من المسرح الى التلفزيون
في مشهدٍ إعلامي ليبيٍ تتنازعه الاستقطابات وتُثقله الضوضاء، تبرز أسماء قليلة اختارت أن تمشي على حافة الحقيقة لا على الهامش. من بين هذه الأصوات، تطلّ الإعلامية إيمان الوحيشي، التي لم تكتف بأن تكون مقدمة برامج فقط بل صوتا يحاول أن يُعيد تعريف وظيفة الإعلام: من منصة للجدل إلى مساحة للمساءلة.
رحلتها لم تبدأ من استوديوهات الأخبار، بل من خشبة المسرح، حيث تشكّل وعيها الأول بمعنى الوقوف أمام الجمهور، قبل أن تنتقل إلى ميكروفون الإذاعة ثم شاشة التلفزيون، حاملة معها شغفًا مبكرًا ومسؤولية نضجت مع التجربة. في هذا الحوار، تفتح الوحيشي دفاتر البدايات، وتخوض في عمق الإشكاليات التي تعصف بالإعلام الليبي

إيمان الوحيشي
من المسرح إلى التلفزيون
النجاح لا يقاس بالجوائز
بل بثقة الناس
حوار : خديجة المرهاق
الوحيشي تتحدث بلا مواربة :
الإعلام يمكن أن يكون جسر سلام ويمكن يحدث أزمة..
بدايةً، كيف تستعيدين ملامح انطلاقتك الأولى في المجال الإعلامي؟ وما اللحظة الفارقة التي أدركتِ فيها أن هذا المسار لم يعد مجرد تجربة، بل خيارك المهني الحقيقي؟•
حين أعود بذاكرتي إلى البدايات الأولى، أكتشف أن علاقتي بالإعلام لم تبدأ أمام الكاميرات، بل على خشبة المسرح في سنوات الطفولة. فالدخول إلى المجال الإعلامي لم يكن قرارًا مخططًا له، بقدر ما كان امتدادًا لمسار بدأ مبكرًا جدًا. نشأت في القاهرة، حيث عشت جميع مراحلي العمرية والدراسية، وهناك تشكّلت ملامح شخصيتي الأولى، خاصة علاقتي المبكرة بالوقوف أمام الجمهور والتعبير.
منذ المرحلة المدرسية، كنت حاضرة في مختلف الأنشطة اللاصفية، من الإذاعة المدرسية إلى الاستعراضات والباليه، وكل ما يرتبط بالأنشطة الفنية والثقافية. كنت أُختار باستمرار، وكنت دائمًا ضمن الفقرات الرئيسية، لا حبًا في الظهور، بل لأنني وجدت في تلك المساحات ذاتي الحقيقية.
أتذكر جيدًا فقراتي الغنائية عن فلسطين، وتلك التجارب التي زرعت في داخلي، منذ سن مبكرة، إحساسًا بالمسؤولية تجاه القضايا العادلة، حتى قبل امتلاك أدوات الفهم السياسي أو الإعلامي. كما أستعيد تجربة الوقوف على مسرح دار الأوبرا المصرية خلال الحفلات الختامية السنوية، أمام جمهور كبير من الأهالي والضيوف، وكانت، دون أن أدري، البذرة الأولى لعلاقة طويلة مع الميكروفون والكاميرا.
أما اللحظة الفارقة التي أدركت فيها أن الإعلام أصبح خياري الحقيقي، فكانت مع إعلان مؤسسة “الوسط” الإعلامية فتح باب اختبارات الأداء لليبيين المقيمين في القاهرة. تقدّمت دون تردد، ضمن عدد كبير من المتنافسين، وفي عام 2013، تُوّج هذا المسار بتوقيع أول عقد عمل لي كمقدمة برامج في “راديو الوسط”.

في ظل تعقيد المشهد الليبي وتشابك ملفاته، ما المعايير المهنية التي تعتمدين عليها في انتقاء ضيوفك و المواضيع التي تطرحينها ؟
في ظل المشهد الليبي المعقد، أرى أن اختيار الضيوف والمواضيع مسؤولية مضاعفة. المعيار الأول بالنسبة لي هو المصداقية، والبحث عن ضيوف يمتلكون معرفة حقيقية، لا من يبحثون عن منبر لتسويق أجنداتهم.
أما المعيار الثاني فهو الكفاءة والتخصص؛ ففي القضايا الاقتصادية أناقش خبراء اقتصاديين، وفي الملفات القانونية أستضيف قانونيين مختصين، لأن المتلقي الليبي يستحق محتوى يحترم عقله.
وفيما يخص المواضيع، أحرص على اختيار ما يمس المواطن الليبي بشكل مباشر: قضايا المعيشة، والخدمات، والأمن، والمصالحة، ومستقبل البلاد، .
ويبقى التحدي الأكبر هو الحفاظ على التوازن في ظل الاستقطاب الحاد، لذلك أسعى إلى استضافة أصوات مختلفة ووجهات نظر متباينة
•• برنامجا “هذا المساء” و”وسط الخبر” حققا حضورًا لافتًا وتفاعلًا جماهيريًا واسعًا، برأيك ما العوامل التي صنعت هذا القبول لدى الجمهور؟
أعتقد أن السر الأساسي في التفاعل الجماهيري يكمن في الصدق والقرب من هموم الناس. حين يشعر المشاهد أنك تطرحين الأسئلة التي تمثله، والتي كان يود طرحها لو كان في موقعك، يتحول من متلقٍ سلبي إلى شريك حقيقي في الحوار.
كما أن فلسفة البرنامجين تقوم على موقع وسطي واضح: لا
حسنًا نسبيًا خلال السنوات الأخيرة، لكننا ما زلنا نطمح إلى أكثر من ذلك. اليوم نرى مذيعات ومقدمات برامج ومراسلات يقدمن أداءً مهنيًا عاليًا، وهذا تطور إيجابي يستحق الإشادة.
ومع ذلك، تواجه المرأة تحديات مضاعفة؛ فمن جهة، لا تزال النظرة المجتمعية تفرض قيودًا غير معلنة على عملها في الإعلام السياسي، ومن جهة أخرى، هناك صعوبة حقيقية في وصول النساء إلى مواقع صنع القرار داخل المؤسسات الإعلامية، التي لا تزال تُدار في أغلبها بعقلية ذكورية.
وما نحتاجه اليوم ليس فقط حضورًا أمام الكاميرا، بل تمكينًا حقيقيًا في الإعداد والتحرير والإدارة وصناعة القرار الإعلامي.
برأيك، ما أبرز الاختلالات التي ينبغي التوقف عندها بجدية لإعادة تصويب مسار الإعلام الليبي والارتقاء بأدائه المهني؟
يعاني الإعلام الليبي من إشكاليات جوهرية تحتاج إلى
صوت للسلطة ولا للمعارضة، بل صوت المواطن..
وأحرص دائمًا على انتزاع الإجابات الواضحة، ورفض التهرب والدبلوماسية الفارغة، إلى جانب التفاعل المستمر مع الجمهور عبر وسائل التواصل الاجتماعي، و استلهام أفكار الحلقات من تعليقاتهم ورسائلهم

المراة الليبية قادرة .. لكن القرار لايزال ذكوريا
يثار كثير من الجدل حول مصداقية الجوائز الإعلامية، بين من يراها تقديرًا مستحقًا ومن يعتبرها رهينة للعلاقات، كيف تنظرين إلى هذه المسألة من واقع تجربتك؟
الجدل حول الجوائز مفهوم في بيئات تفتقر أحيانًا إلى معايير واضحة، لكنني لا أتعامل معها بمنطق التقديس أو الرفض. تجربتي مع الجوائز كانت تدريجية، وكانت البداية مع برنامج “هنا ليبيا”.
وفي كل مرة، كنت أتعامل مع الترشيح باعتباره تقييمًا مرحليًا للتجربة، لا حكمًا نهائيًا على النجاح أو الفشل. أما حصولي على جائزة “سبتيموس” عن برنامج “هذا المساء”، فلم أره تأكيدًا للتفوق أو النجومية، بل لفتة تقدير مهنية ودافعًا معنويًا، لا مقياسًا نهائيًا للنجاح.
ومع ذلك، لا أرى ضررًا في الاعتراف بأن الجوائز، حين تُمنح ضمن أطر مهنية، يمكن أن تلعب دورًا إيجابيًا في تحفيز الصحفيين وتنمية روح التنافس الصحي بينهم.
كيف تقيّمين اليوم حضور المرأة الليبية في الإعلام السياسي؟ وهل تجاوزت مرحلة الإثبات نحو مرحلة التأثير وصناعة القرار؟
شهد حضور المرأة الليبية في الإعلام السياسي
وقفة جادة. أولها غياب التدريب المهني الحقيقي، حيث دخل كثير من العاملين المجال دون تأهيل كافٍ،
كما يتمثل الخطأ الثاني في الخلط بين الرأي والخبر، في حين أن الإعلام المهني يقوم على الفصل الواضح بينهما.
أما الخطأ الثالث، فهو اللهاث وراء السبق الصحفي على حساب الدقة، إلى جانب غياب ميثاق شرف إعلامي ملزم، والارتهان للتمويل السياسي، خاصة في عصر السرعة ووسائل التواصل الاجتماعي
في بيئة إعلامية يغلب عليها الانقسام، إلى أي مدى استطعتِ الحفاظ على مسافة مهنية متوازنة من مختلف الأطراف؟
الحياد المهني لا يعني المساواة بين الحق والباطل، بل يعني طرح الأسئلة نفسها على الجميع، و المعيار ذاته. في الواقع الليبي المنقسم، أصبح الحياد في كثير من الأحيان تهمة.
اخترت منذ البداية ألا أكون في خندق أي طرف سياسي، بل في خندق المواطن الليبي البسيط الذي يبحث عن حياة كريمة. لا أدّعي الكمال، المهنية مسار طويل يتطلب مراجعة ذاتية مستمرة، لكن ما يهمني هو أن أكون صادقة مع ضميري، وأن أقول الحقيقة كما أراها دون خوف أو حسابات ضيقة.
خلال مسيرتك، هل واجهتِ ما يمكن وصفه بـ”الخطوط الحمراء” التي تحد من حرية الطرح؟ وكيف تعاملتِ معها ضمن إطارك المهني؟

مشروعـي القـادم إعلام يصنعــه الجمهــور
لا يُملى عليـه
هناك خطوط حمراء طبيعية ومفهومة، خاصة فيما يتعلق بالأمن القومي أو حماية الأرواح، وهذا أمر موجود في أي مؤسسة إعلامية. أما في تجربتي مع قناة “الوسط”، فلا توجد خطوط تعسفية تقيد حرية الطرح، بل تقوم العلاقة على الحوار والاحترام المتبادل، مما يتيح ممارسة الدور المهني بشكل متوازن
•أين تضعين الحد الفاصل بين الجرأة المهنية المطلوبة، وبين الوقوع في فخ الإثارة الإعلامية؟
الفرق بين الجرأة المهنية والإثارة الإعلامية يكمن في النية والهدف؛ الجرأة تهدف إلى كشف الحقيقة وخدمة الصالح العام، بينما تسعى الإثارة إلى جذب الانتباه فقط.
وقبل طرح أي سؤال حساس، أضع لنفسي معايير واضحة: هل يخدم الحقيقة؟ هل يفيد الجمهور؟ وهل أنا مستعدة لتحمل تبعاته؟ إذا كانت الإجابة نعم، أطرحه دون تردد.
في تقديرك، هل لا يزال الإعلام قادرًا على أن يكون جزءًا من الحل، أم أنه – في بعض صوره – أصبح جزءًا من تعقيد الأزمة؟
للأسف، أصبح جزء كبير من الإعلام الليبي يمثل جزءًا من الأزمة، بعدما تحول في بعض الأحيان إلى أداة للتحريض بدل أن يكون جسرًا للحوار. ومع ذلك، لا يزال هناك إعلاميون يحاولون العمل بمهنية رغم الضغوط.

ما السؤال الذي لا يزال يراودك وتجدين صعوبة في طرحه، رغم أهميته، وربما قسوته؟
السؤال الذي يشغل تفكيري يتعلق بالمصالحة الوطنية الحقيقية وثمنها الفعلي: هل نحن مستعدون فعلًا للتنازل والعفو، أم أن شعارات المصالحة مجرد خطاب؟
أخشى هذا السؤال لأن إجابته قد تكون قاسية، لكنها ضرورية إذا أردنا التقدم.
أخيرًا، هل من جديد أو مشروع تعملين عليه ترغبين في مشاركته مع قرّاء “مجلة الليبية”؟
أعمل حاليًا على مشروع إعلامي جديد يهدف إلى إحداث نقلة نوعية في مسيرتي، يجمع بين الإعلام التقليدي والرقمي، ويستهدف فئة الشباب عبر محتوى تفاعلي يتيح للجمهور المشاركة في صناعة المحتوى.
أتمنى أن يكون هذا المشروع إضافة حقيقية للمشهد الإعلامي الليبي، وسأكشف عن تفاصيله قريبًا.
Share this content: