشناه،‭ ‬بل‭ ‬يعتبرهما،‭ ‬في‭ ‬النهاية،‭ ‬الشيء‭ ‬نفسه‭.‬

Share this content: