×

تقرير تاريخي وقانوني شامل: التطورات العمرانية لمسجد اقزير والزاوية السنوسية بمصراتة

تقرير تاريخي وقانوني شامل: التطورات العمرانية لمسجد اقزير والزاوية السنوسية بمصراتة

د. حافظ الولدة/ لندن الليبية خاص

 

 

 

تقرير تاريخي وقانوني شامل: التطورات العمرانية لمسجد اقزير والزاوية السنوسية بمصراتة

 

  1. الإطار التمهيدي والسياق العام

يهدف هذا التقرير إلى تقديم قراءة فنية وقانونية دقيقة للواقع التراثيي العمراني لمسجد اقزير والزاوية السنوسية بمصراتة. يمثل هذا الموقع قيمة روحية وتاريخية تتجاوز البعد المحلي، حيث ارتبط بذاكرة التعليم القرآني في ليبيا. يستعرض التقرير التسلسل الزمني والمكاني للموقع منذ أواخر الخمسينيات، مروراً بالتحولات العمرانية التي طرأت عليه، مع التركيز على الموقف القانوني الراهن في ظل النزاع القائم بين ضرورات التوسع في المرافق العامة (الطريق الخدمي) وبين الالتزام بالتشريعات الوطنية لحماية التراث.

 

  1. الجذور التاريخية والسمات المعمارية الأولى (1958 – 1960)

تأسس الفضاء الديني في منطقة قزير بناءً على ممارسات معمارية واجتماعية أصيلة:

  • البدايات الإنشائية (1958-1959): بدأ الموقع كساحة للصلاة تميزت بـ “الدروج”؛ وهي سمة معمارية تقليدية كانت تستخدم لارتقاء المؤذن لأداء الأذان قبل دخول المآذن الحديثة. كان الفضاء ينقسم إلى مصلى مسقوف وساحة مفتوحة.
  • الإمامة التأسيسية: تولى الأجداد (عبد الوهاب والشيخ السنوسي عبد العالي) إمامة الأوقات في تلك المرحلة المبكرة.
  • الشرعية الملكية (1960): صدر الأمر الملكي من إدريس السنوسي بإنشاء ثلاث زوايا سنوسية رسمية في مصراتة (قزير، وشنيشح، وسيدي إبراهيم المحجوب). وقد أعيد بناء مسجد قزير في تلك الفترة وسُقف بمادة “الترنيت”.
  • الفواعل الاجتماعية: ساهم المرحوم “الدوكالي مخلوف” في عمليات البناء، وعُيّن المرحوم “محمد أحمد عبد العالي” شيخاً للزاوية، مما جعلها مركزاً لاستقطاب طلاب القرآن من المناطق المجاورة (العمامرة، مسلاتة، زليتن).

 

  1. التوسعة العمرانية وتأسيس المسجد الجديد (1968-1969)

نتيجة لزيادة الكثافة الطلابية، تقدم شيخ الزاوية بطلب رسمي لـ “إدارة الزوايا السنوسية بالخاصة الملكية” لإنشاء مبنى جديد غرب الموقع القائم.

  • المخطط الإنشائي (1968): بدأت أعمال بناء المسجد الجديد الذي تميز بوجود القبة والمئذنة كرموز معمارية سيادية.
  • مشروع الطريق الساحلي (1969): في مطلع عام 1969، شرعت الحكومة في تغيير مسار الطريق الساحلي (الخروبة – قزير – كوربة البيوضي). ووثقت المصادر البدء الفعلي في تنفيذ البنية التحتية للمشروع، بما في ذلك إنشاء “عبارتين للمياه” (إحداهما قرب المسجد والأخرى في شارع الفقيه ميلاد.)
  • الواقع القانوني التاريخي: تشير التحقيقات إلى أن المبنى الذي تعرض للهدم مؤخراً هو بناء عام 1968، بينما المباني الأصلية التي تعود للقرن التاسع عشر قد أزيلت في فترات سابقة (السبعينيات أو الثمانينيات)، وهو ما يضعنا أمام مبنى تاريخي بصبغة معمارية تمثل حقبة المملكة الليبية.

 

  1. التحولات السياسية وأثرها على “حرم الطريق” (ما بعد سبتمبر 1969)

أدى انقلاب سبتمبر 1969 إلى تجميد تنفيذ العديد من مشروعات البنية التحتية المخطط لها.

  • تعطيل المخطط المروري: توقف استكمال الطريق الخدمي رغم تنفيذ العبارات المائية، مما خلق حالة من “التعليق القانوني” لمسار الطريق.
  • نشوء وضع اليد: استمر المسجد في موقعه طوال العقود الماضية نتيجة غياب الإرادة السياسية لاستكمال المشروعات الملكية، مما جعل وجوده “واقعاً مادياً” تكرس مع مرور الزمن رغم وقوعه ضمن المسار المفترض للطريق.

 

  1. الموقف القانوني والإداري: سيادة القانون رقم (3) لسنة 1995

يستند التكييف القانوني لحماية المسجد إلى المراسلة الرسمية رقم (38-2251) الصادرة عن جهاز إدارة المدن التاريخية – فرع الوسطى:

  • المرجعية التشريعية: يُعتبر القانون رقم (3) لسنة 1995 بشأن الآثار والمتاحف والمدن القديمة هو المرجعية العليا التي تسود على أي قرارات محلية أو مخططات عمرانية خدمية لا تراعي القيمة التراثية.
  • الإجراءات الحمائية:
    • إدراج مسجد اقزير رسمياً في “السجل الوطني للمباني التاريخية” (قيد الإجراء النهائي).
    • التأكيد على أن أي تعدٍ على المبنى يُعد مخالفة قانونية صريحة توجب المسؤولية الجنائية والإدارية.
    • مطالبة مكتب الأوقاف والجهات الخدمية بالوقف الفوري لأي أعمال إزالة استناداً إلى اختصاصات الجهاز الواردة في اللائحة التنفيذية وقرار 125 لسنة 2006.
  1. الجدل المجتمعي: تحليل المصلحة العامة مقابل حماية التراث

برز انقسام حاد في الرؤى حول التعامل مع الموقع، نلخصه في الجدول التالي:

وجهة نظر المصلحة العامة (التنمية الحضرية) وجهة نظر حماية التراث (الرمزية التاريخية)
استكمال الطريق الخدمي كضرورة مرورية طال انتظارها وتوقف تنفيذها منذ 1969. حماية المئذنة والقبة كمعالم لهوية المنطقة المعمارية والروحية.
الإزالة كانت “حتمية ومتوقعة” لسنوات، والمبنى (1968) ليس هو الأساس القديم الأصلي. المبنى محمي بقوة القانون رقم (3) لسنة 1995 وجهاز المدن التاريخية.
وجود “مسجد بديل” للعبادة في موقع ملاصق يفي بالغرض الديني. الفشل المؤسسي (جهاز إدارة المدن التاريخية) في دعم الصبغة التاريخية لا يلغي حق الموقع في الحماية.
قاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” وأولوية الانسياب المروري للمنفعة العامة. المقترح الشعبي بالإبقاء على المسجد كـ “مسجد للأوقات” يحقق التوازن بين المصلحتين.

 

  1. التصنيف الفني الحالي للمعالم

يجب التمييز بدقة بين مرفقين منفصلين قانونياً وإنسانياً:

  1. الزاوية السنوسية: (المدرسة القرآنية/مستوصف اقزير سابقاً)؛ وهي قائمة ولم تُمس، ومسجلة رسمياً لدى مصلحة الآثار كمعلم تاريخي محصن.
  2. المسجد (بناء 1968): وهو محل النزاع الحالي. يطالب المجتمع المحلي بتحويره ليكون “مسجداً للأوقات” تحت مسمى “مسجد السنوسية بقزير”، مع هدم الإضافات فقط التي تعيق الطريق فعلياً دون المساس بالهيكل الرمزي (المئذنة والقبة).

 

  1. الخلاصة والتوصيات الإجرائية

الخلاصة: من منظور قانوني وتراثي، فإن مسجد اقزير يتمتع بحصانة مستمدة من إجراءات تسجيله كمعلم تاريخي، وهي حصانة تعلو فوق خطط التوسع المروري المحلية. إن محاولة فرض المخطط العام على حساب المعلم التاريخي دون التنسيق مع جهاز المدن التاريخية يمثل تعدياً على الاختصاصات السيادية المنظمة للتراث الوطني.

التوصيات:

  1. الإيقاف الفوري: إلزام مكتب الأوقاف والبلدية بوقف أي أعمال هدم إضافية استجابةً للمطالبة القانونية لجهاز المدن التاريخية.
  2. التسجيل النهائي: سرعة استكمال إجراءات القيد في السجل الوطني للمباني التاريخية لقطع الطريق أمام أي تأويلات إدارية.
  3. الحل الهندسي التوافقي: تكليف مكتب استشاري هندسي لإعادة تصميم الطريق الخدمي بما يضمن الحفاظ على المئذنة والقبة والزاوية السنوسية، واعتماد مقترح “مسجد الأوقات”.
  4. المساءلة: تحميل الجهات التي باشرت الهدم دون موافقة الجهات التراثية المسؤولية عن ضياع ملامح عمرانية تمثل حقبة هامة من تاريخ الدولة الليبية.

 

Share this content: