×

اللغة السرية لنساء ليبيا

اللغة السرية لنساء ليبيا

من‭ ‬رائحة‭ ‬الجدّات‭ ‬إلى‭ ‬حفلات‭ ‬العرائس،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬الحنّاء‭ ‬الليبية‭ ‬تمسّ‭ ‬الذاكرة‭ ‬وتصبغ‭ ‬الفرح‭ ‬بلون‭ ‬الأرض‭ ‬والأنوثة‭.. ‬طقسٌ‭ ‬لا‭ ‬يغيب‭ ‬عن‭ ‬الأعراس‭ ‬والمناسبات،‭ ‬ومهنةٌ‭ ‬تتوارثها‭ ‬النساء‭ ‬جيلاً‭ ‬بعد‭ ‬جيل،‭ ‬تتلوّن‭ ‬بتفاصيل‭ ‬جديدة‭ ‬لكن‭ ‬جذورها‭ ‬ضاربة‭ ‬في‭ ‬التراث‭.‬

نقــوش‭ ‬الخضــاب‭ ‬إشــارة‭ ‬اجتماعية‭ ‬ورموز‭ ‬للهوية

                   من‭ ‬نيرة‭ ‬الجدات‭ ‬إلى‭ ‬هوس‭ ‬الصالونــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــات‭ .. ‬تحولات‭ ‬أيقونة‭ ‬الجمال‭ ‬الليبي

استطلاع‭ : ‬هند‭ ‬الهوني

من‭ ‬طقسٍ‭ ‬تراثي‭ ‬إلى‭ ‬موضة‭ ‬عصرية

كانت‭ ‬الحنّاء‭ ‬قديماً‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬حياة‭ ‬المرأة‭ ‬الليبية‭ ‬اليومية‭. . ‬تُطحن‭ ‬أوراقها‭ ‬الخضراء‭ ‬وتُعجن‭ ‬بالماء‭ ‬والليمون،‭ ‬ثم‭ ‬تُرسم‭ ‬بها‭ ‬النقوش‭ ‬بخيوط‭ ‬تُسمّى‭ ‬“النِّيرة”‭.‬

اللون‭ ‬الأحمر‭ ‬أو‭ ‬البني‭ ‬القاتم‭ ‬كان‭ ‬رمزًا‭ ‬للجمال‭ ‬والبهجة،‭ ‬وخصوصاً‭ ‬للعروس‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تضع‭ ‬الحنّاء‭ ‬على‭ ‬كفيها‭ ‬وقدميها‭ ‬في‭ ‬ليلة‭ ‬الحنّاء،‭ ‬وسط‭ ‬طقوس‭ ‬غنائية‭ ‬واحتفالية‭ ‬تسمّى‭ ‬‮«‬الحنّاية‮»‬‭.‬

حنان‭ ‬الكبتي‭ ‬تقول‭ ‬كنا‭ ‬نشاهد‭ ‬جدتي‭ ‬وهي‭ ‬تختار‭ ‬أوراق‭ ‬الحناء‭ ‬بعناية‭ ‬شديدة‭ ‬جزءاً‭ ‬تطحنه‭ ‬ليصبح‭ ‬جاهزا‭ ‬للخضاب‭ ‬وجزاً‭ ‬تتركه‭ ‬للعلاج‭ ‬كمنقوع‭ ‬لعلاج‭ ‬أوجاع‭ ‬المعدة‭ ‬ورغم‭ ‬كل‭ ‬مايضاف‭ ‬من‭ ‬زيوت‭ ‬كالشيح‭ ‬أو‭ ‬غيره‭ ‬لتزيد‭ ‬من‭ ‬قتامة‭ ‬لونها‭ ‬إلا‭ ‬اأن‭ ‬جدتي‭ ‬كانت‭ ‬تعجنها‭ ‬بالليمون‭ ‬وتتركها‭ ‬تختمر‭ ‬وعند‭ ‬المساء‭ ‬كانت‭ ‬تخضب‭ ‬اُكف‭ ‬أيدينا‭ ‬وتقول‭ ‬‮«‬الحنة‭ ‬من‭ ‬زهور‭ ‬الجنة‭ ‬مدوا‭ ‬مفوقتك‭ ‬وحنن‭ ‬الجنة‭ ‬من‭ ‬طيب‭ ‬الجنة‭ ‬وبيش‭ ‬ربي‭ ‬يحن‭ ‬عليكم‮»‬‭.‬

اليوم‭ ‬تغيّر‭ ‬المشهد‭. ‬دخلت‭ ‬النقوش‭ ‬الجاهزة‭ ‬واللاصقات‭ ‬الهندية‭ ‬والمغربية،‭ ‬وتفنّنت‭ ‬النساء‭ ‬في‭ ‬الأشكال‭ ‬والألوان‭ ‬بين‭ ‬الأسود‭ ‬الغامق‭ ‬والنحاسي‭ ‬الفاتح،‭ ‬لتواكب‭ ‬الموضة‭ ‬وتُرضي‭ ‬مختلف‭ ‬الأذواق‭.‬

الحنّاء‭ ‬من‭ ‬السوق‭ ‬إلى‭ ‬المنازل‭: ‬أسعار‭ ‬تتفاوت‭ ‬والطلب‭ ‬لا‭ ‬يتراجع

ومع‭ ‬اختلاف‭ ‬مسمياتها‭ ‬والإقبال‭ ‬على‭ ‬نوع‭ ‬بعينه‭ ‬لاشتهار‭ ‬جدواه‭ ‬بين‭ ‬السيدات‭ ‬لازالت‭ ‬الحنة‭ ‬رمز‭ ‬إشهار‭ ‬للفرح‭ ‬في‭ ‬الزواج‭ ‬والخطوبة‭ ‬والحج‭ ‬وكزينة‭ ‬من‭ ‬زينة‭ ‬المرأة‭ ‬في‭ ‬بيتها‭ ‬وعلامة‭ ‬فرح‭ ‬تحرص‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬السيدات‭ ‬عليها‭ ‬كل‭ ‬شهر‭.‬

في‭ ‬أسواق‭ ‬البلاد‭ ‬الشعبية‭ ‬في‭ ‬طرابلس‭ ‬أو‭ ‬بنغازي‭  تفترش‭ ‬البائعات‭ ‬منصات‭ ‬مختلفة‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬الحنة‭ ‬وأشكال‭ ‬نقوشها‭  ‬ففي‭ ‬سوق‭ ‬الجمعة‭ ‬بطرابلس،أو‭ ‬سوق‭ ‬العرب‭ ‬ببنغازي‭  ‬تفوح‭ ‬رائحة‭ ‬الحنّاء‭ ‬من‭ ‬زوايا‭ ‬الدكاكين‭ ‬الصغيرة‭ ‬والمحال‭ ‬التجارية‭ ‬وسط‭ ‬‮«‬المولات‮»‬‭ ‬الكبرى‭.‬

تقول‭ ‬‮«‬خديجة‭ ‬المبروك‮»‬،‭ ‬بائعة‭ ‬حنّاء‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرين‭ ‬عامًا‭:‬

رغم‭ ‬غزو‭ ‬الأنواع‭ ‬المستوردة،‭ ‬الحنّة‭ ‬البلدية‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬مطلوبة‭ ‬لأنها‭ ‬آمنة‭ ‬وطبيعية‭. ‬الكيلو‭ ‬منها‭ ‬يُباع‭ ‬بـ10‭ ‬إلى‭ ‬15‭ ‬ديناراً‭ ‬فقط،‭ ‬ويكفي‭ ‬لعدة‭ ‬استعمالات‭.‬

لكنها‭ ‬تشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬أصبحن‭ ‬يطلبن‭ ‬الحناء‭ ‬السودانية‭ ‬أو‭ ‬الهندية‭ ‬التي‭ ‬تعطي‭ ‬لونًا‭ ‬أسرع‭ ‬وأغمق‭.‬

الأنواع‭ ‬الأجنبية‭ ‬فيها‭ ‬إضافات‭ ‬كيميائية‭ ‬مثل‭ ‬أكسيد‭ ‬الحديد‭ ‬أو‭ ‬الصبغات‭ ‬الصناعية،‭ ‬تعطي‭ ‬لونًا‭ ‬أسوداً‭ ‬لامعًا‭ ‬في‭ ‬ساعة‭ ‬واحدة،‭ ‬لكنّها‭ ‬أحيانًا‭ ‬تسبب‭ ‬حساسية‭ ‬أو‭ ‬حروقًا‭ ‬جلدية‭.‬

أما‭ ‬الأسعار‭ ‬في‭ ‬صالونات‭ ‬التجميل‭ ‬فتختلف‭ ‬بحسب‭ ‬الموقع‭ ‬والخبرة‭.‬

توضح‭ ‬‮«‬هالة‭ ‬الورفلي‮»‬،‭ ‬وهي‭ ‬‮«‬حنّاية‮»‬‭ ‬محترفة‭ ‬تتنقل‭ ‬للمنازل‭:‬

نقش‭ ‬العروس‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬80‭ ‬دينارًا‭ ‬وقد‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬150‭ ‬دينارًا‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحياء‭ ‬الراقية،‭ ‬خاصة‭ ‬عند‭ ‬استخدام‭ ‬النقوش‭ ‬الهندية‭ ‬أو‭ ‬المغربية‭ ‬المعقّدة‭.‬

الزبائن‭ ‬يطلبن‭ ‬الخدمة‭ ‬المنزلية‭ ‬خصوصًا‭ ‬قبل‭ ‬الزفاف‭ ‬أو‭ ‬العيد،‭ ‬وبعضهن‭ ‬يحددن‭ ‬التصميم‭ ‬مسبقًا‭ ‬من‭ ‬الإنترنت‭.‬

ألوان‭ ‬وخلطات‭ ‬سريّة

الحنّايات‭ ‬يُدخلن‭ ‬اليوم‭ ‬مواد‭ ‬جديدة‭ ‬لتعزيز‭ ‬اللون‭ ‬وثباته،‭ ‬بين‭ ‬خلطات‭ ‬سرّية‭ ‬ووصفات‭ ‬موروثة‭.‬

تقول‭ ‬‮«‬جميلة‭ ‬الهادي‮»‬،‭ ‬‮«‬حنّاية‮»‬‭ ‬من‭ ‬مدينة‭ ‬الزاوية‭: ‬نضيف‭ ‬أحيانًا‭ ‬القهوة‭ ‬أو‭ ‬الكركديه‭ ‬أو‭ ‬الشاي‭ ‬الأسود‭ ‬لزيادة‭ ‬الصبغة،‭ ‬والبعض‭ ‬يخلط‭ ‬معجون‭ ‬الحناء‭ ‬بقليل‭ ‬من‭ ‬بودرة‭ ‬النيلي‭ ‬أو‭ ‬الصبغة‭ ‬السوداء‭.‬

لكنّي‭ ‬أفضّل‭ ‬الطريقة‭ ‬البلدية‭ ‬القديمة‭ ‬—‭ ‬الليمون‭ ‬وزيت‭ ‬الزيتون‭ ‬فقط‭ ‬—‭ ‬لأنها‭ ‬آمنة‭ ‬وتعطي‭ ‬لونًا‭ ‬طبيعيًا‭ ‬يدوم‭ ‬أطول‭.‬

رغم‭ ‬ذلك،‭ ‬تبقى‭ ‬أسعار‭ ‬الحنّاء‭ ‬الخام‭ ‬في‭ ‬السوق‭ ‬معقولة،‭ ‬ولم‭ ‬تتأثر‭ ‬كثيرًا‭ ‬بارتفاع‭ ‬الأسعار‭ ‬العامة،‭ ‬مما‭

جعلها‭ ‬متاحة‭ ‬لكل‭ ‬الطبقات

هوس‭ ‬الحنّاء‮…‬‭ ‬بين‭ ‬الجمال‭ ‬والعادة

تُقبل‭ ‬بعض‭ ‬النساء‭ ‬على‭ ‬الحنّاء‭ ‬بدافع‭ ‬الحب‭ ‬والعادة،‭ ‬وأخريات‭ ‬بدافع‭ ‬الانتماء‭ ‬للهوية‭.‬

تقول‭ ‬‮«‬سلمى‭ ‬بن‭ ‬نصر‮»‬،‭ ‬‮«‬29‭ ‬عامًا‮»‬‭:‬

أنا‭ ‬مهووسة‭ ‬بالحنّاء‭. ‬أضعها‭ ‬مرة‭ ‬كل‭ ‬أسبوعين‭. ‬أشعر‭ ‬أنها‭ ‬تربطني‭ ‬بجدّتي‭. ‬جربت‭ ‬النقوش‭ ‬الحديثة‭ ‬لكنها‭ ‬لا‭ ‬تعطي‭ ‬نفس‭ ‬الشعور‭ ‬الروحي‭.‬

بينما‭ ‬ترى‭ ‬رحاب‭ ‬العبيدي،‭ ‬طالبة‭ ‬جامعية‭:‬

الحناء‭ ‬أصبحت‭ ‬فنًّا،‭ ‬هناك‭ ‬نقوش‭ ‬تشبه‭ ‬التاتو‭ ‬لكنها‭ ‬بالحناء،‭ ‬وتبقى‭ ‬لأيام‭ ‬فقط،‭ ‬لذلك‭ ‬صارت‭ ‬خيارًا‭ ‬عصريًا‭ ‬ورخيصًا‭ ‬مقارنة‭ ‬بالوشم‭.‬

الحنّاء‮…‬‭ ‬ذاكرة‭ ‬لا‭ ‬تبهت

رغم‭ ‬اختلاف‭ ‬الأجيال‭ ‬والذوق،‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬الحنّاء‭ ‬رمزًا‭ ‬ثقافيًا‭ ‬في‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي،‭ ‬تحضر‭ ‬في‭ ‬الأفراح‭ ‬والزيارات‭ ‬والأعياد،‭ ‬وتُستخدم‭ ‬كإشارة‭ ‬اجتماعية‭ ‬تعكس‭ ‬الحالة‭ ‬والمناسبة‭.‬

هي‭ ‬لغة‭ ‬تراثية‭ ‬صامتة‭ ‬بين‭ ‬النساء،‭ ‬تمزج‭ ‬بين‭ ‬الجمال‭ ‬والعقيدة‭ ‬والذاكرة،‭ ‬وتختزن‭ ‬بين‭ ‬خطوطها‭ ‬حكايات‭ ‬الجدّات،‭ ‬ودفء‭ ‬البيوت‭ ‬القديمة‭.‬

Share this content: