السؤال الصحفي
من أداة للمساءلة إلى رهينة «المسموح»
يمثّل السؤال الصحفي إحدى الركائز الأساسية في العمل الإعلامي المهني، بوصفه الأداة التي تمنح المعلومة معناها التحليلي وتحوّلها من نقل آني إلى فعل مساءلة وفهم، وفي السياق الليبي، حيث تتشابك التحديات السياسية والأمنية والتشريعية، تزداد أهمية السؤال الصحفي بوصفه مؤشرًا على مستوى المهنية وحدود الحرية داخل المشهد الإعلامي.
ومع تصاعد المحتوى الجاهز، وتسارع ايقاع الإنتاج الإعلامي، وتداخل الاعتبارات التحريرية مع الضغوط السياسية والتمويلية، بات السؤال الصحفي موضع اختبار حقيقي، هل ما يزال يؤدي دوره كأداة كشف ومساءلة، أم أُعيد تشكيله ليعمل ضمن هوامش محددة سلفًا؟

كيف تحول السؤال الصحفي من أداة مساءلة إلى عنصر مكمّل؟
شهد السؤال الصحفي في ليبيا تحوّلًا تدريجيًا في موقعه ووظيفته منذ مرحلة الانفتاح النسبي التي أعقبت عام 2011. فبعد أن شكّل مدخلًا أساسيًا للتحقيق والاستقصاء، تراجع حضوره ليصبح في كثير من الأحيان عنصرًا مكمّلًا ضمن أجندات إعلامية مُدارة سلفًا، تخضع لحسابات سياسية وتمويلية واضحة. هذا التحوّل أضعف الدور النقدي للسؤال، وحوّله من أداة مساءلة إلى وسيلة لتمرير الرسائل أو تلميع المواقف، وهو ما انعكس في الغياب شبه التام للأسئلة المرتبطة بالفساد الخدمي في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والرياضة، مقابل التركيز على قضايا تخدم الاصطفافات السياسية.
وتأثر حضور السؤال الصحفي بطبيعة البيئة الإعلامية المحيطة به، حيث فرضت القيود الأمنية والحدود التحريرية الصارمة أسئلة مُعدّة مسبقًا في الإعلام المرئي، بينما احتفظ الإعلام المسموع بهامش أوسع نسبيًا، خاصة في القضايا الاجتماعية ذات الصلة المباشرة بالمواطن. في المقابل، شهدت الصحافة المكتوبة تراجعًا ملحوظًا في التحقيقات المعمقة، فيما اتسم الفضاء الرقمي بازدواجية واضحة بين جرأة الطرح وسطحية المعالجة، مع صعود نماذج إعلامية سريعة الإيقاع تفتقر في كثير من الأحيان إلى التوثيق والتحقق.
ولا تنفصل محدودية الجرأة عن واقع الاستقلالية الهشّة، إذ لا يُرسم سقف السؤال الصحفي بقوة القوانين بقدر ما تحدده معادلات الأمن والتمويل. فاستمرار العمل بتشريعات قديمة وغياب قوانين ضامنة لحرية الصحافة وحق الوصول إلى المعلومة يدفعان الصحفيين إلى ممارسة رقابة ذاتية قائمة على الخوف، ويجعلان أي محاولة لتجاوز الخطوط الحمراء محفوفة بالمخاطر، خاصة في المناطق التي تتداخل فيها الاعتبارات الأمنية والسياسية.
ويظل الوصول إلى المعلومة أحد أبرز العوائق أمام فاعلية السؤال الصحفي، حيث يواجه الصحفي صمتًا رسميًا أو إجابات عامة ودبلوماسية تُفرغ السؤال من مضمونه، وتُبقي المساءلة في دائرة مغلقة. أما وسائل التواصل الاجتماعي، فقد فرضت واقعًا مزدوجًا؛ فمن جهة كسرت احتكار المنابر وفتحت المجال لأسئلة لم تكن مطروحة، ومن جهة أخرى أسهمت في شيوع أسئلة انفعالية سريعة، أضعفت المعايير المهنية وعمّقت الفجوة بين الجرأة والعمق.

المشهد الإقليمي للسؤال الصحفي..
تتقاطع أزمة «السؤال الصحفي» في ليبيا مع سياق إقليمي يواجه تحديات هيكلية متباينة؛ فبينما تحول السؤال في كل من تونس والجزائر، من أداة رقابية إلى «مخاطرة قانونية» تعزز الرقابة الذاتية، يواجه في « مصر» جدار «الرواية الرسمية» التي تحوله إلى إجراء بروتوكولي معد مسبقاً. أما في المغرب، فتطغى الضغوط الاقتصادية على الجرأة المهنية، مما يغيب النقد تجاه المؤسسات الممولة، وهي تقاطعات تعكس ارتهان السؤال في المنطقة بمعادلات الأمن، التمويل، والتبعية السياسية.
السؤال الصحفي بوصفه قاعدة لا يمكن تجاوزها..
يرى الإعلامي عبد الناصر خالد (التلفزيون العربي) أن السؤال الصحفي ما يزال حاضرًا في صميم الحوارات الإذاعية والتلفزيونية بمختلف أنواعها، إذ لا يمكن لأي محتوى إعلامي أن يكون ذا قيمة دون الارتكاز على الأسئلة الجوهرية المرتبطة بالحدث وسياقه. غير أن قوة السؤال، بحسب رأيه، تظل مرهونة بطبيعة القضايا المطروحة وحدود السياسة التحريرية التي تحكم المؤسسة الإعلامية.
ويتقاطع هذا الطرح مع رؤية الإعلامي منير الأشهب (قناة العربية)، الذي يؤكد أن السؤال الصحفي لا يزال العمود الفقري للبرامج الجادة، خاصة في القضايا السياسية والاقتصادية، إلا أن فعاليته تتراجع عندما يُفرغ من طابعه الاستكشافي، أو يُستبدل بأسئلة تقليدية لا تضيف معرفة حقيقية للمشاهد.

حرية السؤال… مساحة نظرية وواقع مُقيد..
من منظور ميداني، ترى الصحافية «صالحة هويدي» (منصة الصباح الليبية) أن الصحفي لا يمتلك دائمًا حرية حقيقية لطرح الأسئلة الجريئة، إذ كثيرًا ما تُفرض عليه قيود غير معلنة تحدد له ما هو «مسموح» و«غير مسموح». وتشير إلى أن هوس «الترند» والشهرة أسهم في إزاحة القضايا الجوهرية لصالح محتوى سطحي لا يعكس هموم الناس الفعلية.
ويذهب الإعلامي «مصطفى أبو حميدة» إلى أن الخط التحريري والأيديولوجي لبعض القنوات يشكّل العائق الأكبر أمام الجرأة، ما يجعل الأسئلة في كثير من البرامج شكلية، حتى وإن بدت في ظاهرها مباشرة.
الإجابات… بين الدبلوماسية والتهرّب..
في تقييم طبيعة الإجابات، تجمع آراء المشاركين على أن المسؤولين غالبًا ما يلجؤون إلى الدبلوماسية والمراوغة، خصوصًا في القضايا الحساسة. وتشير صالحة هويدي إلى أن غياب المتابعة الجادة للسؤال يسمح للضيف بالالتفاف على جوهر القضية، فيما يرى «منير الأشهب» أن مهارة الصحفي تكمن في قدرته على تفكيك هذه الإجابات وانتزاع مؤشرات الحقيقة منها، حتى إن لم تكن صريحة بالكامل.
الإعلام الرقمي… ضغط إضافي أم فرصة للمساءلة؟
ترى الصحافية «فائزة العجيلي» (صحيفة فبراير) أن الإعلام الرقمي فتح مساحات جديدة لطرح الأسئلة التي كانت مُقصاة سابقًا، لكنه في الوقت نفسه شجّع على السطحية والانفعال. وبحسب رأيها، فإن المشكلة لا تكمن في المنصات ذاتها، بل في كيفية توظيفها إما كأداة مساءلة ذكية، أو كمنصة ضجيج تُفرغ السؤال من مضمونه المهني.
ويؤكد «عبد الناصر خالد » أن البث المباشر وتفاعل الجمهور أسهما في تقوية بعض الأسئلة، لكنه يشير أيضًا إلى أن سرعة ردود الفعل فرضت على الصحفيين رقابة ذاتية إضافية.
مستقبل السؤال الصحفي… أي اتجاه؟
يرى الإعلامي «رافع البكوش » (قناة ليبيا الأحرار) أن المشهد يتجه نحو محتوى سريع وأسئلة خفيفة تتماشى مع منطق “الترند”، ما يهدد بتراجع الأسئلة العميقة لصالح الشكل. في المقابل، تؤكد فائزة العجيلي أن المستقبل سيحسم بين نموذجين لا ثالث لهما: صحافة استقصائية مبنية على البيانات والتحقيق، أو صحافة تكتفي بإعادة تدوير المعلومات الجاهزة.
تنسجم هذه الرؤى مع طرح الصحافي «هشام حقية»، الذي يرى أن السؤال الصحفي ما يزال جوهر المهنة نظريًا، لكنه تراجع عمليًا تحت ضغط المحتوى الجاهز وثقافة “الترند”، حيث باتت السرعة والتفاعل تُقدَّمان على العمق. ويؤكد أن الإشكال لا يكمن في السؤال ذاته، بل في بيئة إعلامية لا تكافئ السؤال الجريء، وتفرض قيودًا سياسية ومؤسسية واقتصادية تدفع الصحافي إلى رقابة ذاتية تُفرغ الجرأة من مضمونها.
تكشف الآراء المهنية أن السؤال الصحفي لم يفقد مكانته، لكنه أصبح محكومًا بسياقات معقدة تتقاطع فيها السياسة، التمويل، وسرعة الإيقاع الإعلامي. ويظل مستقبل السؤال مرتبطًا بوعي الصحفي وقدرته على تحويل السؤال من إجراء روتيني إلى أداة مساءلة فعّالة، تكسر الصمت وتكشف ما يُراد له أن يبقى دون تدقيق أو محاسبة.

ختاماً..
تتطلب استعادة دور السؤال الصحفي ترسيخ دعائم العمل المهني، وتنويع مصادر تمويله لضمان استقلاليته، مع صقل مهارات الصحافيين في «الذكاء الحواري» والبيانات. كما يجب تفعيل مواثيق الشرف النقابية لرفض الأسئلة الجاهزة، واستثمار الفضاء الرقمي كمنصة ضغط جماهيري تفرض القضايا المسكوت عنها وتكسر قيود الإعلام التقليدي.
Share this content: