×

سيرة كاتب صاغته التجربة

سيرة كاتب صاغته التجربة

<< إشراف : مصطفى حمودة

جمعة‭ ‬بوكليب‭:‬

من سجون طرابلس

إلى ضفاف التايمز

تمثل‭ ‬تجربة‭ ‬القاص‭ ‬والكاتب‭ ‬‘‘جمعة‭ ‬بوكليب’’‭ ‬نموذجا‭ ‬لافتا‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي‭ ‬المعاصر،‭ ‬حيث‭ ‬تتداخل‭ ‬السيرة‭ ‬الذاتية‭ ‬مع‭ ‬العمل‭ ‬الإبداعي،‭ ‬وتتحول‭ ‬تجربة‭ ‬الكاتب‭ ‬الشخصية‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬سردية‭ ‬ذات‭ ‬أبعاد‭ ‬إنسانية‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعا‭. ‬فنصوصه‭ ‬لا‭ ‬تنطلق‭ ‬من‭ ‬خيال‭ ‬محض،‭ ‬بل‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬معيش‭ ‬صاغته‭ ‬تحولات‭ ‬قاسية‭ ‬وتجارب‭ ‬وجودية‭ ‬عميقة‭.

سيرة‭ ‬كاتب‭ ‬صاغته‭ ‬التجربة

‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الكتابة‭ ‬عند‭ ‬بوكليب‭ ‬ترفا‭ ‬ثقافيا،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬مقاومة‭ ‬بالمعنى‭ ‬العميق‭: ‬مقاومة‭ ‬للزوال‭ ‬وللنسيان،‭ ‬مواجهة‭ ‬للكلمة‭ ‬ضد‭ ‬هشاشة‭ ‬الحياة،‭ ‬وتحويل‭ ‬اللغة‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬للنجاة‭.‬”

إن‭ ‬الاقتراب‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬بوكليب‭ ‬يجعلنا‭ ‬إزاء‭ ‬نصوص‭ ‬لا‭ ‬تستحق‭ ‬القراءة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬أمام‭ ‬حياة‭ ‬يعيد‭ ‬صياغتها‭ ‬عبر‭ ‬لغة‭ ‬تُشكّل‭ ‬نسيجه‭ ‬الخاص؛‭ ‬حياة‭ ‬تتقاطع‭ ‬فيها‭ ‬الذاكرة‭ ‬مع‭ ‬السؤال،‭ ‬والألم‭ ‬مع‭ ‬الوعي،‭ ‬والحياة‭ ‬عند‭ ‬حافتها‭ ‬القصوى‭ ‬مع‭ ‬الحاجة‭ ‬إلى‭ ‬المعنى‭.‬

وُلد‭ ‬بوكليب‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬عام‭ ‬1952،‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬شهدت‭ ‬تحولات‭ ‬متسارعة‭ ‬على‭ ‬المستويين‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬مسيرته‭ ‬لم‭ ‬تسر‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬طبيعي‭. ‬فقد‭ ‬وجد‭ ‬نفسه،‭ ‬مثل‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬جيله،‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬واقع‭ ‬سياسي‭ ‬ضيق‭ ‬لا‭ ‬يفسح‭ ‬المجال‭ ‬لحرية‭ ‬التعبير‭. ‬ولم‭ ‬تكتفِ‭ ‬هذه‭ ‬البيئة‭ ‬بتقييد‭ ‬حركته،‭ ‬بل‭ ‬أسهمت‭ ‬مبكرا‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬وعيه،‭ ‬ودفعته‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬دور‭ ‬أعمق‭ ‬للكتابة،‭ ‬بوصفها‭ ‬فعلا‭ ‬يتجاوز‭ ‬الحكي‭ ‬إلى‭ ‬مساءلة‭ ‬الوجود‭ ‬ذاته‭..‬وفي‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬الكتابة‭ ‬عنده‭ ‬ترفا‭ ‬ثقافيا،‭ ‬ولا‭ ‬حرفة‭ ‬لغوية‭ ‬يتفنن‭ ‬في‭ ‬سبكها،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬مقاومة‭ ‬بالمعنى‭ ‬العميق‭: ‬مقاومة‭ ‬للزوال،‭ ‬وللطمس،‭ ‬وللنسيان‭. ‬وهو‭ ‬لا‭ ‬يطلق‭ ‬عبارة‭ ‬مجازية‭ ‬حين‭ ‬يصفها‭ ‬في‭ ‬مقابلاته‭ ‬الصحفية‭ ‬بأنها‭ ‬“عمل‭ ‬ضد‭ ‬الموت”،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يختزل‭ ‬تجربة‭ ‬إدراكه‭ ‬لهشاشة‭ ‬الحياة‭ ‬مبكرا؛‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬اختار‭ ‬أن‭ ‬يواجهها‭ ‬بالكلمة،‭ ‬وأن‭ ‬يحوّل‭ ‬اللغة‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬مؤقتة‭ ‬للنجاة‭.‬

السجن‭: ‬تجربة‭ ‬قاسية‭ ‬أعادت‭ ‬تشكيل‭ ‬الوعي

شكّلت‭ ‬تجربة‭ ‬السجن،‭ ‬التي‭ ‬امتدت‭ ‬لنحو‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬محطة‭ ‬مفصلية‭ ‬في‭ ‬حياة‭ ‬بوكليب؛‭ ‬إذ‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬مجرد‭ ‬عزلة‭ ‬قسرية،‭ ‬بل‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مختبر‭ ‬داخلي‭ ‬أعاد‭ ‬

  يعتمد‭ ‬بوكليب‭ ‬لغة‭ ‬واضحة‭ ‬ومباشرة،‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬التكلف،‭ ‬لكنها‭ ‬محملة‭ ‬بأسئلة‭ ‬كبيرة،‭ ‬فكل‭ ‬تفصيل‭ ‬صغير‭ ‬يصبح‭ ‬إشارة‭ ‬واسعة‭ ‬تمنح‭ ‬النص‭ ‬طابعا‭ ‬تأمليا‭ ‬مفتوحا‭.‬

فيه‭ ‬التفكير‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬والحرية‭ ‬والكرامة‭. ‬ففي‭ ‬تلك‭ ‬السنوات،‭ ‬واجه‭ ‬حدود‭ ‬جسده‭ ‬وروحه،‭ ‬واختبر‭ ‬معنى‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الفرد‭ ‬محاصرا‭ ‬داخل‭ ‬منظومة‭ ‬تضنّ‭ ‬عليه‭ ‬بحقه‭ ‬في‭ ‬الاختلاف‭..‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة،‭ ‬على‭ ‬قسوتها،‭ ‬لم‭ ‬تتحول‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬مباشرة‭ ‬للكتابة‭ ‬الاحتجاجية،‭ ‬بل‭ ‬تسللت‭ ‬إلى‭ ‬نصوصه‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬بنية‭ ‬شعورية‭ ‬عميقة،‭ ‬حيث‭ ‬يظهر‭ ‬السجن‭ ‬في‭ ‬أعماله‭ ‬كحالة‭ ‬داخلية‭ ‬دائمة‭: ‬إحساس‭ ‬بالهشاشة،‭ ‬ووعي‭ ‬حاد‭ ‬بقيمة‭ ‬الحرية،‭ ‬وحذر‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬القهر‭. ‬وهناك،‭ ‬في‭ ‬أقصى‭ ‬درجات‭ ‬العزلة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يواجه‭ ‬السلطة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬يواجه‭ ‬ذاته،‭ ‬ويعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬ضعفه‭ ‬وقوته‭ ‬في‭ ‬آن‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬خرج‭ ‬بخلاصة‭ ‬جوهرية‭: ‬أن‭ ‬المعاناة‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬أدبا‭ ‬عظيما‭ ‬بالضرورة،‭ ‬لكنها‭ ‬تصنع‭ ‬رؤية،‭ ‬وهذه‭ ‬الرؤية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬منحت‭ ‬نصوصه‭ ‬ذلك‭ ‬العمق‭ ‬الهادئ،‭ ‬والطابع‭ ‬التأملي‭ ‬الذي‭ ‬يجعلها‭ ‬تطرح‭ ‬أسئلة‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬تقدم‭ ‬إجابات‭.‬

المنفى‭: ‬اختيار‭ ‬الحرية‭ ‬وأفق‭ ‬الرؤية

منفاه‭ ‬الاختياري،‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬هروبا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬اختيارا‭ ‬واعيا‭ ‬لفضاء‭ ‬يسمح‭ ‬للكتابة‭ ‬أن‭ ‬تتنفس‭ ‬وتنطلق‭ ‬من‭ ‬عقالها‭.‬

في‭ ‬المنفى،‭ ‬لم‭ ‬يتحول‭ ‬إلى‭ ‬كاتب‭ ‬يندب‭ ‬وطنه‭ ‬المفقود،‭ ‬بل‭ ‬إلى‭ ‬كاتب‭ ‬يعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬هذا‭ ‬الوطن‭ ‬من‭ ‬مسافة‭ ‬تتيح‭ ‬له‭ ‬رؤية‭ ‬أعمق‭. ‬فقد‭ ‬تحولت‭ ‬الغربة‭ ‬إلى‭ ‬أداة‭ ‬للرؤية،‭ ‬وإلى‭ ‬زاوية‭ ‬جديدة‭ ‬للتأمل،‭ ‬حيث‭ ‬تبدو‭ ‬التفاصيل‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا،‭ ‬وتتخفف‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬ثقل‭ ‬عاطفتها،‭ ‬ويصبح‭ ‬الماضي‭ ‬مادة‭ ‬لإعادة‭ ‬القراءة،‭ ‬لا‭ ‬موضوعا‭ ‬لاجترار‭ ‬الحنين‭.‬

ولا‭ ‬يتوقف‭ ‬المنفى‭ ‬في‭ ‬كتابته‭ ‬عند‭ ‬حدوده‭ ‬الجغرافية،‭ ‬بل‭ ‬يتخذ‭ ‬بعدا‭ ‬فلسفيا‭ ‬أوسع؛‭ ‬فالغربة،‭ ‬في‭ ‬تصوره،‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬الابتعاد‭ ‬عن‭ ‬المكان،‭ ‬بل‭ ‬حالة‭ ‬وجودية‭ ‬تبدأ‭ ‬منذ‭ ‬‮«‬الانفصال‭ ‬الأول‭ ‬عن‭ ‬رحم‭ ‬الأم‮»‬‭. ‬وبهذا‭ ‬المعنى،‭ ‬يغدو‭ ‬المنفى،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬كونه‭ ‬اختيارا،‭ ‬قدرا‭ ‬إنسانيا‭ ‬ممتدا،‭ ‬أبعد‭ ‬من‭ ‬كونه‭ ‬تجربة‭ ‬عابرة‭ ‬في‭ ‬سيرة‭ ‬فرد‭.‬

بين‭ ‬طرابلس‭ ‬ولندن‭: ‬ذاكرة‭ ‬لا‭ ‬تنقطع

يحضر‭ ‬المكان‭ ‬في‭ ‬كتابات‭ ‬بوكليب‭ ‬كعنصر‭ ‬بنيوي‭ ‬في‭ ‬تشكيل‭ ‬النص‭. ‬فطرابلس‭ ‬تمثل‭ ‬الذاكرة‭ ‬الأولى‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬تحمله‭ ‬من‭ ‬تفاصيل‭ ‬الطفولة‭ ‬والبدايات،‭ ‬فيما‭ ‬تمثل‭ ‬لندن‭ ‬فضاء‭ ‬مفتوحا‭ ‬لتجربة‭ ‬جديدة‭ ‬وإعادة‭ ‬تشكيل‭. ‬غير‭ ‬أن‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المدينتين‭ ‬لا‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬التعارض،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬التداخل‭ ‬والحوار‭. ‬فطرابلس‭ ‬لا‭ ‬تغيب‭ ‬في‭ ‬خلفية‭ ‬نصوصه‭ ‬حين‭ ‬يكتب‭ ‬عن‭ ‬لندن،‭ ‬بل‭ ‬تحضر‭ ‬كمرجع‭ ‬داخلي‭ ‬وثيق‭ ‬لا‭ ‬فكاك‭ ‬منه،‭ ‬ولندن،‭ ‬بدورها،‭ ‬لا‭ ‬تلغي‭ ‬المكان‭ ‬الأول،‭ ‬بل‭ ‬تعيد‭ ‬تقديمه‭ ‬من‭ ‬زاوية‭ ‬أكثر‭ ‬وضوحا‭ ‬وجلاء‭.‬

هذا‭ ‬التداخل‭ ‬يمنح‭ ‬نصوصه‭ ‬بعدا‭ ‬مركبا،‭ ‬حيث‭ ‬تتشكل‭ ‬الرؤية‭ ‬من‭ ‬الداخل‭ ‬والخارج‭ ‬في‭ ‬آن،‭ ‬فيصبح‭ ‬المكان‭ ‬ذاكرة‭ ‬وحاضرا،‭ ‬تجربة‭ ‬ومعنى‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه‭.‬

القصة‭ ‬القصيرة‭: ‬خيار‭ ‬فني‭ ‬ورؤية‭ ‬إنسانية

اختار‭ ‬بوكليب‭ ‬القصة‭ ‬القصيرة،‭ ‬ربما‭ ‬لكونها‭ ‬الشكل‭ ‬الأنسب‭ ‬لتجربته،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬ذلك‭ ‬اختيارا‭ ‬عابرا‭. ‬فالنص،‭ ‬من‭ ‬منظوره،‭ ‬لا‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬حبكة‭ ‬تقليدية،‭ ‬بل‭ ‬على‭ ‬التقاط‭ ‬لحظة‭ ‬إنسانية‭ ‬مكثفة‭ ‬تختزل‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬أكثر‭ ‬اتساعا‭.‬

في‭ ‬مجموعاته‭ ‬مثل‭ ‬“حكايات‭ ‬من‭ ‬البر‭ ‬الإنجليزي‭ ‬ويليه‭ ‬خطوط‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬دفتر‭ ‬الغياب‭ ‬(2009)‭ ‬وخطوط‭ ‬صغيرة‭ ‬في‭ ‬دفتر‭ ‬الغياب”‭ (‬2013‭)‬،‭ ‬تتحول‭ ‬التفاصيل‭ ‬اليومية‭: ‬لقاء‭ ‬عابر،‭ ‬حوار‭ ‬بسيط،‭ ‬نظرة‭ ‬خاطفة،‭ ‬إلى‭ ‬مدخل‭ ‬لتأملات‭ ‬عميقة‭ ‬في‭ ‬الهوية‭ ‬والانتماء‭. ‬أما‭ ‬في‭ ‬“مناكفات‭ ‬الربع‭ ‬الأخير”‭ (‬2023‭)‬،‭ ‬فتظهر‭ ‬نبرة‭ ‬سخرية‭ ‬هادئة‭ ‬مشبعة‭ ‬بالحكمة،‭ ‬تُخفف‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬التجربة،‭ ‬وتحول‭ ‬الألم‭ ‬الشخصي‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬أدبية‭ ‬أكثر‭ ‬صدقا،‭ ‬تدفع‭ ‬القارئ‭ ‬إلى‭ ‬تأمل‭ ‬تناقضات‭ ‬الحياة‭ ‬والغربة‭ ‬والمجتمع‭..‬كما‭ ‬تتميز‭ ‬نصوصه‭ ‬بترك‭ ‬مساحات‭ ‬مفتوحة‭ ‬للقارئ؛‭ ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تقدم‭ ‬إجابات‭ ‬نهائية،‭ ‬بل‭ ‬تثير‭ ‬أسئلة‭ ‬تشتبك‭ ‬خارج‭ ‬حدود‭ ‬النص،‭ ‬وتدفع‭ ‬القارئ‭ ‬إلى‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬إنتاج‭ ‬المعنى‭.‬

لغة‭ ‬بسيطة‭.. ‬وعمق‭ ‬دلالي

تعتمد‭ ‬كتابات‭ ‬بوكليب‭ ‬على‭ ‬لغة‭ ‬واضحة‭ ‬ومباشرة،‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬الزخرفة‭ ‬والتكلف،‭ ‬وفي‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬تحمل‭ ‬عمقا‭ ‬دلاليا‭ ‬لافتا‭. ‬فالبساطة‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬اختزالا‭ ‬للمعنى،‭ ‬بل‭ ‬

‬خروجه‭ ‬من‭ ‬السجن،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ممكنا‭ ‬أن‭ ‬تستمر‭ ‬الحياة‭ ‬على‭ ‬النحو‭ ‬ذاته،‭ ‬فاختار‭ ‬الرحيل‭ ‬إلى‭ ‬لندن،‭ ‬إلى‭ ‬

في‭ ‬السجن،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬يواجه‭ ‬السلطة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ذاته‭ ‬أيضا،‭ ‬ليعيد‭ ‬اكتشاف‭ ‬الإنسان‭ ‬في‭ ‬ضعفه‭ ‬وقوته

‭ ‬وتشكل‭ ‬معاناته‭ ‬رؤية‭ ‬تمنح‭ ‬نصوصه‭ ‬العمق‭ ‬التأملي‭ ‬والطابع‭ ‬الشعوري‭ ‬العميق‭.‬

وسيلة‭ ‬للوصول‭ ‬إليه‭ ‬دون‭ ‬حواجز‭. ‬إنه‭ ‬يكتب‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬أنه‭ ‬يلقي‭ ‬إشارات‭ ‬خفيفة،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الإشارات‭ ‬محمّلة‭ ‬بأسئلة‭ ‬كبيرة‭. ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬هذه‭ ‬اللغة،‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬تحويل‭ ‬التفاصيل‭ ‬الصغيرة‭ ‬إلى‭ ‬إشارات‭ ‬واسعة‭ ‬تمنح‭ ‬النص‭ ‬طابعا‭ ‬تأمليا‭ ‬مفتوحا‭.‬

كتابة‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬النسيان

تمثل‭ ‬تجربة‭ ‬جمعة‭ ‬بوكليب‭ ‬مسارا‭ ‬مهما‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي،‭ ‬حيث‭ ‬تبرز‭ ‬الكتابة‭ ‬بوصفها‭ ‬فعلا‭ ‬لمقاومة‭ ‬النسيان‭ ‬والفناء‭. ‬فالكاتب‭ ‬لا‭ ‬يتوقف‭ ‬عند‭ ‬سرد‭ ‬التجربة،‭ ‬بل‭ ‬يسعى‭ ‬إلى‭ ‬حفظها‭ ‬وإعادة‭ ‬إنتاجها‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬قابل‭ ‬للبقاء،‭ ‬وتحويل‭ ‬الخاص‭ ‬إلى‭ ‬معنى‭ ‬إنساني‭ ‬عام‭.‬

وفي‭ ‬هذا‭ ‬الإطار،‭ ‬تتقاطع‭ ‬الذاكرة‭ ‬مع‭ ‬الغربة‭ ‬لتشكل‭ ‬رؤية‭ ‬متكاملة‭ ‬للوجود،‭ ‬حيث‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬بوكليب‭ ‬بتوثيق‭ ‬ما‭ ‬حدث،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬النظر‭ ‬فيه‭ ‬ويمنحه‭ ‬دلالات‭ ‬جديدة‭.‬

وفي‭ ‬عالم‭ ‬يموج‭ ‬بالتحولات،‭ ‬تظل‭ ‬تجربة‭ ‬بوكليب‭ ‬دليلا‭ ‬على‭ ‬قدرة‭ ‬الأدب‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬المعاناة‭ ‬إلى‭ ‬معرفة،‭ ‬وعلى‭ ‬إعادة‭ ‬بناء‭ ‬الذات‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الانكسار‭. ‬إنها‭ ‬كتابة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الإنسان‭ ‬مهما‭ ‬ضاقت‭ ‬به‭ ‬الحياة،‭ ‬يظل‭ ‬قادرا‭ ‬على‭ ‬استعادة‭ ‬صوته‭ ‬عبر‭ ‬الكلمة،‭ ‬وعلى‭ ‬تحويل‭ ‬تجربته‭ ‬إلى‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬البقاء‭.‬

Share this content: