×

سؤال منفي

رزان نعيم

سؤال منفي

سؤال منفي؟

“محاولة لفهم الغربة بوصفها شكلاً من أشكال الخلق. حين تصبح الكتابة وطنًا مؤقتًا للروح. “

منذ القدم، طرح المفكرون والفلاسفة والفنانون على ذواتهم سؤالًا جوهريًا:

هل نعيد صياغة العالم ليتواءم معنا، أم نعيد تشكيل ذواتنا لننخرط فيه؟

كثيرة هي الإجابات، ومتعددة المسالك، لكن هناك من رأى الخلاص في الانسحاب، في العزلة التي تُنقذ الروح من صخب العالم.

غير أن الكُتّاب والمبدعين، في رأيي، هم من وجدوا طريقًا ثالثًا: أعادوا في كل مرة تفصيل عالمٍ جديد على مقاسهم.

تجربة الكتابة هي في جوهرها انفصالٌ مؤقت عن المحيط، غوصٌ في تفاصيل عالمٍ آخر، يخرج منه الكاتب مُلتبسًا بحدوده، ثم يعود ليكرّر التجربة مرة بعد أخرى، قافزًا بين وعيه المحيط ولاوعيه الذي يعيد تشكيل ما أراد قوله.

أتذكر أنني في كل مدينةٍ أصلها، أبدأ بحثي عن مقهى يذكّرني بتلك المقاهي في طرابلس رائحة القهوة، الأصوات والوجوه المألوفة، تلك الوجوه التي عرفتني وعرفتها دون حاجة إلى مزيد من التفسير والأحكام  المسبقة.. أمزجة بعضنا البعض من التفاتة صغيرة، أو إيماءة  لا يشعر بها من حولنا. 

في ذلك البحث البسيط، أكتشف أنني لا أبحث عن مكانٍ بقدر ما أبحث عن إحساسٍ بالانتماء.

وربما كان كافكا محقًا حين قال إنه لا يشعر بالانتماء إلى أي مكان، وأن كل مدينة بالنسبة إليه تبدو مؤقتة، كأنها محطة قطار ينتظر فيها قطارًا آخر لا يأتي.

الكتابة، إذًا، أكثر من محاولات  تعبير، تصبح  محاولة دائمة للانتماء، بحثٌ عن مكانٍ يُوطّن النفس فيه، لأن مفهوم “الوطن” نفسه غير مستقر في داخل المبدع.

ربما لهذا يهوى كثيرون الترحال، إذ يسكنهم حنين خفي إلى موطئٍ للروح. وخلال الرحلة، يعيد الكاتب خلق ذاته مرارًا ليبلغ النسخة التي يظنها أكثر اتساقًا مع ما هو عليه.

لطالما رأيتُ أن هذا الشعور متجذر فينا، نوستالجيا أولى تبدأ منذ لحظة خروجنا من رحم الأم.   أول صرخة يطلقها الطفل بعد ولادته هي احتجاجه الأول على المنفى إعلانٌه   أنه غادر جنّته الأولى.

منذ تلك اللحظة، يتعلم الإنسان كيف يتأقلم مع الغياب، وكيف يبتكر مكانًا جديدًا يطمئنه.

حتى الميثولوجيا رسّخت هذا المعنى في قصة آدم ونفيه من الجنة:

كأنَّ قدر الإنسان أن يُنفى عن محيطه الأصلي، ليبدأ رحلة البحث عن عودته الكبرى.

كل مرة أبدأ فيها نصًا جديدًا، أشعر أنني أهاجر من العالم الواقعي إلى عالمٍ آخر.

أترك خلفي ضجيج المدن وأسكن الورق. هناك، أجد بيتًا مؤقتًا للروح، بيتًا  جدرانه   اللغة فحسب.

حين أكتب، لا أبحث عن الجمال فقط، بل عن مأوى صغير من العزلة يعيد لي مشاعر الحرية ولو إلى حين، الانتماء لما أحب. 

  لهذا تبدو الكتابة  بالنسبة لي، أقرب إلى طقس عودةٍ دائمة، محاولةٍ لتسكين الغربة التي تتبدّل وجوهها وتبقى حاضرة كلما خرجنا لمواجهة العالم .

هذه المسألة كانت دائمًا موضع جدل بين الفلاسفة:

رأى جان جاك روسو أن الفرد أنقى وأقرب إلى طبيعته خارج المجتمع الذي يفسده، بينما اعتبر جان بول سارتر أن الذات لا تتشكل إلا من خلال الآخر، رغم أن هذا التفاعل كثيرًا ما يخنقها.

أما شوبنهاور فوجد في العزلة ملاذًا من ضغوط التوقعات الخارجية، مؤمنًا بأن “العقل القوي يجد سلامه في عزلة”، وأن الإنسان قادر على خلق عوالمه الداخلية التي تحميه من تلوث الخارج.

الفيلسوف الوجودي مارتن هايدغر وصف الإنسان بأنه “موجود منفي” يبحث باستمرار عن معنى، عن وطنٍ مفقود يسكن اللغة والذاكرة.

بينما رأى جوزيف كامبل في رحلة البطل تجسيدًا لهذه الحركة الأبدية بين النفي والعودة رحلة إعادة صياغة الذات في كل تجربة جديدة.

وعند كارل يونغ، يتحول “النفي” إلى رمزٍ نفسي لابتعاد الفرد عن جذوره، مسارٍ مؤلم لكنه ضروري للوصول إلى ذاته الحقيقية.

أما كامو، فعبّر عن عبث العالم الذي لا يستجيب لتوقعاتنا، ليتركنا في مواجهة السؤال ذاته:

هل ننسحب أم نخلق معنى جديدًا وسط هذا العبث؟

وهكذا يفعل الفنانون والكتّاب: لا ينسحبون، بل يخلقون عوالم تتناغم مع ذواتهم.

تلك الغرفة التي طالبت بها فرجينيا وولف “لتخصها وحدها”،  لم تبتغي العزلة عن العالم، وإنما حلمت  بمساحة للخلق، للانتماء الداخلي.

الكتابة إذًا فعل مقاومة بقدر ما هي فعل انتماء، وطنٌ يتجدد مع كل نصٍّ جديد، حيث يعود الكاتب ليبدأ من جديد رحلته الأبدية نحو الوطن الأول.

ربما المنفى الحقيقي ليس في الجغرافيا،  ربما يكمن في عجزنا عن التعرّف على ملامحنا بعد كل رحلة. ومع ذلك، ما زلنا نكتب، كما لو أننا نحفر على جدار العالم ممرًّا سرّيًا للعودة.

Share this content: