مسافة الأمان
المفقودة
رسالة مقتضبة، مشحونة بنبرة الاستغاثة، اخترقت سكون هاتفي: «السلام عليكم.. أستاذة، هل يمكنني التواصل؟ أنا أحمد.. أريد موعد استشارة عاجلاً، فأنفاسي تضيق، وأنا على حافة انهيار يهدد بتهديم بيتي»… أجبت بقلبٍ يدرك حجم الوجع: «مرحباً بك يا أحمد، غداً بإذن الله نلتقي في المكتب»..في الصباح التالي، وقبل أن أطأ عتبة مكتبي، كان هناك. جلس بائساً، منحنياً كمن يحمل جبالاً فوق كاهليه، وعلامات الحزن والكرب قد حفرت ملامحها على وجهه الثلاثيني. ما إن دخلنا غرفة الاستشارات حتى بدا قلقاً، يعتصر كفيه في حيرة وخجل، كمن يحمل سراً يخشى البوح به. تدرجنا في أطراف الحديث حتى ذاب الجليد، فانفجر سدّ الكلام، وانطلق صوته مشحوناً بغصّة مريرة تكاد تخنق الحروف في حنجرته.
إشراف : منى أبوعزة
«أنا رجل ليبي، في منتصف الثلاثينات من عمري، متزوج منذ سبع سنوات، ورزقني الله بطفلين هما قرة عيني. منذ اليوم الأول لزواجي، اخترت أن أعيش في منزل العائلة؛ فالأعراف تقتضي ذلك، وكانت والدتي تقطن معنا في ذات البيت.
في البداية، كانت الحياة تسير في مجراها الطبيعي، تظللها المودة. لكن، مع تعاقب الأيام، بدأت التصدعات تظهر في الجدران. خلافات دبت بين زوجتي وأمي؛ كانت أول الأمر بسيطة، تتمحور حول أسلوب تربية الصغار، طريقة ترتيب المنزل، أو تفاصيل الزيارات العائلية. لكن هذه الشرر الصغيرة، تحولت شيئاً فشيئاً إلى رماد وحرائق يومية لا تنطفئ.»

ويتابع أحمد وعيناه تائهتان في الفراغ:
«أمي، بوقار سنها وخلفيتها، ترى أن زوجتي لا تحترم العادات والتقاليد الليبية كما ينبغي، وتشتكي من قلة مشاركتها للعائلة في المناسبات الاجتماعية. وفي المقابل، تقف زوجتي لتشكو اختراق خصوصيتها؛ تشعر أن أمي تتدخل في أدق تفاصيل حياتنا، بدءاً من طريقة إنفاقنا للمال، وصولاً إلى كيفية تنشئة أبنائنا.
كنت سفيراً للسلام في جبهة مشتعلة، أحاول جاهداً إرضاء الطرفين، لكنني وجدت نفسي في نهاية المطاف أخسرهما معاً! إن وقفت منصفاً لزوجتي، غضبت أمي واعتبرت ذلك جحوداً، وقالت بحسرة: ‹نسيت فضلي وتضحياتي من أجلك!›. وإن ملتُ لإرضاء أمي، اتهمتني زوجتي بالضعف، وبأنني رجل بلا شخصية مستقلة.».«بلغت الأزمة ذروتها قبل أشهر؛ حين انفجر خلاف حاد وعاصف بينهما، وتراشقتا بالكلمات أمام مرأى ومسمع من طفليّ الصغيرين. كانت تلك اللحظة نقطة التحول؛ إذ وضعتني زوجتي أمام خيار حاسم: ‹الخروج إلى منزل مستقل، أو الفراق، فلم أعد أحتمل هذا العيش›!
وعلى الجانب الآخر، انتفضت والدتي رافضة الفكرة جملة وتفصيلاً، معتبرة أن انتقالي هو صكّ تخلٍّ عنها في خريف عمرها، خاصة وأنني ابنها الأكبر وسندها في هذه الدنيا، ملمحة بكلمات قطعت نياط قلبي بأن هذا الخروج سيكون «عقوقاً» لن تغفره.»
سكت أحمد قليلاً، ومسح وجهه المتعب بكفيه، ثم التفت إليّ قائلاً: «اليوم، أنا أعيش تحت وطأة ضغط نفسي يهدد قواي العقلية. أرى أطفالي ينشؤون في بيئة مسمومة بالتوتر والخلافات المستمرة. أقف حائراً، ممزقاً في مفرق طرق مظلم:
بين واجبي المقدس تجاه أمي التي أفنت عمرها وشبابها لتربيتي تجعل مني رجلاً، وبين مسؤوليتي الشرعية والإنسانية تجاه زوجتي وأبنائي وحقهم في حياة مستقرة وآمنة.
هل أرحل إلى بيت مستقل، وأتحمل وزر غضب أمي ودعواتها؟ أم أبقى مكاني متمسكاً برضاها، وأخاطر بانهيار أسرتي الصغيرة وضياع زوجتي وأطفالي؟ دلّيني يا أستاذة.. أين تكمن راحتي؟»
جذر المشكلة: اختلال الأدوار
تكمن الأزمة عندما تخرج الأم عن دورها الطبيعي فبدلاً من أن تكون داعماً ومحتوياً، تدخل في صراع وتنافس يلغي فطرتها السليمة الساعية لسعادة ابنها، مما يفقدها قيمتها ومكانتها.
الحل:
الزوجة ليست طرفاً في هذا النزاع ويحق لها العيش في بيئة مستقلة خالية من الخبث والقلق الاجتماعي ولتحقيق ذلك يتطلب الأمر عزيمة لتطبيق الآتي:
الاستقلال السكني: أن يستقل الزوج بزوجته وأولاده لحماية خصوصية أسرته.
المصارحة والوساطة: أن يجلس مع أمه، ويستعين بالحكماء وكبار السن المؤثرين عليها لإقناعها بأن لبيته وزوجته عليه حقاً.
مسافة الأمان (العزل): التزام الزوج التام بإخفاء مستجدات المشاكل عن الطرفين، لمنحهما مسافة أمان تضمن عودة الأمور لنصابها مستقبلاً.

لفظوها لعقدين..
وعادوا بكلمة عتاب!
طرقت بابي وهي تحمل على وجهها ملامح حزن ضارب في العمق، تقاطيع متعبة غابت عنها الابتسامة ولم تكد تبدأ حديثها حتى أجهشت بالبكاء.. قصة السيدة (ع. م) القادمة من إحدى مدننا الساحلية، ليست مجرد حكاية عابرة بل هي أقرب إلى الخيال الدرامي الذي فجرته وثائق منسية لتقلب حياة امرأة مستقرة رأساً على عقب.
عاشت (ع. م) طفولتها وشبابها في كنف رجل وقور عرفته أباً ومربياً وصاحب فضل لايحصى أحاطها بحنان دافق ورباها على الفضيلة والاعتزاز بالنفس حتى كبرت وأصبحت امرأة ناضجة وتزوجت من رجل صالح وأسست معه بيتاً مستقراً وأسرة تفخر بها. لم يشك قلبها يوماً في أنها ابنة ذاك الرجل الذي كان يرى الدنيا من خلال عينيها.
ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي البيوت. توفي الأب الوقور، وبينما كانت الابنة المفجوعة ترتب أوراقه الخاصة ومتعلقاته القديمة، وقعت يدها على المفاجأة الصادمة.. الحقيقة العارية التي لم تكن تخطر لها على بال: هذا الرجل ليس والدها البيولوجي!
كشفت الوثائق أن الرجل الذي وهبها حياته كان شيخاً كبيراً تكفل بتربيتها منذ طفولتها المبكرة بعد أن «رُميت» لديه وتركت كضحية لخلافات ومشكلات حادة وقعت بين والديها الحقيقيين. لم يتوقف زلزال الحقيقة عند هذا الحد بل علمت أن لها أباً وأماً وعائلة كاملة يعيشون في مدينة أخرى، أسسوا حياتهم واستمروا فيها وكأن طفلتهم لم تكن شيئاً مذكوراً.. وبعد أكثر من عشرين عاماً من الغياب والإنكار والتجاهل الشامل، ظهرت تلك العائلة فجأة من ركام الماضي، يبحثون عنها ويرغبون في التواصل، متذرعين بحجج واهية أبرزها «أنهم فقدوا الاتصال بالرجل الذي رباها»، وكأن عقدين من الزمن يمكن محوهما بكلمة عتاب!.
منذ ذلك اليوم، تحولت حياة (ع. م) إلى جحيم من الصراع النفسي. تقول بمرارة:
«أشعر بحزن يمزقني على سنوات ضاعت من عمري دون أن أعرف هويتي الحقيقية، ويملأني غضب عارم تجاه أشخاص كان يفترض أن يكونوا السند والأمان، لكنهم تخلوا عني ووجهوا لي صفعة الخذلان. وفي الوقت نفسه، يطاردني شعور بالذنب كلما رفضت محاولاتهم للتقرب مني.. كيف أعتبرهم عائلتي ببساطة؟ وكيف أنسى أنني كنت يوماً ما مجرد عبء تخلصوا منه؟»
هذا التمزق الداخلي لم يتوقف عند حدود مشاعرها، بل تسرّب إلى بيتها، فانعكس توتراً وقلقاً وانشغالاً دائماً بالماضي، مما تسبب في نشوب مشكلات هددت استقرار حياتها الزوجية وعلاقاتها الأسرية.
جذر المشكلة
إذا أردنا تفكيك هذه القضية الإنسانية، فإننا نقف أمام تعرية حقيقية لنتائج التفكك الأسري والانفصال غير المسؤول.
غياب الوازع الأخلاقي والأبوي: يتجلى جذر المشكلة في انعدام حس المسؤولية لدى الأم والأب الحقيقيين، اللذين قدّما خلافاتهما الشخصية على مصير طفلتهما، وتركاها لرجل غريب في مشهد يمثل قمة القسوة والإنكار.
الاستمرار في الخذلان: إن تجاهل وجود الطفلة طوال سنوات استقرارهم، وبناء حياة بديلة، ثم العودة بحجج «فقدان الاتصال»، يعكس استهتاراً عميقاً بالأثر النفسي المترتب على الأبناء جراء هذه القرارات الأنانية.
المقاربة العلاجية: كيف نبني ما هدمه الماضي؟
إن الخروج من هذه المحنة واستعادة الاستقرار النفسي لحماية أسرة (ع. م) الحالية يتطلب مسارين متوازيين:
الدعم النفسي التخصصي (الترميم الداخلي):
يجب أن تخضع السيدة (ع. م) لجلسات إرشاد نفسي مكثفة على يد متخصصين لإزالة آثار هذه الصدمة الوجودية الكبيرة التي تركت شرخاً عميقاً في هويتها ونفسيتها، ومساعدتها على تصريف مشاعر الغضب والذنب، وفصل ماضيها عن حاضرها الزوجي المستقر.
الوساطة الأسرية (جلسات المواجهة والتقريب):
إقامة جلسات أسرية بحضور مستشار أسري واجتماعي متخصص، يجمع بين (الآباء البيولوجيين) والابنة. الهدف هنا ليس فرض الغفران الفوري بل إتاحة الفرصة لتفريغ الشحنات العاطفية وتقريب وجهات النظر ووضع وتحديد شكل العلاقة القادمة بما يضمن احترام جرح الابنة العميق وعدم الضغط عليها توازياً مع صون وجدانها الذي سيبقى وفياً للأب الحقيقي.. الرجل الوقور الذي رباه
Share this content: