×

رواية غريس لين الجديدة المنتظرة بطلها حيوان لأول مرة

رواية غريس لين الجديدة المنتظرة بطلها حيوان لأول مرة

سقوط مفاجئ في حفرة يقودك إلى «أرض العجائب»، أو خزانة تُفتح على «نارنيا»، أو قطار ينطلق من الرصيف    ليأخذك إلى «هوغوورتس».

عبور العوالم والأبواب الخفية لطالما كان امتيازًا خالصًا لعالم الطفولة. لذا لا عجب أن تحظى روايات الفانتازيا الموجهة لليافعين بهذا الزخم والخلود، لأنها تستدعي مغامرات لا يبهت وهجها.

وها هي غريس لين، الكاتبة المبدعة، تستلهم هذا النمط في روايتها الجديدة «البوابة، الفتاة، والتنين»، ولكن برؤية خاصة وفريدة. حيث تدور أحداث الرواية في قلب مدينة حديثة صاخبة، يتوسطها باب المدينة القديمة

بقلم: غريس لين

العبور‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬شيئًا‭ ‬للبشر‭ ‬سوى‭ ‬الدخول‭ ‬إلى‭ ‬حي‭ ‬تناثرت‭ ‬فيه‭ ‬الفوانيس‭ ‬الحمراء‭ ‬وأطباق‭ ‬الطعام‭ ‬التقليدي‭ ‬والأعمال‭ ‬اليدوية‭.‬

لكن‭ ‬بالنسبة‭ ‬لمجموعة‭ ‬مخلوقات‭ ‬أسطورية‭ ‬تُدعى‭ ‬الغونغشي‭ ‬(Gongshi‭)‬،‭ ‬فإن‭ ‬هذا‭ ‬الباب‭ ‬هو‭ ‬المدخل‭ ‬الوحيد‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬عالمهم‭ ‬الساحر‭ ‬المكوّن‭ ‬من‭ ‬سهول‭ ‬وأنهار‭ ‬وجبال‭.‬

الغونغشي‭ ‬كائنات‭ ‬مرحة‭ ‬تنبض‭ ‬بالحيوية،‭ ‬لكنها‭ ‬حين‭ ‬تدخل‭ ‬العالم‭ ‬الحديث‭ ‬تتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬أحجار‭ ‬صامتة‭: ‬تماثيل،‭ ‬أعمدة‭ ‬طرق،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬قلائد‭… ‬تبدو‭ ‬بلا‭ ‬حياة‭ ‬في‭ ‬أعين‭ ‬البشر،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬تحرس‭ ‬المدينة‭ ‬من‭ ‬الأخطار‭.‬

جميع‭ ‬الغونغشي‭ ‬يأخذون‭ ‬مهمتهم‭ ‬على‭ ‬محمل‭ ‬الجد‭… ‬باستثناء‭ ‬واحد‭.‬

جين‭ (‬Jin‭)‬،‭ ‬بطل‭ ‬الرواية،‭ ‬شبل‭ ‬أسد‭ ‬من‭ ‬الغونغشي،‭ ‬يفضّل‭ ‬اللهو‭ ‬واللعب‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬مهامه‭ ‬كحارس‭. ‬وفي‭ ‬لحظة‭ ‬غضبٍ‭ ‬من‭ ‬والده،‭ ‬يصطدم‭ ‬بـ«الكرة‭ ‬المقدسة‮»‬،‭ ‬تلك‭ ‬الكرة‭ ‬الذهبية‭ ‬التي‭ ‬يُمنع‭ ‬المساس‭ ‬بها،‭ ‬فيُسقطها‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬الخطأ‭.‬

تتدحرج‭ ‬الكرة‭ ‬خارجة‭ ‬من‭ ‬المنزل،‭ ‬تتجاوز‭ ‬باب‭ ‬المدينة‭ ‬القديمة،‭ ‬فيركض‭ ‬جين‭ ‬خلفها‭. ‬لكن‭ ‬جهوده‭ ‬باءت‭ ‬بالفشل‭… ‬فأُغلق‭ ‬الباب‭ ‬خلفه،‭ ‬وعلق‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬البشر‭.‬

فهل‭ ‬سيتمكن‭ ‬هذا‭ ‬الشبل‭ ‬الطائش‭ ‬من‭ ‬رؤية‭ ‬والديه‭ ‬مرة‭ ‬أخرى؟

طوال‭ ‬صفحات‭ ‬الرواية‭ ‬الـ300‭ ‬التالية،‭ ‬يخوض‭ ‬جين‭ ‬مغامرة‭ ‬شاقة‭ -‬جسديًا‭ ‬ونفسيًا‭- ‬لإعادة‭ ‬فتح‭ ‬البوابة‭ ‬والعودة‭ ‬

إلى‭ ‬دياره‭.‬

في‭ ‬طريقه،‭ ‬يلتقي‭ ‬بفتاة،‭ ‬ونحّات،‭ ‬وتنين‭ ‬يتخذ‭ ‬شكل‭ ‬دودة‭!‬

لكن‭ ‬ليس‭ ‬الجميع‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬يبدو،‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬الوثوق‭ ‬بالجميع‭..‬في‭ ‬الجهة‭ ‬الأخرى،‭ ‬تحاول‭ ‬بقية‭ ‬الغونغشي‭ ‬إعادة‭ ‬فتح‭ ‬البوابة‭ ‬أيضًا،‭ ‬لإنقاذ‭ ‬جين‭ ‬واستعادة‭ ‬الكرة‭ ‬المقدسة‭.‬

هذا‭ ‬النمط‭ ‬السردي‭ -‬خطوط‭ ‬سردية‭ ‬متوازية‭ ‬تنطلق‭ ‬نحو‭ ‬نقطة‭ ‬التقاء‭ ‬واحدة‭- ‬هو‭ ‬أحد‭ ‬توقيعات‭ ‬غريس‭ ‬لين‭ ‬الأدبية‭.‬

كما‭ ‬أنها‭ ‬توظّف‭ ‬أسلوب‭ ‬‮«‬الحكاية‭ ‬داخل‭ ‬الحكاية‮»‬،‭ ‬وتصوغ‭ ‬أسماء‭ ‬أماكن‭ ‬حالمة‭ ‬مثل‭ ‬‮«‬مدينة‭ ‬ضوء‭ ‬القمر‭ ‬الساطع‮»‬،‭ ‬وتُزيّن‭ ‬صفحات‭ ‬كتبها‭ ‬برسوم‭ ‬ملونة‭ ‬آسرة‭.‬

حتى‭ ‬عناوين‭ ‬رواياتها‭ ‬تبدو‭ ‬كألغاز‭ ‬شعرية‭:‬

‮«‬حين‭ ‬التقت‭ ‬الجبال‭ ‬بالقمر‮»‬،‭ ‬‮«‬حين‭ ‬تحوّل‭ ‬البحر‭ ‬إلى‭ ‬فضة‮»‬‭.‬

لحل‭ ‬هذه‭ ‬الألغاز،‭ ‬لا‭ ‬مفر‭ ‬من‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬القراءة‭… ‬والدليل؟‭ ‬نجاح‭ ‬المبيعات‭ ‬وتهافت‭ ‬الجوائز‭.‬

لكن‭ ‬رغم‭ ‬براعتها،‭ ‬تعاني‭ ‬الرواية‭ ‬من‭ ‬بطء‭ ‬في‭ ‬الإيقاع‭.‬

فخطّ‭ ‬النحّات‭ -‬رغم‭ ‬أهميته‭- ‬يشوّش‭ ‬على‭ ‬مسار‭ ‬جين‭ ‬ومهمته‭.‬

وفي‭ ‬محاولة‭ ‬مزج‭ ‬الخيال‭ ‬الحضري‭ ‬بعالم‭ ‬الأسطورة،‭ ‬تُدخل‭ ‬الكاتبة‭ ‬عناصر‭ ‬مثل‭ ‬الهواتف‭ ‬الذكية،‭ ‬المتاحف،‭ ‬وناطحات‭ ‬السحاب‭… ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يجعل‭ ‬القارئ‭ ‬يشعر‭ ‬أحيانًا‭ ‬بتنافرٍ‭ ‬بين‭ ‬العوالم‭.‬

حتى‭ ‬البوابات‭ ‬السحرية‭ ‬لها‭ ‬حدود‭!‬

ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ما‭ ‬تُبدع‭ ‬فيه‭ ‬الرواية‭ ‬بحق‭ ‬هو‭ ‬شخصية‭ ‬جين‭.‬

هو‭ ‬ليس‭ ‬كأبطال‭ ‬لين‭ ‬السابقين‭ ‬من‭ ‬البشر‭ ‬الذين‭ ‬يقدّسون‭ ‬الحكايات‭.‬

بل‭ ‬هو‭ ‬شبل‭ ‬عنيد،‭ ‬يُصغي‭ ‬لقصص‭ ‬والده‭ ‬بتظاهر‭ ‬فقط،‭ ‬حتى‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬لا‭ ‬مخرج‭ ‬منه‭ ‬إلا‭ ‬عبر‭ ‬تلك‭ ‬القصص‭ ‬التي‭ ‬طالما‭ ‬تجاهلها‭.‬

وكلما‭ ‬ازدادت‭ ‬التحديات،‭ ‬طال‭ ‬بقاء‭ ‬البوابة‭ ‬مغلقة،‭ ‬ونضج‭ ‬الشبل‭ ‬أكثر‭.‬

في‭ ‬لحظة‭ ‬اعتراف‭ ‬صامتة،‭ ‬يقول‭ ‬لنفسه‭:‬

‘‘هناك‭ ‬أشياء‭ ‬أهم‭ ‬من‭ ‬اللعب‭… ‬أهم‭ ‬حتى‭ ‬مما‭ ‬أريده‭ ‬لنفسي‭… ‬وهذا‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬كوني‭ ‬روح‭ ‬حجرية’’‭.‬

لكن‭ ‬جين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬وحده‭ ‬في‭ ‬رحلته‭ ‬التحولية‭.‬

غريس‭ ‬لين‭ ‬نفسها،‭ ‬قد‭ ‬نشأت‭ ‬في‭ ‬ولاية‭ ‬نيويورك،‭ ‬رفضت‭ ‬في‭ ‬بداياتها‭ ‬هويتها‭ ‬الصينية،‭ ‬وتجنبت‭ ‬لغتها‭ ‬الأم‭.‬

لكن‭ ‬أثناء‭ ‬دراستها‭ ‬الفن‭ ‬في‭ ‬‮«‬مدرسة‭ ‬رود‭ ‬آيلاند‭ ‬للتصميم‮»‬،‭ ‬سافرت‭ ‬إلى‭ ‬إيطاليا،‭ ‬هناك‭ -‬وهي‭ ‬تجلس‭ ‬في‭ ‬مقهى‭ ‬تناقش‭ ‬شغفها‭ ‬بصناعة‭ ‬الكتب‭- ‬أدركت‭ ‬فجأة‭ ‬أنها‭ ‬أهملت‭ ‬كنزًا‭ ‬من‭ ‬الحكايات‭ ‬والأساطير‭ ‬في‭ ‬ثقافتها‭ ‬الأم‭.‬

آلهة‭ ‬وحوريات،‭ ‬أسماك‭ ‬وخيوط‭ ‬مقدسة،‭ ‬أحجار‭ ‬مسحورة‭…‬

كان‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬في‭ ‬انتظارها‭ ‬فقط‭ ‬لأن‭ ‬تتقدم‭ ‬وتدخل‭ ‬هذا‭ ‬العالم‭.‬

البوابات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬رمزية‭ ‬أدبية‭… ‬إنها‭ ‬ضرورة‭ ‬للحياة‭.‬

بوابة‭ ‬أوصلت‭ ‬‮«‬ماكس‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬الوحوش،‭ ‬و«دوروثي‮»‬‭ ‬إلى‭ ‬‮«‬أوز‮»‬‭..‬وبالنسبة‭ ‬للكتّاب،‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تمنحهم‭ ‬السفر‭ ‬عبر‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬ليكتبوا‭ ‬روايات‭ ‬نضجهم‭ – ‬لأنفسهم‭ ‬ولأبطالهم‭ ‬معًا‭.‬

سافرت‭ ‬لين‭ ‬إلى‭ ‬الصين‭ ‬وتايوان‭ (‬موطن‭ ‬والديها‭ ‬الأصلي‭)‬،‭ ‬وهناك‭ ‬انغمست‭ ‬في‭ ‬الرموز‭ ‬والأساطير‭.‬

مزجت‭ ‬ملاحظاتها‭ ‬بالخيال،‭ ‬وكتبت‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الكتب‭ ‬التي‭ ‬تنبض‭ ‬بروح‭ ‬الحكاية‭ ‬الصينية،‭ ‬كل‭ ‬واحدة‭ ‬منها‭ ‬تحية‭ ‬حنونة‭ ‬إلى‭ ‬جذورها‭ ‬واحتفال‭ ‬صادق‭ ‬بالتنوّع‭ ‬الثقافي‭.‬

رغم‭ ‬بعض‭ ‬عثرات‭ ‬الإيقاع،‭ ‬تثبت‭ ‬رواية‭ ‬‮«‬البوابة،‭ ‬الفتاة،‭ ‬والتنين‮»‬‭ ‬مرة‭ ‬أخرى‭ ‬فرادة‭ ‬غريس‭ ‬لين،‭ ‬إذ‭ ‬قامت‭ ‬بعكس‭ ‬الصورة‭ ‬النمطية‭:‬

هذه‭ ‬المرة،‭ ‬البطل‭ ‬ليس‭ ‬إنسانًا‭ ‬يدخل‭ ‬عالماً‭ ‬سحريًا،‭ ‬بل‭ ‬كائن‭ ‬سحري‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬بيته‭.‬

Share this content: