×

التعليم الديني في ليبيا

التعليم الديني في ليبيا

قداسة‭ ‬المحتوى‭ ‬وأزمة‭ ‬المخرجات

في‭ ‬زاوية‭ ‬هادئة‭ ‬من‭ ‬منزله‭ ‬في‭ ‬طرابلس،‭ ‬يقلب‭ ‬“أحمد”‭ (‬28‭ ‬عاماً‭)‬،‭ ‬شهادة‭ ‬الماجستير‭ ‬في‭ ‬الدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬التي‭ ‬حصل‭ ‬عليها‭ ‬بتقدير‭ ‬امتياز‭. .‬كان‭ ‬حلم‭ ‬والديه‭ ‬أن‭ ‬يصبح‭ ‬“شيخاً”‭ ‬جليلاً،‭ ‬وأن‭ ‬يكرس‭ ‬حياته‭ ‬لعلوم‭ ‬الدين‭. ‬اليوم،‭ ‬وبعد‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الحفظ‭ ‬والدراسة،‭ ‬يجد‭ ‬أحمد‭ ‬نفسه‭ ‬أمام‭ ‬واقع‭ ‬مرير‭: ‬بطالة‭ ‬طويلة،‭ ‬وفرص‭ ‬عمل‭ ‬شبه‭ ‬معدومة‭ ‬خارج‭ ‬نطاق‭ ‬الإمامة‭ ‬والخطابة‭ ‬في‭ ‬مساجد‭ ‬باتت‭ ‬مكتظة‭ ‬أصلاً‭. ‬قصة‭ ‬أحمد‭ ‬ليست‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬نافذة‭ ‬نطل‭ ‬منها‭ ‬على‭ ‬قضية‭ ‬معقدة‭ ‬وشائكة‭: ‬جدوى‭ ‬ومستقبل‭ ‬مخرجات‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬الحديثة‭.‬

‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق‭ ‬يغوص‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬هذا‭ ‬الملف،‭ ‬مستعيناً‭ ‬بآراء‭ ‬مسؤولين‭ ‬وخبراء‭ ‬وأولياء‭ ‬أمور‭ ‬وطلاب،‭ ‬ليطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬جوهرية‭: ‬هل‭ ‬يساهم‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬ليبيا‭ ‬المستقبل؟‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬الموازنة‭ ‬بين‭ ‬رغبة‭ ‬المجتمع‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬هويته‭ ‬الدينية‭ ‬وبين‭ ‬متطلبات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬واحتياجات‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة؟

وزارة‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬قفص‭ ‬الاتهام

هل‭ ‬يخشى‭ ‬المسؤولون‭  ‬رياح‭ ‬التغيير‭ ‬باسم‭ ‬الدين؟

<< تقرير:- ازاد الفرج

جذور‭ ‬القصة‭: ‬إرث‭ ‬تاريخي‭ ‬وإقبال‭ ‬متزايد

لم‭ ‬يكن‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬يوماً‭ ‬غريباً‭ ‬عن‭ ‬ليبيا‭. ‬فمنذ‭ ‬مئات‭ ‬السنين،‭ ‬شكلت‭ ‬“الزوايا”‭ ‬السنوسية‭ ‬وغيرها‭ ‬منارات‭ ‬للعلم‭ ‬الشرعي‭ ‬وحفظ‭ ‬القرآن،‭ ‬وكانت‭ ‬المصدر‭ ‬شبه‭ ‬الوحيد‭ ‬للمعرفة‭  ‬وبعد‭ ‬الاستقلال،‭ ‬تم‭ ‬دمج‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬الرسمية‭ ‬عبر‭ ‬المعاهد‭ ‬الدينية‭ ‬والجامعات‭.‬

بعد‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬شهد‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬إقبالاً‭ ‬متزايداً‭. ‬يوضح‭ ‬“الحاج‭ ‬مفتاح”،‭ ‬وهو‭ ‬ولي‭ ‬أمر‭ ‬لطالبين‭ ‬في‭ ‬أحد‭ ‬المعاهد‭ ‬الدينية،‭ ‬سبب‭ ‬اختياره‭ ‬هذا‭ ‬المسار‭ ‬لأبنائه‭: ‬“العالم‭ ‬اليوم‭ ‬مليء‭ ‬بالفتن‭ ‬والمغريات‭. ‬أريد‭ ‬لأبنائي‭ ‬أن‭ ‬ينشأوا‭ ‬على‭ ‬الأخلاق‭ ‬والدين‭ ‬القويم‭. ‬هذه‭ ‬المدارس‭ ‬توفر‭ ‬بيئة‭ ‬محافظة‭ ‬وآمنة،‭ ‬وتحصنهم‭ ‬من‭ ‬الانحراف‭. ‬الشهادة‭ ‬الجامعية‭ ‬ليست‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬التربية‭ ‬الصالحة‭.‬”

هذا‭ ‬الرأي‭ ‬يعكس‭ ‬رغبة‭ ‬شريحة‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬في‭ ‬التمسك‭ ‬بالهوية‭ ‬الإسلامية‭ ‬كركيزة‭ ‬أساسية‭ ‬للتربية‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬تحديات‭ ‬العولمة‭ ‬والانفتاح‭ ‬الثقافي‭.‬

المنظومة‭ ‬الحالية‭: ‬

مناهج‭ ‬تقليدية‭ ‬وفرص‭ ‬محدودة

تتوزع‭ ‬مؤسسات‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬اليوم‭ ‬بين‭ ‬معاهد‭ ‬دينية‭ ‬تابعة‭ ‬لوزارة‭ ‬التعليم،‭ ‬وكليات‭ ‬متخصصة‭ ‬في‭ ‬الجامعات‭ ‬الليبية‭ ‬مثل‭ ‬كلية‭ ‬الدعوة‭ ‬وأصول‭ ‬الدين،‭ ‬وكلية‭ ‬الشريعة‭ ‬والقانون‭ ‬،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬مؤسسات‭ ‬تابعة‭ ‬لهيئات‭ ‬دينية‭ ‬كدار‭ ‬الإفتاء‭ ‬التي‭ ‬افتتحت‭ ‬معاهد‭ ‬عليا‭ ‬خاصة‭ ‬بها‭ .‬

“فاطمة”،‭ ‬طالبة‭ ‬في‭ ‬السنة‭ ‬النهائية‭ ‬بكلية‭ ‬العلوم‭ ‬الشرعية،‭ ‬تصف‭ ‬طبيعة‭ ‬المناهج‭: ‬“الدراسة‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬كبير‭ ‬على‭ ‬الحفظ‭ ‬والتلقين‭. ‬ندرس‭ ‬علوم‭ ‬القرآن،‭ ‬الحديث،‭ ‬الفقه،‭ ‬العقيدة،‭ ‬وهي‭ ‬علوم‭ ‬جليلة‭. ‬لكننا‭ ‬لا‭ ‬ندرس‭ ‬مهارات‭ ‬عملية‭ ‬تؤهلنا‭ ‬لسوق‭ ‬العمل‭. ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬مواد‭ ‬في‭ ‬الإدارة،‭ ‬أو‭ ‬ريادة‭ ‬الأعمال،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬مهارات‭ ‬الحاسوب‭ ‬المتقدمة‭. ‬نشعر‭ ‬أحياناً‭ ‬أننا‭ ‬ندرس‭ ‬في‭ ‬جزيرة‭ ‬معزولة‭ ‬عن‭ ‬الواقع‭.‬”هذا‭ ‬ما‭ ‬اكتشفته‭ ‬وانا‭ ‬في‭ ‬سنة‭ ‬التخرج

هذه‭ ‬الشهادة‭ ‬تفتح‭ ‬الباب‭ ‬على‭ ‬إشكالية‭ ‬جوهرية‭: ‬محدودية‭ ‬المناهج‭. ‬يرى‭ ‬نقاد‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬المناهج،‭ ‬رغم‭ ‬أهميتها‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬الخلفية‭ ‬الشرعية،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تزود‭ ‬الطالب‭ ‬بالمهارات‭ ‬اللازمة‭ ‬للاندماج‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬عمل‭ ‬حديث‭ ‬ومتغير‭. ‬فالفرص‭ ‬الوظيفية‭ ‬لخريج‭ ‬العلوم‭ ‬الشرعية‭ ‬تنحصر‭ ‬غالباً‭ ‬في‭:‬

‭ ‬قطاع‭ ‬التعليم‭: ‬كمعلم‭ ‬للتربية‭ ‬الإسلامية‭.‬

‭ ‬قطاع‭ ‬الأوقاف‭: ‬كإمام،‭ ‬أو‭ ‬خطيب،‭ ‬أو‭ ‬واعظ‭.‬

‭ ‬القضاء‭ ‬الشرعي‭: ‬وهو‭ ‬قطاع‭ ‬محدود‭ ‬جداً‭ ‬في‭ ‬قدرته‭ ‬على‭ ‬الاستيعاب‭.‬

صدمة‭ ‬الواقع‭: ‬بطالة‭ ‬مقنعة‭ ‬ومستقبل‭ ‬غامض

هنا‭ ‬تكمن‭ ‬الأزمة‭ ‬الحقيقية‭. ‬“د‭. ‬حسين‭ ‬الأنصاري”،‭ ‬خبير‭ ‬اقتصادي‭ ‬ومحلل‭ ‬لسوق‭ ‬العمل،‭ ‬يقدم‭ ‬رؤية‭ ‬تحليلية‭ ‬قاسية‭: ‬“نحن‭ ‬نواجه‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بالبطالة‭ ‬الهيكلية‭. ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬الليبي،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬العام‭ ‬أو‭ ‬الخاص،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مهندسين،‭ ‬أطباء،‭ ‬مبرمجين،‭ ‬فنيين،‭ ‬ومسوقين‭. ‬الطلب‭ ‬على‭ ‬خريجي‭ ‬العلوم‭ ‬الشرعية‭ ‬شبه‭ ‬منعدم‭ ‬خارج‭ ‬القطاعات‭ ‬التقليدية‭ ‬المذكورة‭. ‬الدولة‭ ‬تقوم‭ ‬بتوظيف‭ ‬أعداد‭ ‬كبيرة‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬قطاعي‭ ‬التعليم‭ ‬والأوقاف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬اعتباره‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬البطالة‭ ‬المقنعة،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬حاجة‭ ‬فعلية‭ ‬لهذا‭ ‬الكم‭ ‬من‭ ‬الموظفين،‭ ‬مما‭ ‬يثقل‭ ‬كاهل‭ ‬الميزانية‭ ‬العامة‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬عائد‭ ‬تنموي‭ ‬حقيقي‭.‬

يضيف‭ ‬د‭. ‬الأنصاري‭: ‬“السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نطرحه‭ ‬بجرأة‭: ‬هل‭ ‬تخريج‭ ‬آلاف‭ ‬المتخصصين‭ ‬في‭ ‬العلوم‭ ‬الشرعية‭ ‬سنوياً‭ ‬يساهم‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬التنمية‭ ‬المستدامة؟‭ ‬هل‭ ‬

بني‭ ‬اقتصاداً‭ ‬متنوعاً؟‭ ‬الإجابة‭ ‬للأسف‭ ‬هي‭ ‬لا‭. ‬نحن‭ ‬نستثمر‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬كفاءات‭ ‬لا‭ ‬يحتاجها‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬وهذا‭ ‬هدر‭ ‬للموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والمالية

صوت‭ ‬المسؤول‭: ‬بين‭ ‬الاعتراف‭ ‬بالأزمة‭ ‬وصعوبة‭ ‬الحل

عند‭ ‬مواجهة‭ ‬المسؤولين‭ ‬بهذه‭ ‬الحقائق،‭ ‬يبدو‭ ‬المشهد‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيداً‭. ‬مصدر‭ ‬مسؤول‭ ‬في‭ ‬وزارة‭ ‬التعليم‭ (‬فضل‭ ‬عدم‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه‭) ‬صرح‭ ‬للتحقيق‭ ‬قائلاً‭: ‬“نحن‭ ‬ندرك‭ ‬وجود‭ ‬فجوة‭ ‬بين‭ ‬مخرجات‭ ‬التعليم‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬والتعليم‭ ‬الديني‭ ‬جزء‭ ‬منه،‭ ‬وبين‭ ‬متطلبات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬هناك‭ ‬ضغط‭ ‬مجتمعي‭ ‬كبير‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬المعاهد‭ ‬وتوسيعها‭. ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬للمساس‭ ‬بها‭ ‬أو‭ ‬تغييرها‭ ‬بشكل‭ ‬جذري‭ ‬قد‭ ‬تفسر‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬محاربة‭ ‬للدين

ويضيف‭: ‬“نحن‭ ‬نعمل‭ ‬حالياً‭ ‬على‭ ‬مراجعة‭ ‬بعض‭ ‬المناهج‭ ‬لإضافة‭ ‬مواد‭ ‬دراسية‭ ‬حديثة،‭ ‬لكن‭ ‬الأمر‭ ‬يتطلب‭ ‬وقتاً‭ ‬وتوافقاً‭ ‬مجتمعياً‭. ‬الفكرة‭ ‬ليست‭ ‬إلغاء‭ ‬التعليم‭ ‬الديني،‭ ‬بل‭ ‬تطويره‭ ‬ليتماشى‭ ‬مع‭ ‬العصر

من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬يرى‭ ‬مسؤول‭ ‬في‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للأوقاف‭ ‬والشؤون‭ ‬الإسلامية‭ ‬أن‭ ‬دور‭ ‬هذا‭ ‬التعليم‭ ‬أسمى‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬تلبية‭ ‬متطلبات‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭. ‬يقول‭: ‬“مهمتنا‭ ‬هي‭ ‬بناء‭ ‬الإنسان‭ ‬قبل‭ ‬بناء‭ ‬العمران‭. ‬خريجو‭ ‬هذه‭ ‬المعاهد‭ ‬هم‭ ‬صمام‭ ‬الأمان‭ ‬للمجتمع،‭ ‬يحافظون‭ ‬على‭ ‬قيمه‭ ‬وأخلاقه‭. ‬قد‭ ‬لا‭ ‬يساهمون‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬جسر‭ ‬أو‭ ‬مصنع،‭ ‬لكنهم‭ ‬يساهمون‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬مجتمع‭ ‬متماسك‭ ‬ومستقر‭. ‬وهذا‭ ‬بحد‭ ‬ذاته‭ ‬أكبر‭ ‬مشروع‭ ‬تنموي‭.‬”

في‭ ‬حين‭ ‬اجاب‭ ‬السيد‭ ‬رياض‭ ‬النسر‭ ‬مدير‭ ‬ادارة‭ ‬المناهج‭ ‬للتعليم‭ ‬الديني‭ :‬

‭:‬تُبنى‭ ‬مناهج‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬الدولة‭ ‬الليبية‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬ومكوّنات‭ ‬علمية‭ ‬وتربوية،‭ ‬شأنها‭ ‬شأن‭ ‬بقية‭ ‬المناهج‭ ‬التعليمية‭ ‬وتتمثل‭ ‬هذه‭ ‬الأسس‭ ‬في‭ ‬الجانب‭ ‬الديني‭ ‬المرتبط‭ ‬بعقيدة‭ ‬المجتمع‭ ‬وهويته‭ ‬الإسلامية،‭ ‬حيث‭ ‬تُبنى‭ ‬المناهج‭ ‬بما‭ ‬يتوافق‭ ‬مع‭ ‬مذهب‭ ‬الإمام‭ ‬مالك،‭ ‬وهو‭ ‬المذهب‭ ‬المعتمد‭ ‬في‭ ‬البلاد،‭ ‬وبما‭ ‬يخدمه‭ ‬ويعكس‭ ‬رؤية‭ ‬المجتمع‭ ‬وتطلعاته،‭ ‬المستمدة‭ ‬من‭ ‬قيم‭ ‬الإسلام‭ ‬وآدابه‭ ‬وثقافة‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬المسلم‭.‬

كما‭ ‬تُراعى‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬هذه‭ ‬المناهج‭ ‬الأسس‭ ‬النفسية‭ ‬والتربوية،‭ ‬بما‭ ‬يتماشى‭ ‬مع‭ ‬خصائص‭ ‬المتعلم‭ ‬في‭ ‬مراحل‭ ‬التعليم‭ ‬المختلفة،‭ ‬إذ‭ ‬يختلف‭ ‬التعليم‭ ‬الأساسي‭ ‬عن‭ ‬التعليم‭ ‬الثانوي‭ ‬من‭ ‬حيث‭ ‬مراعاة‭ ‬الجوانب‭ ‬النفسية‭ ‬والعمرية‭ ‬ونفسية‭ ‬المتعلم‭ ‬واحتياجاته‭ ‬المعرفية‭.‬

واضاف‭ ‬اجابة‭ ‬على‭ ‬درجة‭ ‬الإقبال‭ ‬والتوجه‭ ‬للتعليم‭ ‬الديني‭ ‬عن‭ ‬العام

‭:‬الإقبال‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬ليس‭ ‬مرتفعًا‭ ‬مقارنة‭ ‬ببقية‭ ‬التخصصات،‭ ‬إذ‭ ‬تميل‭ ‬الغالبية‭ ‬إلى‭ ‬العلوم‭ ‬التطبيقية‭ ‬والعلمية،‭ ‬ويكاد‭ ‬يُلاحظ‭ ‬عزوف‭ ‬واضح‭ ‬عن‭ ‬الإقدام‭ ‬على‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬ويُعزى‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬عدة‭ ‬أسباب،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬دسامة‭ ‬المنهج‭ ‬الدراسي،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬متطلبات‭ ‬العصر‭ ‬التي‭ ‬تتجه‭ ‬بقوة‭ ‬نحو‭ ‬سوق‭ ‬العمل،‭ ‬مثل‭ ‬الهندسة‭ ‬والعلوم‭ ‬التطبيقية‭ ‬والتقنية‭ ‬والتخصصات‭ ‬الطبية‭.‬

كما‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬العزوف‭ ‬يعكس‭ ‬ثقافة‭ ‬المجتمع‭ ‬

مناهج تجميد الزمن

دراسة مكثفة ل14 مادة والنتيجة انتظار الوظيفة !

وتوجهاته،‭ ‬خاصة‭ ‬مع‭ ‬مقارنة‭ ‬عدد‭ ‬المواد،‭ ‬حيث‭ ‬يدرس‭ ‬طالب‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬نحو‭ (‬14‭) ‬مادة،‭ ‬مقابل‭ (‬9‭) ‬مواد‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬الأساسي‭ ‬غير‭ ‬الديني‭.‬

ويُطرح‭ ‬تساؤل‭ ‬مجتمعي‭ ‬حول‭ ‬جدوى‭ ‬هذا‭ ‬التعليم‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬دراسة‭ ‬القرآن‭ ‬في‭ ‬المساجد‭ ‬خلال‭ ‬فصل‭ ‬الصيف،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يعكس‭ ‬قناعة‭ ‬سائدة‭ ‬بأن‭ ‬الأولوية‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬للعلوم‭ ‬التطبيقية‭.‬

واكد‭ ‬السيد‭ ‬رياض‭ ‬ان‭ ‬خريج‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬يتجه‭  ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬المسارات‭ ‬التي‭ ‬يتجه‭ ‬إليها‭ ‬خريج‭ ‬التعليم‭ ‬العام،‭ ‬حيث‭ ‬يمكنه‭ ‬الالتحاق‭ ‬بالثانويات‭ ‬العامة‭ ‬أو‭ ‬المعاهد‭ ‬المتوسطة‭ ‬التابعة‭ ‬للدولة‭.‬

بل‭ ‬إن‭ ‬خريجي‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬يدرسون‭ ‬نفس‭ ‬المواد‭ ‬العامة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬مواد‭ ‬إضافية‭ ‬مثل‭ ‬الفقه‭ ‬والعقيدة‭ ‬والسيرة‭ ‬النبوية‭ ‬والقرآن‭ ‬الكريم‭ ‬والتجويد‭.‬

كما‭ ‬يتجه‭ ‬حامل‭ ‬الشهادة‭ ‬الثانوية‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬إلى‭ ‬نفس‭ ‬المسارات‭ ‬الجامعية‭ ‬التي‭ ‬يتجه‭ ‬إليها‭ ‬خريج‭ ‬الثانوية‭ ‬العامة‭ ‬–‭ ‬القسم‭ ‬الأدبي،‭ ‬مثل‭ ‬كليات‭ ‬الآداب،‭ ‬والقانون،‭ ‬والشريعة،‭ ‬وكلية‭ ‬التربية،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬جميع‭ ‬هذه‭ ‬المسارات‭ ‬متاحة،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬تخصصات‭ ‬تقنية‭ ‬المعلومات‭.‬اما‭ ‬عن‭ ‬استثمار‭ ‬خريجي‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬عقب‭ : ‬في‭ ‬عدة‭ ‬مجالات،‭ ‬من‭ ‬أبرزها‭ ‬التعليم،‭ ‬لتدريس‭ ‬اللغة‭ ‬العربية‭ ‬والدراسات‭ ‬الإسلامية‭ ‬والعلوم‭ ‬الشرعية،‭ ‬وبالأخص‭ ‬مادة‭ ‬التربية‭ ‬الإسلامية‭.‬

كما‭ ‬يمكن‭ ‬الاستفادة‭ ‬منهم‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الأوقاف،‭ ‬حيث‭ ‬يُطرح‭ ‬تساؤل‭ ‬مهم‭: ‬أيهما‭ ‬أفضل،‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الخطيب‭ ‬أو‭ ‬المرشد‭ ‬أو‭ ‬الإمام‭ ‬أو‭ ‬المصلح‭ ‬الاجتماعي‭ ‬من‭ ‬خريجي‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬أم‭ ‬من‭ ‬غيرهم؟

وفي‭ ‬الجانب‭ ‬الثقافي،‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مثقفين‭ ‬يحملون‭ ‬الثقافة‭ ‬الإسلامية،‭ ‬وإلى‭ ‬باحثين‭ ‬ودارسين‭ ‬

مـن‭ ‬المنـزل‭ ‬إلـى‭ ‬الجـامـع

بعد‭ ‬مضي‭ ‬عامين‭ ‬على‭ ‬التخرج‭ ‬لازلت‭ ‬بلا‭ ‬وظيفة‭..‬؟

راسخين‭ ‬لا‭ ‬يتأثرون‭ ‬سلبًا‭ ‬بثقافة‭ ‬الغرب،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬دورهم‭ ‬المهم‭ ‬في‭ ‬إصلاح‭ ‬المجتمع،‭ ‬حيث‭ ‬يكون‭ ‬تأثير‭ ‬المصلح‭ ‬الاجتماعي‭ ‬المتسلح‭ ‬بالعلم‭ ‬الشرعي‭ ‬أعمق‭ ‬وأوسع‭ ‬داخل‭ ‬المجتمع‭.‬

وحول‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬وخريجيه

فهي‭ ‬لا‭ ‬تواجه‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬وحده،‭ ‬بل‭ ‬تشمل‭ ‬أيضًا‭ ‬خريجي‭ ‬القسم‭ ‬الأدبي‭ ‬بوجه‭ ‬عام،‭ ‬حيث‭ ‬تتشابه‭ ‬العراقيل‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الجميع،‭ ‬وأبرزها‭ ‬عدم‭ ‬توافر‭ ‬فرص‭ ‬العمل‭.‬

فخريجو‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬وعلم‭ ‬النفس،‭ ‬وكذلك‭ ‬الجغرافيا‭ ‬والتاريخ،‭ ‬يواجهون‭ ‬تساؤلات‭ ‬مماثلة‭ ‬حول‭ ‬مستقبلهم‭ ‬الوظيفي‭.‬

وعلى‭ ‬العكس،‭ ‬فإن‭ ‬خريجي‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬مجالاتهم‭ ‬أوسع‭ ‬مقارنة‭ ‬بخريجي‭ ‬القسم‭ ‬الأدبي،‭ ‬إذ‭ ‬إن‭ ‬ما‭ ‬يواجهه‭ ‬التعليم‭ ‬الأدبي‭ ‬يواجهه‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬بالدرجة‭ ‬نفسها‭.‬

ويجب‭ ‬التفريق‭ ‬بين‭ ‬خريجي‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬من‭ ‬الثانويات‭ ‬وخريجي‭ ‬الجامعات،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بمجال‭ ‬التعليم،‭ ‬حيث‭ ‬تتطلب‭ ‬بعض‭ ‬الأقسام‭ ‬–‭ ‬مثل‭ ‬الحاسوب‭ ‬والأحياء‭ ‬–‭ ‬تدريس‭ ‬اللغة،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يستدعي‭ ‬خريجي‭ ‬الجامعات‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬الديني،‭ ‬وليس‭ ‬خريجي‭ ‬الثانويات‭..‬وبناءً‭ ‬عليه،‭ ‬فإن‭ ‬خريجي‭ ‬الثانويات‭ ‬الدينية‭ ‬لا‭ ‬يُفترض‭ ‬فتح‭ ‬مجالات‭ ‬عمل‭ ‬مباشرة‭ ‬لهم،‭ ‬بل‭ ‬ينبغي‭ ‬عليهم‭ ‬استكمال‭ ‬تعليمهم‭ ‬العالي‭ ‬ليكونوا‭ ‬مؤهلين‭ ‬للانخراط‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭.‬

الموازنة‭ ‬الصعبة‭: ‬نحو‭ ‬حلول‭ ‬مبتكرة

بين‭ ‬رغبة‭ ‬الأسر‭ ‬في‭ ‬تعليم‭ ‬ديني‭ ‬لأبنائها،‭ ‬وواقع‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭ ‬القاسي،‭ ‬تبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬حلول‭ ‬وسط‭ ‬مبتكرة‭. ‬يقترح‭ ‬خبراء‭ ‬ومراقبون‭ ‬عدة‭ ‬مسارات‭ ‬ممكنة‭:‬

‭..‬تطوير‭ ‬المناهج‭: ‬دمج‭ ‬العلوم‭ ‬الشرعية‭ ‬مع‭ ‬تخصصات‭ ‬حديثة‭. ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال،‭ ‬يمكن‭ ‬إنشاء‭ ‬مسار‭ ‬“التمويل‭ ‬والمصرفية‭ ‬الإسلامية”‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الفقه‭ ‬المالي‭ ‬والاقتصاد‭ ‬الحديث،‭ ‬أو‭ ‬مسار‭ ‬“الإعلام‭ ‬الديني‭ ‬الرقمي”‭ ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬علوم‭ ‬الشريعة‭ ‬ومهارات‭ ‬صناعة‭ ‬المحتوى‭ ‬الرقمي

‮…‬التدريب‭ ‬المهني‭ ‬الموازي‭: ‬إلزام‭ ‬طلاب‭ ‬المعاهد‭ ‬والكليات‭ ‬الشرعية‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬دبلومات‭ ‬مهنية‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬مطلوبة‭ (‬مثل‭ ‬صيانة‭ ‬الحاسوب،‭ ‬التصميم‭ ‬الجرافيكي،‭ ‬أو‭ ‬اللغات‭) ‬بالتوازي‭ ‬مع‭ ‬دراستهم‭ ‬الدينية،‭ ‬لتزويدهم‭ ‬بـ‭ ‬“حرفة”‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬العلم‭ ‬الشرعي‭.‬

‭..‬إعادة‭ ‬تعريف‭ ‬دور‭ ‬الخريج‭: ‬تشجيع‭ ‬الخريجين‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬انتظار‭ ‬الوظيفة‭ ‬الحكومية،‭ ‬وتوجيههم‭ ‬نحو‭ ‬إنشاء‭ ‬مشاريع‭ ‬خاصة‭ ‬بهم،‭ ‬مثل‭ ‬مراكز‭ ‬تحفيظ‭ ‬قرآن‭ ‬متطورة،‭ ‬أو‭ ‬شركات‭ ‬إنتاج‭ ‬محتوى‭ ‬ديني‭ ‬هادف،‭ ‬أو‭ ‬منصات‭ ‬استشارات‭ ‬أسرية‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬أسس‭ ‬شرعية‭ ‬وعلمية‭.‬

“علي”،‭ ‬وهو‭ ‬خريج‭ ‬حديث‭ ‬بدأ‭ ‬مشروعاً‭ ‬صغيراً‭ ‬لإنشاء‭ ‬محتوى‭ ‬فيديو‭ ‬مبسط‭ ‬عن‭ ‬الأخلاق‭ ‬الإسلامية‭ ‬على‭ ‬يوتيوب‭ ‬وتيك‭ ‬توك،‭ ‬يقول‭: ‬“انتظرت‭ ‬الوظيفة‭ ‬طويلاً‭ ‬ولم‭ ‬تأتِ‭. ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬أستخدم‭ ‬علمي‭ ‬بطريقة‭ ‬مختلفة‭. ‬وجدت‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬تعطشاً‭ ‬كبيراً‭ ‬للمحتوى‭ ‬الديني‭ ‬العصري‭ ‬والمبسط‭. ‬المستقبل‭ ‬ليس‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬الوظيفة،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬خلقها‭.‬”

خاتمة‭: ‬سؤال‭ ‬المستقبل

يبقى‭ ‬التعليم‭ ‬الديني‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬في‭ ‬قلب‭ ‬مفترق‭ ‬طرق‭ ‬حاسم‭. ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مسار‭ ‬تعليمي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬انعكاس‭ ‬لهوية‭ ‬المجتمع‭ ‬وتطلعاته‭. ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬تخريج‭ ‬آلاف‭ ‬الطلاب‭ ‬دون‭ ‬خطة‭ ‬واضحة‭ ‬لدمجهم‭ ‬في‭ ‬عجلة‭ ‬التنمية‭ ‬هو‭ ‬بمثابة‭ ‬بناء‭ ‬جدار‭ ‬عازل‭ ‬بينهم‭ ‬وبين‭ ‬مستقبل‭ ‬وطنهم‭. ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬ليبيا‭ ‬اليوم‭ ‬ليس‭ ‬الاختيار‭ ‬بين‭ ‬الدين‭ ‬والتنمية،‭ ‬بل‭ ‬إيجاد‭ ‬الطريق‭ ‬الحكيم‭ ‬الذي‭ ‬يدمج‭ ‬بينهما،‭ ‬لتخريج‭ ‬جيل‭ ‬يحمل‭ ‬قيمه‭ ‬الدينية‭ ‬في‭ ‬قلبه،‭ ‬ويحمل‭ ‬مهارات‭ ‬العصر‭ ‬في‭ ‬يده،‭ ‬ليساهم‭ ‬بفعالية‭ ‬في‭ ‬بناء‭ ‬ليبيا‭ ‬الجديدة‭.‬

Share this content: