التعليم الديني في ليبيا
قداسة المحتوى وأزمة المخرجات
في زاوية هادئة من منزله في طرابلس، يقلب “أحمد” (28 عاماً)، شهادة الماجستير في الدراسات الإسلامية التي حصل عليها بتقدير امتياز. .كان حلم والديه أن يصبح “شيخاً” جليلاً، وأن يكرس حياته لعلوم الدين. اليوم، وبعد سنوات من الحفظ والدراسة، يجد أحمد نفسه أمام واقع مرير: بطالة طويلة، وفرص عمل شبه معدومة خارج نطاق الإمامة والخطابة في مساجد باتت مكتظة أصلاً. قصة أحمد ليست فردية، بل هي نافذة نطل منها على قضية معقدة وشائكة: جدوى ومستقبل مخرجات التعليم الديني في ليبيا الحديثة.
هذا التحقيق يغوص في أعماق هذا الملف، مستعيناً بآراء مسؤولين وخبراء وأولياء أمور وطلاب، ليطرح أسئلة جوهرية: هل يساهم التعليم الديني في بناء ليبيا المستقبل؟ وكيف يمكن الموازنة بين رغبة المجتمع في الحفاظ على هويته الدينية وبين متطلبات سوق العمل واحتياجات التنمية المستدامة؟
وزارة التعليم في قفص الاتهام
هل يخشى المسؤولون رياح التغيير باسم الدين؟
<< تقرير:- ازاد الفرج
جذور القصة: إرث تاريخي وإقبال متزايد
لم يكن التعليم الديني يوماً غريباً عن ليبيا. فمنذ مئات السنين، شكلت “الزوايا” السنوسية وغيرها منارات للعلم الشرعي وحفظ القرآن، وكانت المصدر شبه الوحيد للمعرفة وبعد الاستقلال، تم دمج التعليم الديني في المنظومة الرسمية عبر المعاهد الدينية والجامعات.
بعد عام 2011، شهد هذا النوع من التعليم إقبالاً متزايداً. يوضح “الحاج مفتاح”، وهو ولي أمر لطالبين في أحد المعاهد الدينية، سبب اختياره هذا المسار لأبنائه: “العالم اليوم مليء بالفتن والمغريات. أريد لأبنائي أن ينشأوا على الأخلاق والدين القويم. هذه المدارس توفر بيئة محافظة وآمنة، وتحصنهم من الانحراف. الشهادة الجامعية ليست كل شيء، الأهم هو التربية الصالحة.”
هذا الرأي يعكس رغبة شريحة واسعة من المجتمع الليبي في التمسك بالهوية الإسلامية كركيزة أساسية للتربية في مواجهة تحديات العولمة والانفتاح الثقافي.

المنظومة الحالية:
مناهج تقليدية وفرص محدودة
تتوزع مؤسسات التعليم الديني في ليبيا اليوم بين معاهد دينية تابعة لوزارة التعليم، وكليات متخصصة في الجامعات الليبية مثل كلية الدعوة وأصول الدين، وكلية الشريعة والقانون ، بالإضافة إلى مؤسسات تابعة لهيئات دينية كدار الإفتاء التي افتتحت معاهد عليا خاصة بها .
“فاطمة”، طالبة في السنة النهائية بكلية العلوم الشرعية، تصف طبيعة المناهج: “الدراسة تعتمد بشكل كبير على الحفظ والتلقين. ندرس علوم القرآن، الحديث، الفقه، العقيدة، وهي علوم جليلة. لكننا لا ندرس مهارات عملية تؤهلنا لسوق العمل. لا توجد مواد في الإدارة، أو ريادة الأعمال، أو حتى مهارات الحاسوب المتقدمة. نشعر أحياناً أننا ندرس في جزيرة معزولة عن الواقع.”هذا ما اكتشفته وانا في سنة التخرج
هذه الشهادة تفتح الباب على إشكالية جوهرية: محدودية المناهج. يرى نقاد أن هذه المناهج، رغم أهميتها في تكوين الخلفية الشرعية، إلا أنها لا تزود الطالب بالمهارات اللازمة للاندماج في سوق عمل حديث ومتغير. فالفرص الوظيفية لخريج العلوم الشرعية تنحصر غالباً في:
• قطاع التعليم: كمعلم للتربية الإسلامية.
• قطاع الأوقاف: كإمام، أو خطيب، أو واعظ.
• القضاء الشرعي: وهو قطاع محدود جداً في قدرته على الاستيعاب.
صدمة الواقع: بطالة مقنعة ومستقبل غامض
هنا تكمن الأزمة الحقيقية. “د. حسين الأنصاري”، خبير اقتصادي ومحلل لسوق العمل، يقدم رؤية تحليلية قاسية: “نحن نواجه ما يسمى بالبطالة الهيكلية. سوق العمل الليبي، سواء في القطاع العام أو الخاص، يحتاج إلى مهندسين، أطباء، مبرمجين، فنيين، ومسوقين. الطلب على خريجي العلوم الشرعية شبه منعدم خارج القطاعات التقليدية المذكورة. الدولة تقوم بتوظيف أعداد كبيرة منهم في قطاعي التعليم والأوقاف، وهو ما يمكن اعتباره نوعاً من البطالة المقنعة، حيث لا توجد حاجة فعلية لهذا الكم من الموظفين، مما يثقل كاهل الميزانية العامة دون أي عائد تنموي حقيقي.
يضيف د. الأنصاري: “السؤال الذي يجب أن نطرحه بجرأة: هل تخريج آلاف المتخصصين في العلوم الشرعية سنوياً يساهم في مشاريع التنمية المستدامة؟ هل
بني اقتصاداً متنوعاً؟ الإجابة للأسف هي لا. نحن نستثمر في تكوين كفاءات لا يحتاجها سوق العمل، وهذا هدر للموارد البشرية والمالية
صوت المسؤول: بين الاعتراف بالأزمة وصعوبة الحل
عند مواجهة المسؤولين بهذه الحقائق، يبدو المشهد أكثر تعقيداً. مصدر مسؤول في وزارة التعليم (فضل عدم ذكر اسمه) صرح للتحقيق قائلاً: “نحن ندرك وجود فجوة بين مخرجات التعليم بشكل عام، والتعليم الديني جزء منه، وبين متطلبات سوق العمل. هناك ضغط مجتمعي كبير للحفاظ على هذه المعاهد وتوسيعها. أي محاولة للمساس بها أو تغييرها بشكل جذري قد تفسر على أنها محاربة للدين
ويضيف: “نحن نعمل حالياً على مراجعة بعض المناهج لإضافة مواد دراسية حديثة، لكن الأمر يتطلب وقتاً وتوافقاً مجتمعياً. الفكرة ليست إلغاء التعليم الديني، بل تطويره ليتماشى مع العصر
من جهة أخرى، يرى مسؤول في الهيئة العامة للأوقاف والشؤون الإسلامية أن دور هذا التعليم أسمى من مجرد تلبية متطلبات سوق العمل. يقول: “مهمتنا هي بناء الإنسان قبل بناء العمران. خريجو هذه المعاهد هم صمام الأمان للمجتمع، يحافظون على قيمه وأخلاقه. قد لا يساهمون في بناء جسر أو مصنع، لكنهم يساهمون في بناء مجتمع متماسك ومستقر. وهذا بحد ذاته أكبر مشروع تنموي.”
في حين اجاب السيد رياض النسر مدير ادارة المناهج للتعليم الديني :
:تُبنى مناهج التعليم الديني في الدولة الليبية على أسس ومكوّنات علمية وتربوية، شأنها شأن بقية المناهج التعليمية وتتمثل هذه الأسس في الجانب الديني المرتبط بعقيدة المجتمع وهويته الإسلامية، حيث تُبنى المناهج بما يتوافق مع مذهب الإمام مالك، وهو المذهب المعتمد في البلاد، وبما يخدمه ويعكس رؤية المجتمع وتطلعاته، المستمدة من قيم الإسلام وآدابه وثقافة المجتمع الليبي المسلم.
كما تُراعى في بناء هذه المناهج الأسس النفسية والتربوية، بما يتماشى مع خصائص المتعلم في مراحل التعليم المختلفة، إذ يختلف التعليم الأساسي عن التعليم الثانوي من حيث مراعاة الجوانب النفسية والعمرية ونفسية المتعلم واحتياجاته المعرفية.
واضاف اجابة على درجة الإقبال والتوجه للتعليم الديني عن العام
:الإقبال على التعليم الديني ليس مرتفعًا مقارنة ببقية التخصصات، إذ تميل الغالبية إلى العلوم التطبيقية والعلمية، ويكاد يُلاحظ عزوف واضح عن الإقدام على التعليم الديني ويُعزى ذلك إلى عدة أسباب، من بينها دسامة المنهج الدراسي، إضافة إلى متطلبات العصر التي تتجه بقوة نحو سوق العمل، مثل الهندسة والعلوم التطبيقية والتقنية والتخصصات الطبية.
كما أن هذا العزوف يعكس ثقافة المجتمع

مناهج تجميد الزمن
دراسة مكثفة ل14 مادة والنتيجة انتظار الوظيفة !
وتوجهاته، خاصة مع مقارنة عدد المواد، حيث يدرس طالب التعليم الديني نحو (14) مادة، مقابل (9) مواد في التعليم الأساسي غير الديني.
ويُطرح تساؤل مجتمعي حول جدوى هذا التعليم في ظل دراسة القرآن في المساجد خلال فصل الصيف، وهو ما يعكس قناعة سائدة بأن الأولوية ينبغي أن تكون للعلوم التطبيقية.
واكد السيد رياض ان خريج التعليم الديني يتجه إلى نفس المسارات التي يتجه إليها خريج التعليم العام، حيث يمكنه الالتحاق بالثانويات العامة أو المعاهد المتوسطة التابعة للدولة.
بل إن خريجي التعليم الديني يدرسون نفس المواد العامة، إلى جانب مواد إضافية مثل الفقه والعقيدة والسيرة النبوية والقرآن الكريم والتجويد.
كما يتجه حامل الشهادة الثانوية من التعليم الديني إلى نفس المسارات الجامعية التي يتجه إليها خريج الثانوية العامة – القسم الأدبي، مثل كليات الآداب، والقانون، والشريعة، وكلية التربية، إضافة إلى أن جميع هذه المسارات متاحة، بما في ذلك تخصصات تقنية المعلومات.اما عن استثمار خريجي التعليم الديني عقب : في عدة مجالات، من أبرزها التعليم، لتدريس اللغة العربية والدراسات الإسلامية والعلوم الشرعية، وبالأخص مادة التربية الإسلامية.
كما يمكن الاستفادة منهم في مجال الأوقاف، حيث يُطرح تساؤل مهم: أيهما أفضل، أن يكون الخطيب أو المرشد أو الإمام أو المصلح الاجتماعي من خريجي التعليم الديني أم من غيرهم؟
وفي الجانب الثقافي، نحن بحاجة إلى مثقفين يحملون الثقافة الإسلامية، وإلى باحثين ودارسين
مـن المنـزل إلـى الجـامـع
بعد مضي عامين على التخرج لازلت بلا وظيفة..؟
راسخين لا يتأثرون سلبًا بثقافة الغرب، إضافة إلى دورهم المهم في إصلاح المجتمع، حيث يكون تأثير المصلح الاجتماعي المتسلح بالعلم الشرعي أعمق وأوسع داخل المجتمع.
وحول التحديات التي تواجه التعليم الديني وخريجيه
فهي لا تواجه التعليم الديني وحده، بل تشمل أيضًا خريجي القسم الأدبي بوجه عام، حيث تتشابه العراقيل التي تواجه الجميع، وأبرزها عدم توافر فرص العمل.
فخريجو علم الاجتماع وعلم النفس، وكذلك الجغرافيا والتاريخ، يواجهون تساؤلات مماثلة حول مستقبلهم الوظيفي.
وعلى العكس، فإن خريجي التعليم الديني قد تكون مجالاتهم أوسع مقارنة بخريجي القسم الأدبي، إذ إن ما يواجهه التعليم الأدبي يواجهه التعليم الديني بالدرجة نفسها.
ويجب التفريق بين خريجي التعليم الديني من الثانويات وخريجي الجامعات، خاصة في ما يتعلق بمجال التعليم، حيث تتطلب بعض الأقسام – مثل الحاسوب والأحياء – تدريس اللغة، وهو ما يستدعي خريجي الجامعات من التعليم الديني، وليس خريجي الثانويات..وبناءً عليه، فإن خريجي الثانويات الدينية لا يُفترض فتح مجالات عمل مباشرة لهم، بل ينبغي عليهم استكمال تعليمهم العالي ليكونوا مؤهلين للانخراط في سوق العمل.
الموازنة الصعبة: نحو حلول مبتكرة
بين رغبة الأسر في تعليم ديني لأبنائها، وواقع سوق العمل القاسي، تبرز الحاجة إلى حلول وسط مبتكرة. يقترح خبراء ومراقبون عدة مسارات ممكنة:
..تطوير المناهج: دمج العلوم الشرعية مع تخصصات حديثة. على سبيل المثال، يمكن إنشاء مسار “التمويل والمصرفية الإسلامية” الذي يجمع بين الفقه المالي والاقتصاد الحديث، أو مسار “الإعلام الديني الرقمي” الذي يجمع بين علوم الشريعة ومهارات صناعة المحتوى الرقمي
…التدريب المهني الموازي: إلزام طلاب المعاهد والكليات الشرعية بالحصول على دبلومات مهنية في مجالات مطلوبة (مثل صيانة الحاسوب، التصميم الجرافيكي، أو اللغات) بالتوازي مع دراستهم الدينية، لتزويدهم بـ “حرفة” إلى جانب العلم الشرعي.
..إعادة تعريف دور الخريج: تشجيع الخريجين على عدم انتظار الوظيفة الحكومية، وتوجيههم نحو إنشاء مشاريع خاصة بهم، مثل مراكز تحفيظ قرآن متطورة، أو شركات إنتاج محتوى ديني هادف، أو منصات استشارات أسرية قائمة على أسس شرعية وعلمية.
“علي”، وهو خريج حديث بدأ مشروعاً صغيراً لإنشاء محتوى فيديو مبسط عن الأخلاق الإسلامية على يوتيوب وتيك توك، يقول: “انتظرت الوظيفة طويلاً ولم تأتِ. قررت أن أستخدم علمي بطريقة مختلفة. وجدت أن هناك تعطشاً كبيراً للمحتوى الديني العصري والمبسط. المستقبل ليس في انتظار الوظيفة، بل في خلقها.”
خاتمة: سؤال المستقبل
يبقى التعليم الديني في ليبيا في قلب مفترق طرق حاسم. إنه ليس مجرد مسار تعليمي، بل هو انعكاس لهوية المجتمع وتطلعاته. الاستمرار في تخريج آلاف الطلاب دون خطة واضحة لدمجهم في عجلة التنمية هو بمثابة بناء جدار عازل بينهم وبين مستقبل وطنهم. التحدي الأكبر الذي يواجه ليبيا اليوم ليس الاختيار بين الدين والتنمية، بل إيجاد الطريق الحكيم الذي يدمج بينهما، لتخريج جيل يحمل قيمه الدينية في قلبه، ويحمل مهارات العصر في يده، ليساهم بفعالية في بناء ليبيا الجديدة.
Share this content: