×

بوشار الثقافة!

عبد الرزاق الداهش

بوشار الثقافة!

​كان للجدة “سيليا” الفضل الأكبر في ظهور موهبة ليونيل ميسي؛ إذ كانت ترافق الحفيد إلى ملاعب الكرة ليزاول موهبته في مدينة روزاريو الأرجنتينية.

توفيت الجدة قبل أن ترى ميسي وهو يفجر موهبته في أكاديمية “لاماسيا” التابعة لنادي برشلونة.

​تعرض ميسي قبل ذلك لمرض نقص هرمون النمو، والذي كان يتطلب علاجاً عالي الكلفة، فانتقل الطفل إلى ناديه المحبب برشلونة الذي تكفل بعلاجه.

​وفقاً لجبلٍ من البيانات، فقد ولد ميسي يوم 24 يونيو عام 1987 في مدينة روزاريو. ويفضل صاحب الكرة الذهبية ثماني مرات اللعب بالقدم اليسرى، كما يبلغ طوله 170 سنتيمتراً، ويرتدي حذاءً بمقاس 42 وفقاً للأحجام الأوروبية.

​على هذا النحو، هناك معلومات متوفرة عن: كم لعب ميسي من ساعة ودقيقة، وكم سجل من “سوبر هاتريك”، زد على ذلك كم صنع من تمريرات حاسمة (“أسيست”)، وكم مراوغة قام بها، وكم مرة أشار بيده لزملائه، وكم دقيقة بقي أمام صالة الولادة ينتظر مولوده!

هناك معلومات عن زوجته، وأولاده ونوع حفاضاتهم، وحول جدته ذات الأصول الإيطالية، وكيف حفر رسم وجهها وهماً/وشماً على كتفه.

​فائضٌ من المعلومات عن بيليه ومارادونا، وكيف تعثر زيدان في الحمام، ورقم حذاء هالاند، وكم مرة تعرض إمبابي لـ”لفحة برد”، وعدد سيارات هاري كين، ومن يحلق شعر الحكم الإيطالي كولينا!

​بنكٌ من المعلومات عن كل مسابقة وعن كل مباراة: نسبة الاستحواذ، التسديد على المرمى، والتمريرات الحاسمة.

حوارات يومية في المقهى، ومقر العمل، والبيت، والحديقة العامة، وفي الجامعة، وعلى “ركّابة” جامع ميزران.. حوارات متشنجة، وأخرى ودية عن أخطاء التحكيم، وأخطاء المدربين، وحراس المرمى، وصيحات الشوالي التي تشبه صياح الباعة المتجولين.. موسوعة بمحتوى ضخم يسيطر على العقول حول كرة تُعبل بالأقدام!

​ما نُشر حول ليونيل ميسي خلال عام واحد فقط يتخطى 490 ألف مقال، وحجم البيانات الرقمية التي تُنتج كل يوم حول قطاع كرة القدم يصل إلى 400 مليون تيرابايت!

​فمن يعرف الروائي الأرجنتيني العالمي خورخي بورخيس؟ أو الكيميائي لويس ليلوار؟ هذا ناهيك عن “نبي” الثورة العالمية جيفارا!

هناك آلاف البيانات عن ريفيلينو، وزيكو، ونيمار، وفينيسيوس.. ولكن من يعرف لولا دا سيلفا؟ ذلك الرجل الذي استطاع أن يحول البرازيل إلى واحدة من بين الدول الصناعية العشر الكبرى في العالم بعد أن كانت تعاني من ديون أثقل من جبال الأنديز!

من لا يعرف اللاعب الإسباني الملقب بـ “الرسام”، ومن يعرف رساماً إسبانياً عظيماً مثل بابلو بيكاسو، أو السريالي سلفادور دالي؟ ولا ننسى الروائي الإسباني ميغيل دي ثيربانتس، صاحب “دون كيشوت” إحدى روائع الأدب العالمي.

​حشوٌ من المعلومات عن تفاصيل في منتهى الصغر على حساب المعرفة الحقيقية والفكر الأصيل.. والأسوأ هو تسليع كرة القدم؛ فقد تحولت من رياضة ومتعة إلى شغف مرضي!

​يقول الكاتب الكندي آلان دونو، صاحب كتاب نظام التفاهة:

​”حين تتحول ذاكرة الأمة إلى مستودع للإحصاءات الرياضية وتخلو من المعرفة، يكون نظام التفاهة بالفعل قد حقق أحد أكبر انتصاراته (أو فتوحاته)”.

Share this content: