حرف غريان
حكايـات تصنعها
الأيدي الليبية
الصـــــابـــرة
جمـع وتقديم : محمــد القذافــي مسعــود
تصويـــر : زكريــا ثليـج
تشكّل الحرف والصناعات التقليدية جزءا أصيلا من الذاكرة الاجتماعية والثقافية للمدن، فهي ليست مجرد وسائل للرزق أو أنماط إنتاج قديمة، بل تمثل سجلاً حيًا لتحولات المكان ومرآةً تعكس علاقة الإنسان ببيئته ومواده الأولى. وفي مدينة غريان، لا تزال بعض المهن التقليدية تقاوم النسيان، حاملة معها تفاصيل حياة كاملة صنعتها الأيدي الليبية عبر عقود طويلة.. وفي محاولة لتوثيق جانب من هذا التراث، جمع وقدم الباحث محمد القذافي مسعود، بعدسة المصور زكريا ثليج، شهادات عدد من الحرفيين الذين لا يزالون يحتفظون بذاكرة المهنة وروحها، رغم صعوبة الوصول إلى المعلومات التاريخية وندرة التوثيق المكتوب.. بين أزقة غريان القديمة، وتحت ظلال أشجار الزيتون، تنفتح الحكايات على زمن كانت فيه الحرفة جزءًا من هوية الإنسان اليومية. فمن “شليوني المدينة” إلى القواسم وتغرنة والكليبة، تتوزع ذاكرة الصناعات التقليدية على أمكنة لا تزال تحتفظ بأصداء المطرقة، ورائحة الطين، وصوت الطاحونة، وخشونة الخيط المنسوج يدويًا.

حداد المطرقة والنار
يستعيد الحاج عبدالنبي غيث قنيدي، المولود سنة 1934 بمنطقة تغرنة في غريان، تفاصيل رحلته الطويلة مع مهنة الحدادة. فقد غادر مع والده إلى بنغازي سنة 1945، قبل أن ينتقل لاحقًا إلى طرابلس، حيث تعلم المهنة على يد حرفي إيطالي.
ويصف قنيدي سنوات التعلّم والعمل باعتبارها مدرسة للحياة، إذ ظل يعمل في الحدادة منذ خمسينات القرن الماضي حتى عودته إلى غريان وافتتاح ورشته الخاصة في تغرنة. ويشرح الفرق بين “الحداد الافرنجي” المتخصص في صناعة الأبواب والنوافذ، و”الحداد العربي” الذي يصنع أدوات الحياة اليومية الليبية مثل المناجل والفؤوس والمحاشّ.
كما يبرز اسم والده، غيث قنيدي، بوصفه واحدًا من صناع الأدوات الخشبية التقليدية في أربعينات القرن الماضي، حيث كان يصنع القصعات والمغارف وأبواب “حوش الحفر” ومحراث الخشب من أشجار الزيتون.

الفخار.. ذاكرة الطين في القواسم
وفي منطقة القواسم، التي عُرفت تاريخيا بصناعة الفخار، يواصل الحرفي محفوظ محمد عزيز إرثا عائليا يعود إلى نحو مئتي عام. بدأ محفوظ تعلم المهنة وهو في الثامنة من عمره على الطريقة اليدوية التقليدية المعروفة بـ«الجرارة»، متأثرًا بوالده محمد عزيز عبدالله، الذي ظل يمارس الحرفة حتى وفاته سنة 2009.
وظلت صناعة الفخار اليدوية مستمرة في غريان حتى بداية التسعينات، قبل دخول الآلات الحديثة والمصانع المجهزة من خارج ليبيا، وهو ما غيّر طبيعة الإنتاج التقليدي.
ومن أشهر المنتجات الفخارية التي عرفت بها غريان “الحلاب”، و«المخفية»، و«الخابية» المخصصة لتخزين زيت الزيتون، إضافة إلى “طنجرة العنابي
الخاصة بالطبخ. وتتناقل الروايات المحلية أن صناعة “الخابية” ارتبطت بالجرابة، وهم ليبيون قدموا من جزيرة جربة التونسية
المسدة والنسيج اليدوي
أما الحرفي محمد الأطرم، المولود مطلع عشرينات القرن الماضي بمنطقة الكليبة، فقد ارتبط اسمه بصناعة “المسدة”، وهي إحدى أهم الصناعات النسيجية التقليدية في المنطقة.
وتشمل هذه الحرفة إنتاج العباءات والجرود والأحزمة وأغطية الرأس، إلى جانب صناعات نسيجية أخرى مثل “المرقوم” و«الكليم» و«الحمل»، وهي منتجات ارتبطت بالحياة اليومية الليبية وبالبيئة الصحراوية والجبلية على حد سواء.
الطاحونة.. حرفة الدقة والصبر
ومن بين الحرف التي ارتبطت بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية في ليبيا، تبرز حرفة تشغيل وصيانة الطواحين التي أتقنها محمد قناط، المولود سنة 1928 في غريان.
تعلم قناط أسرار المهنة سنة 1956 على يد إيطالي يدعى دوغو في شارع عمر المختار بطرابلس، قبل أن يصبح لاحقًا صاحب أحد أكبر محال معدات الطواحين في العاصمة، ومتخصصًا في صناعة قطع الغيار محليًا من المواد الخام المتوفرة في ليبيا.
وتكشف هذه التجربة عن مرحلة مهمة من تاريخ الحرف التقنية في البلاد، حين كان الحرفيون يعتمدون على مهاراتهم اليدوية وخبراتهم المحلية في صيانة الآلات وتطويرها.

صابون أبوساكن.. صناعة توارثتها الأجيال
ومن الصناعات التي تركت أثرًا واسعًا في الذاكرة الليبية، صناعة الصابون التقليدي التي اشتهرت بها عائلة أبوساكن في غريان. فقد ارتبط اسم علي زيدان بن بلقاسم أبوساكن بهذه الحرفة منذ أواخر القرن التاسع عشر، حيث أُنشئت مصانع للصابون في مناطق أوسادن والصلاحات وتغرنة.
واعتمدت صناعة “صابون أبوساكن” على مواد طبيعية أبرزها رماد البطوم والجير وزيت الزيتون، وكان يُنتج بأشكال مختلفة؛ سائلة ومعجونة وصلبة، مستخدمًا قوالب خشبية تقليدية.
وتشير الروايات المتوارثة إلى أن الملك إدريس السنوسي كان من مستخدمي هذا الصابون، الذي اكتسب شهرة واسعة في الأسواق الليبية، وظل اسم “صابون أبوساكن” علامة مرتبطة بالجودة والصناعة التقليدية المحلية.
إن هذه الحرف، بما تحمله من قصص وتجارب إنسانية، ليست مجرد مهن قديمة اندثرت مع الزمن، بل تمثل ذاكرة جماعية تحفظ تاريخ الناس وعلاقتهم بالمكان. وفي مدينة غريان، تبدو الحرفة كأنها جزء من الحكاية الكبرى للمدينة؛ حكاية الإنسان الليبي الذي صنع من النار والطين والخشب والخيط تفاصيل حياته اليومية، وترك في كل أداة أثرا من روحه.
Share this content: