×

أطفال سبها المهاجرون

أطفال سبها المهاجرون

       مثير للجدل //

<< تحقيق : عزيزة حسين 

   أطفال‭ ‬سبها‭ ‬المهاجرون

   لقمـة‭ ‬خبــز‭  ‬أثقـل‭  ‬من‭ ‬سنوات العمر

  ليست ‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬عن‭ ‬مدينة‭ ‬بعينها،‭ ‬ولا‭ ‬عن‭ ‬فقرٍ‭ ‬عام،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬أطفالٍ‭ ‬مهاجرين‭ ‬وجدوا‭ ‬أنفسهم‭ ‬خارج‭ ‬أوطانهم،‭ ‬بلا‭ ‬معيل،‭ ‬وبلا‭ ‬حماية،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬دفعتهم‭ ‬ظروف‭ ‬قاسية‭ ‬في‭ ‬بلدانهم‭ ‬الأصلية‭ ‬إلى‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬فرص‭ ‬حياة‭ ‬أفضل‭.‬

  في‭ ‬شوارع‭ ‬سبها،‭ ‬يظهر‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬يوميًا‭ ‬بملامح‭ ‬متشابهة‭: ‬صِغر‭ ‬السن،‭ ‬غياب‭ ‬الأسرة،‭ ‬واعتماد‭ ‬كامل‭ ‬على‭ ‬الشارع‭ ‬كمصدر‭ ‬وحيد‭ ‬للبقاء‭. ‬التسوّل،‭ ‬والعمل‭ ‬الهش،‭ ‬والتنقّل‭ ‬المستمر‭ ‬بين‭ ‬الأرصفة‭ ‬والمطاعم‭ ‬والاسواق‭  ‬ليست‭ ‬خيارات،‭ ‬بل‭ ‬نتائج‭ ‬مباشرة‭ ‬لانعدام‭ ‬أي‭       ‬شبكة‭ ‬حماية‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬قانونية‭ ‬تحيط‭ ‬بهم‭.‬

  حالة‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬ليست‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬أوسع‭ ‬يواجهه‭ ‬الأطفال‭ ‬المهاجرون‭ ‬من‭ ‬النيجر‭ ‬وجنوب‭ ‬السودان‭ ‬ودول‭ ‬إفريقية‭ ‬أخرى،‭ ‬حيث‭ ‬تصبح‭ ‬الطفولة‭ ‬عبئًا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يتحمّله‭ ‬الطفل‭ ‬نفسه‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬معيل‭ ‬أو‭ ‬حماية‭ ‬قانونية‭. ‬هنا،‭ ‬لا‭ ‬يصبح‭ ‬الشارع‭ ‬مجرد‭ ‬نتيجة‭ ‬فقر‭      ‬محلي،‭ ‬بل‭ ‬محطة‭ ‬أخيرة‭ ‬في‭ ‬مسار‭ ‬هجرة‭ ‬محفوف‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬يدفع‭ ‬ثمنه‭ ‬الأطفال‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يشاركوا‭ ‬في‭ ‬قرار‭ ‬الرحيل،‭ ‬ولا‭ ‬يملكون‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬العودة،‭ ‬ولا‭ ‬يجدون‭ ‬من‭ ‬يتكفّل‭ ‬بحمايتهم‭.‬

<< تحقيق‭ : ‬عزيزة‭ ‬حسين‭

نبدأ‭ ‬بقصة (دايو‭(‬ ستة‭ ‬أعوام‭ ‬،‭ ‬الذي‭ ‬يتواجد‭ ‬يومياً‭ ‬على‭ ‬أرصفة‭ ‬الطريق،‭ ‬ويركز‭ ‬نشاطه‭ ‬المعتاد‭ ‬من‭ ‬امام‭  ‬مطعم‭ ‬الشجرة،‭ ‬بحي‭ ‬قعيد‭ ‬في‭ ‬سبها‭ ‬

وعندما‭ ‬قابلت‭ ‬أم‭ ‬الطفل‭ ‬دايو‭ ‬ذو‭ ‬الستة‭ ‬أعوام،‭ ‬والذي‭ ‬تابعتُه‭ ‬لمدة‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬شهر‭ ‬يتسول‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬أمام‭ ‬مطعم‭ ‬الشجرة‭ ‬بمنطقة‭ ‬القعيد،‭ ‬الحي‭ ‬الثالث‭ ‬بمدينة‭ ‬سبها،‭ ‬كان‭ ‬المشهد‭ ‬يحكي‭ ‬واقعًا‭ ‬صعبًا‭. ‬المطاعم‭ ‬الرخيصة‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬تشهد‭ ‬حركة‭ ‬مستمرة،‭ ‬ودايو‭ ‬يتجول‭ ‬بين‭ ‬الطاولات‭ ‬مع‭ ‬أطفال‭ ‬آخرين‭ ‬من‭ ‬زملائه‭ ‬في‭ ‬التسول،‭ ‬محاولًا‭ ‬جمع‭ ‬ما‭ ‬يكفي‭ ‬لتأمين‭ ‬أبسط‭ ‬احتياجاته‭ ‬اليومية‭: ‬الخبز‭.‬

يجد‭ ‬الأطفال‭ ‬أحيانًا‭ ‬من‭ ‬يعطيهم‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬وجبة‭ ‬طعام،‭ ‬يركضون‭ ‬إليها‭ ‬بسرعة‭ ‬لتناولها‭ ‬بأيديهم‭ ‬المتسخة،‭ ‬ليتجاوزوا‭ ‬ولو‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬جوعهم‭ ‬اليومي‭.‬

سألت‭ ‬والدته‭: ‬لماذا‭ ‬تتركينه‭ ‬هنا‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬حتى‭ ‬الليل؟

أجابت‭ ‬بوجه‭ ‬يحمل‭ ‬الحزن‭ ‬والخوف‭: ‬أنا‭ ‬هنا‭ ‬عندي‭ ‬ثمان‭ ‬سنوات،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬مع‭ ‬مجموعة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬نساء‭ ‬أفريقيات‭ ‬أخريات‭. ‬نحن‭ ‬جئنا‭ ‬هنا‭ ‬معًا‭ ‬لنذهب‭ ‬إلى‭ ‬أوروبا،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬نحصل‭ ‬على‭ ‬المال‭ ‬الكافي‭. ‬نحن‭ ‬نسكن‭ ‬في‭ ‬مجموعات،‭ ‬في‭ ‬كراج‭ ‬غير‭ ‬صالح‭ ‬للسكن،‭ ‬نحن‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬28‭ ‬شخصًا‭ ‬في‭ ‬مكان‭ ‬فيه‭ ‬حمام‭ ‬واحد،‭ ‬وكل‭ ‬واحد‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يدفع‭ ‬80‭ ‬دينارًا‭ ‬شهريًا‭. ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬عمل‭ ‬ثابت،‭ ‬وأنا‭ ‬أعمل‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭ ‬كخادمة‭ ‬نظافة‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬اجد‭ ‬في‭ ‬أحيان‭ ‬كثيرة‭ ‬ما‭ ‬يكفي،‭ ‬لهذا‭ ‬يجب‭ ‬على‭ ‬طفلي‭ ‬دايو‭ ‬أن‭ ‬يجلب‭ ‬المال،‭ ‬حتى‭ ‬ولو‭ ‬قليلًا‭ ‬ليأكل‭ ‬الخبز‭. ‬حتى‭ ‬5‭ ‬دنانير‭ ‬في‭ ‬اليوم،‭ ‬لنحصل‭ ‬على‭ ‬طعام‭.‬

عندما‭ ‬سُئلت‭ ‬عن‭ ‬حل‭ ‬في‭ ‬حال‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬أي‭ ‬فرصة،‭ ‬قالت‭ ‬بصوت‭ ‬خافت‭: ‬أنا‭ ‬مثل‭ ‬باقي‭ ‬النساء‭ ‬من‭ ‬النيجر‭ ‬هنا‭ ‬لا‭ ‬نملك‭ ‬اي‭ ‬حل،‭ ‬نحن‭ ‬هنا‭ ‬الآن،‭ ‬وما‭ ‬زلنا‭ ‬نحاول‭ ‬إيجاد‭ ‬عمل‭. ‬قالت‭ ‬هذه‭ ‬الكلمات‭ ‬بصعوبة‭ ‬بالغة‭.‬

بينما‭ ‬الحزن‭ ‬في‭ ‬عينيها،‭ ‬وخوفها‭ ‬على‭ ‬طفلها،‭ ‬تعكس‭ ‬واقعًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬قاسيًا‭: ‬طفولة‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬واجب‭ ‬للبقاء،‭ ‬ومسؤولية‭ ‬الطفل‭ ‬عن‭ ‬تأمين‭ ‬لقمة‭ ‬العيش‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬المعيل‭.‬

قصة‭ :‬‬‭ ‬« زرة‮»‬‭ ‬طفلة‭ ‬النيجر‭ ‬أمام‭ ‬عيادة‭ ‬العافية

في‭ ‬الشارع‭ ‬الضيق‭ ‬والمزدحم‭ ‬أمام‭ ‬عيادة‭ ‬العافية‭ ‬بمنطقة‭ ‬القرضة،‭ ‬تقف‭ ‬زرّة،‭ ‬طفلة‭ ‬لم‭ ‬تتجاوز‭ ‬الثامنة،‭ ‬كل‭ ‬صباح‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تمتلئ‭ ‬الشوارع‭ ‬بالحركة‭. ‬كانت‭ ‬تمد‭ ‬يدها‭ ‬للمارّة،‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬قطعة‭ ‬نقدية‭ ‬لتخفف‭ ‬عنها‭ ‬جوع‭ ‬يوم‭ ‬طويل‭ ‬في‭ ‬شتاء‭ ‬قارس‭.‬

تحت‭ ‬قطعة‭ ‬قماش‭ ‬خفيفة‭ ‬لا‭ ‬تقيها‭ ‬البرد،‭ ‬كانت‭ ‬أصابعها‭ ‬الصغيرة‭ ‬ملتفة‭ ‬حول‭ ‬يد‭ ‬أخيها‭ ‬الأصغر،‭ ‬وعيناها‭ ‬الداكنتان‭ ‬تتبعان‭ ‬الداخلين‭ ‬والخارجين‭ ‬بصمت،‭ ‬وكأنها‭ ‬تعتذر‭ ‬عن‭ ‬وجودها‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المكان‭.‬

زرّة‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أطفال‭ ‬كثيرين‭ ‬جاؤوا‭ ‬من‭ ‬النيجر‭ ‬ودول‭ ‬إفريقية‭ ‬أخرى،‭ ‬لكن‭ ‬قصتها‭ ‬تحمل‭ ‬ملامح‭ ‬بلدها‭ ‬بوضوح‭: ‬الجوع،‭ ‬الفقر،‭ ‬وغياب‭ ‬أي‭ ‬معيل‭ ‬يحميها‭. ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬تواجه‭ ‬المخاطر‭ ‬وحدها‭ ‬مع‭ ‬أشقائها،‭ ‬بلا‭ ‬مأوى‭ ‬آمن‭ ‬أو‭ ‬رعاية‭ ‬صحية،‭ ‬وتحمل‭ ‬مسؤولية‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تبدأ‭ ‬

طفولتها‭ ‬الحقيقية‭. ‬

المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬سبها‭: ‬

ظاهرة‭ ‬الأطفال‭ ‬المهاجرين‭ ‬بلا‭ ‬معيل

تتطلب حاولا عاجلة ومعالجة جذرية ‭ ‬

قالت‭ ‬أميرة‭ ‬نوري،‭ ‬ناشطة‭ ‬مدنية‭ ‬في‭ ‬الاتحاد‭ ‬النسائي‭ ‬الليبي‭ ‬بالجنوب‭ ‬بمدينة‭ ‬سبها‭ ‬منذ‭ ‬سنة‭ ‬2012‭: ‬من‭ ‬خلال‭ ‬العمل‭ ‬الميداني‭ ‬اليومي‭ ‬يمكنني‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الأطفال‭ ‬المهاجرين‭ ‬بلا‭ ‬معيل‭ ‬في‭ ‬الجنوب‭ ‬الليبي‭ ‬وبالأخص‭ ‬في‭ ‬سبها‭ ‬هي‭ ‬ظاهرة‭ ‬متزايدة‭ ‬ومقلقة‭. ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬أصبحوا‭ ‬جزءا‭ ‬من‭ ‬المشهد‭ ‬اليومي‭ ‬في‭ ‬الشارع،‭ ‬يعملون‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬هشة‭ ‬أو‭ ‬يعيشون‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬غير‭ ‬آمنة‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬شكل‭ ‬من‭ ‬أشكال‭ ‬الحماية‭ ‬الأسرية‭ ‬أو‭ ‬القانونية‭. ‬وأضافت‭ ‬تدخلات‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬فقيرة‭ ‬بالدرجة‭ ‬الأولى‭ ‬ومحدودة‭ ‬بالإمكانات‭ ‬المتاحة،‭ ‬وتشمل‭ ‬تقديم‭ ‬مساعدات‭ ‬غذائية‭ ‬وملابس‭ ‬ودعم‭ ‬نفسي‭ ‬اجتماعي‭ ‬وأحيانا‭ ‬إحالات‭ ‬صحية‭ ‬أو‭ ‬محاولات‭ ‬لإدماجهم‭ ‬في‭ ‬مساحات‭ ‬آمنة‭ ‬مؤقتة‭. ‬هذه‭ ‬التدخلات‭ ‬مهمة‭ ‬لكنها‭ ‬غير‭ ‬كافية‭ ‬لأنها‭ ‬لا‭ ‬تعالج‭ ‬جذور‭ ‬المشكلة‭ ‬ولا‭ ‬توفر‭ ‬حماية‭ ‬مستدامة‭. ‬وأوضحت‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬التحديات‭ ‬الميدانية‭ ‬صعوبة‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬بسبب‭ ‬تنقلهم‭ ‬المستمر‭ ‬والخوف‭ ‬وعدم‭ ‬الثقة‭ ‬بالجهات‭ ‬العاملة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬التحديات‭ ‬الأمنية‭ ‬والضغط‭ ‬المجتمعي‭ ‬ونقص‭ ‬الموارد‭ ‬البشرية‭ ‬والمالية‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الاستمرارية‭ ‬في‭ ‬الدعم‭ ‬تبقى‭ ‬تحديا‭ ‬كبيرا‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬إطار‭ ‬مؤسسي‭ ‬واضح‭ ‬للتعامل‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الفئة‭. ‬وأشارت‭ ‬إلى‭ ‬أنهم‭ ‬يعتمدون‭ ‬في‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬عملهم‭ ‬على‭ ‬الشراكات‭ ‬مع‭ ‬المنظمات‭ ‬الدولية‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الدعم‭ ‬الفني‭ ‬أو‭ ‬التمويل‭ ‬أو‭ ‬بناء‭ ‬القدرات‭. ‬هذه‭ ‬الشراكات‭ ‬ضرورية‭ ‬لكنها‭ ‬أحيانا‭ ‬تخضع‭ ‬لأطر‭ ‬زمنية‭ ‬قصيرة‭ ‬ولا‭ ‬تغطي‭ ‬كل‭ ‬الاحتياجات‭ ‬الميدانية‭ ‬الفعلية،‭ ‬وبما‭ ‬لا‭ ‬يتعارض‭ ‬مع‭ ‬القانون‭ ‬الليبي‭. ‬وأكدت‭ ‬التعامل‭ ‬الجاد‭ ‬مع‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة‭ ‬يتطلب‭ ‬بشكل‭ ‬أساسي‭ ‬وجود‭ ‬وتفعيل‭ ‬دور‭ ‬الجهات‭ ‬الأمنية‭ ‬المختصة‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة

من‭ ‬النيجر‭  ‬إلى‭ ‬السودان‭ ..‬

واقـع‭ ‬طفولـة‭ ‬تائهـة‭ ‬فـي‭ ‬شـوارع‭ ‬سبها‭ ‬

بهذه‭ ‬القضايا‭. ‬فلا‭ ‬يمكن‭ ‬حماية‭ ‬الأطفال‭ ‬المهاجرين‭ ‬بلا‭ ‬معيل‭ ‬دون‭ ‬إطار‭ ‬أمني‭ ‬واضح‭ ‬يضمن‭ ‬حمايتهم‭ ‬من‭ ‬الاستغلال‭ ‬والاتجار‭ ‬والعنف‭ ‬ويضبط‭ ‬عمليات‭ ‬النقل‭ ‬والإيواء‭ ‬ويكمل‭ ‬دور‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬ضمن‭ ‬منظومة‭ ‬حماية‭ ‬متكاملة‭. ‬ونوهت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الحلول‭ ‬العاجلة‭ ‬والواقعية‭ ‬التي‭ ‬يرونها‭ ‬ممكنة‭ ‬هي‭ ‬إنشاء‭ ‬مساحات‭ ‬آمنة‭ ‬مؤقتة‭ ‬مخصصة‭ ‬للأطفال‭ ‬المهاجرين‭ ‬بلا‭ ‬معيل،‭ ‬توفير‭ ‬دعم‭ ‬نفسي‭ ‬واجتماعي‭ ‬مستمر‭ ‬لهم‭, ‬تفعيل‭ ‬آليات‭ ‬الحماية‭ ‬المجتمعية،‭ ‬إشراك‭ ‬البلديات‭ ‬والقيادات‭ ‬المحلية،‭ ‬وتنسيق‭ ‬الجهود‭ ‬مع‭ ‬الجهات‭ ‬الأمنية‭ ‬ذات‭ ‬العلاقة،‭ ‬وبناء‭ ‬نظام‭ ‬إحالة‭ ‬واضح‭ ‬بين‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والجهات‭ ‬الرسمية‭. ‬هذه‭ ‬الخطوات‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬حلولاً‭ ‬جذرية‭ ‬لكنها‭ ‬ضرورية‭ ‬لحماية‭ ‬هؤلاء‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬الاستغلال‭ ‬والعنف،‭ ‬ومنحهم‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الكرامة‭ ‬والأمان‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬شديد‭ ‬القسوة‭.‬

الرأي‭ ‬القانوني

قال‭ ‬‮«‬إبراهيم‭ ‬كاري‭ ‬كوري‭ ‬كانتي‮»‬‭ ‬مدير‭ ‬المجلس‭ ‬الوطني‭ ‬للحريات‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬مكتب‭ ‬القطرون،‭ ‬إن‭ ‬الوضع‭ ‬القانوني‭ ‬للأطفال‭ ‬المتسولين‭ ‬من‭ ‬دول‭ ‬المهاجرين‭ ‬يختلف‭ ‬باختلاف‭ ‬القوانين‭ ‬والتشريعات‭ ‬المحلية‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دولة‭.‬

وبيّن‭ ‬أن‭ ‬التسول‭ ‬يُعد‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬جريمة،‭ ‬وقد‭ ‬يتعرض‭ ‬الأطفال‭ ‬المتسولون‭ ‬للاعتقال‭ ‬والمحاكمة،‭ ‬موضحًا‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬توجد‭ ‬أيضًا‭ ‬قوانين‭ ‬وسياسات‭ ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬حماية‭ ‬الأطفال‭ ‬المتسولين‭ ‬وتوفير‭ ‬الدعم‭ ‬لهم‭.. ‬وأوضح‭ ‬أن‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬هذه‭ ‬القوانين‭ ‬قوانين‭ ‬حماية‭ ‬الطفل،‭ ‬لافتًا‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬دولة‭ ‬يوجد‭ ‬قانون‭ ‬خاص‭ ‬لحماية‭ ‬الأطفال‭ ‬من‭ ‬الاستغلال‭ ‬والعنف،‭ ‬كما‭ ‬أشار‭ ‬إلى‭ ‬وجود‭ ‬الاتفاقيات‭ ‬الدولية،‭ ‬من‭ ‬ضمنها‭ ‬الاتفاقية‭ ‬الدولية‭ ‬لحقوق‭ ‬الأطفال،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬ليبيا‭ ‬من‭ ‬ضمن‭ ‬الدول‭ ‬الموقعة‭ ‬على‭ ‬هذه‭ ‬الاتفاقية‭. ‬

الرأي‭ ‬الاجتماعي‭ ‬النفسي

قالت‭ ‬عائشة‭ ‬بن‭ ‬يحمد،‭ ‬أخصائية‭ ‬اجتماعية،‭ ‬إن‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬الآثار‭ ‬النفسية‭ ‬التي‭ ‬يتسبب‭ ‬فيها‭ ‬الجنوح‭ ‬بالأطفال‭ ‬المهاجرين‭ ‬في‭ ‬الشوارع‭ ‬الليبية‭ ‬ظواهر‭ ‬كثيرة،‭ ‬منها‭ ‬الخوف‭ ‬الدائم‭ ‬من‭ ‬المجهول،‭ ‬والقلق،‭ ‬والاكتئاب،‭ ‬والرغبة‭ ‬في‭ ‬البكاء‭ ‬لأتفه‭ ‬الأسباب،‭ ‬أو‭ ‬العكس‭ ‬بمعنى‭ ‬القساوة‭ ‬في‭ ‬القلب‭ ‬وعدم‭ ‬التأثر‭ ‬بالمشاعر‭ ‬لدى‭ ‬الآخرين،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الشعور‭ ‬الدائم‭ ‬بالدونية‭.‬

وبيّنت‭ ‬أن‭ ‬الاقتراح‭ ‬الوحيد‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬هو‭ ‬مخاطبة‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬في‭ ‬دولهم‭ ‬الأساسية‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الشأن،‭ ‬إما‭ ‬بتسفيرهم‭ ‬إلى‭ ‬بلدانهم‭ ‬وفتح‭ ‬فرص‭ ‬عمل‭ ‬أمامهم،‭ ‬أو‭ ‬فتح‭ ‬المجال‭ ‬أمامهم‭ ‬لتعلّم‭ ‬حِرف‭ ‬تكفل‭ ‬لهم‭ ‬العيش‭ ‬الكريم‭. ‬

هشاشة‭ ‬الطفولة‭ ‬بين‭ ‬الهجرة‭ ‬وانعدام‭ ‬المعيل

قصتا‭ ‬دايو‭ ‬وزرّة‭ ‬ليستا‭ ‬استثناءً؛‭ ‬هما‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬أوسع‭ ‬يواجهه‭ ‬الأطفال‭ ‬المهاجرون‭ ‬بلا‭ ‬معيل‭. ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬تبرز‭ ‬هشاشة‭ ‬الطفولة،‭ ‬وظروف‭ ‬الهجرة‭ ‬التي‭ ‬تُجبر‭ ‬الأطفال‭ ‬على‭ ‬العمل،‭ ‬التسوّل،‭ ‬وتحمل‭ ‬مسؤوليات‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬سنّهم،‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬غياب‭ ‬أي‭ ‬شبكة‭ ‬حماية‭ ‬اجتماعية‭ ‬أو‭ ‬قانونية‭.‬

الهجرة‭ ‬بحثًا‭ ‬عن‭ ‬سبل‭ ‬العيش‭ ‬ليست‭ ‬خيارًا‭ ‬بريئًا‭ ‬للأطفال،‭ ‬بل‭ ‬واقع‭ ‬يفرض‭ ‬عليهم‭ ‬التكيف‭ ‬مع‭ ‬ظروف‭ ‬قاسية‭. ‬الأطفال‭ ‬يعيشون‭ ‬بين‭ ‬حدود‭ ‬غير‭ ‬رسمية،‭ ‬بلا‭ ‬وطن‭ ‬فعلي،‭ ‬وبلا‭ ‬طفولة‭ ‬مكتملة،‭ ‬ويحتاجون‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬حماية،‭ ‬دعم‭ ‬إنساني،‭ ‬ورصد‭ ‬قانوني‭ ‬واضح‭ ‬يضمن‭ ‬لهم‭ ‬الحد‭ ‬الأدنى‭ ‬من‭ ‬الحياة‭ ‬الكريمة،‭ ‬والأمان،‭ ‬والتعليم،‭ ‬والرعاية‭ ‬الصحية‭.‬

Share this content: