×

حكاية الأدب الليبي مع الحرب

حكاية الأدب الليبي مع الحرب

‭ ‬يعتبر‭ ‬الفقهي‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الثورة‭ ‬شكل‭ ‬اختبارا‭ ‬للنخب،‭ ‬حيث‭ ‬أصبح‭ ‬البقاء‭ ‬أولوية‭ ‬بدل‭ ‬الحرية،‭ ‬والشعر‭ ‬اكتفى‭ ‬بتوصيف‭ ‬اللحظة‭ ‬بينما‭ ‬السرد‭ ‬حاول‭ ‬فهم‭ ‬فشل‭ ‬الديمقراطية،‭ ‬مع‭ ‬أعمال‭ ‬مثل‭ (‬علاقة‭ ‬حرجة‭) ‬و‭(‬أراك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭) ‬وغيرها،‭ ‬التي‭ ‬ترصد‭ ‬أثر‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬والذاكرة‭ ‬والهوية‭.‬

‭ ‬يشدد‭ ‬الفنادي‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬الواقعي‭ ‬يوثق‭ ‬حياة‭ ‬الناس‭ ‬ويترسخ‭ ‬كذاكرة‭ ‬جماعية،‭ ‬مع‭ ‬أعمال‭ ‬مثل‭ (‬ثورة‭ ‬فبراير‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي‭) ‬و‭(‬صندوق‭ ‬الرمل‭) ‬وغيرها،‭ ‬مشيرا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الخوف‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬الكتابة‭ ‬التفصيلية،‭ ‬لكن‭ ‬الأدب‭ ‬يبقى‭ ‬أداة‭ ‬لمداواة‭ ‬الذاكرة‭ ‬وحفظها‭ ‬للأجيال‭.‬

بين‭ ‬الصمت‭ ‬والبوح‭ :‬

منذ‭ ‬2011،‭ ‬بات‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي‭ ‬يواجه‭ ‬سؤال‭ ‬الحرب‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬أو‭ ‬ضمني،‭ ‬محاولا‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬موطئ‭ ‬قدم‭ ‬في‭ ‬أرض‭ ‬مزقتها‭ ‬سنوات‭ ‬الصراع‭ ‬والتناحر‭ ‬المسلّح‭.‬

‭ ‬ففي‭ ‬الواقع‭ ‬الملتهب‭ ‬الذي‭ ‬نعيشه،‭ ‬يقف‭ ‬الأدب‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬عاشه‭ ‬المواطن‭ ‬الليبي‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬ودمار‭ ‬وخراب،‭ ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬يشكل‭ ‬مساحة‭ ‬للبحث‭ ‬عن‭ ‬فهم‭ ‬للحالة‭ ‬وأمل‭ ‬في‭ ‬الخلاص‭ ‬والنجاة‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬التحقيق،‭ ‬نحاول‭ ‬قراءة‭ ‬الحرب‭ ‬من‭ ‬منظور‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬كتّاب‭ ‬يمثلون‭ ‬أجيالا‭ ‬وتجارب‭ ‬مختلفة،‭ ‬لنرى‭ ‬كيف‭ ‬يتعامل‭ ‬الأدب‭ ‬مع‭ ‬الحرب،‭ ‬توثيقها،‭ ‬ومداواة‭ ‬آثارها‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭.‬

يرى‭ ‬الكاتب‭ ‬الصحفي‭ ‬‘‘عبدالسلام‭ ‬الفقهي’’‭ ‬أن‭ ‬المرحلة‭ ‬التي‭ ‬أعقبت‭ ‬الثورة‭ ‬وما‭ ‬قبلها‭ ‬بقليل‭ ‬شكّلت‭ ‬اختبارًا‭ ‬للنخب‭ ‬المثقفة‭: ‬‮«‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬جعل‭ ‬من‭ ‬الاستقرار‭ ‬بعيد‭ ‬المنال‭ ‬وخلق‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬شيء،‭ ‬وتضاءلت‭ ‬الأماني‭ ‬حتى‭ ‬أضحى‭ ‬مطلب‭ ‬البقاء‭ ‬على‭ ‬قيد‭ ‬الحياة‭ ‬ليس‭ ‬بديلا‭ ‬للحرية‭ ‬بل‭ ‬بديلا‭ ‬للقمة‭ ‬العيش‮»‬‭. ‬ويشير‭ ‬الفقهي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأسئلة‭ ‬عن‭ ‬جدوى‭ ‬الكتابة‭ ‬وفعاليتها‭ ‬ظلت‭ ‬معلقة،‭ ‬بينما‭ ‬اكتفى‭ ‬الشعر‭ ‬بتوصيف‭ ‬اللحظة،‭ ‬وتولى‭ ‬السرد‭ ‬لاحقا‭ ‬تقديم‭ ‬إجابات‭ ‬عن‭ ‬فشل‭ ‬تحقيق‭ ‬كيان‭ ‬ديمقراطي‭ ‬قائم‭ ‬على‭ ‬العدالة‭ ‬والحرية‭.‬

ويقدم‭ ‬الفقهي‭ ‬شواهد‭ ‬لأدب‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬مثل‭ ‬رواية‭ (‬علاقة‭ ‬حرجة‭) ‬لعائشة‭ ‬الأصفر‭ ‬التي‭ ‬تتناول‭ ‬عشر‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬تجربة‭ ‬مدينة‭ ‬سرت‭ ‬بعد‭ ‬2011،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬جسد‭ ‬الشخصية‭ ‬المحورية‭ ‬‮«‬جبر‮»‬‭ ‬وصدى‭ ‬ذكريات‭ ‬الدكتور‭ ‬سميرة‭ ‬موسى‭. ‬يتساءل‭ ‬جبر‭: ‬‮«‬لماذا‭ ‬في‭ ‬مدينتي‭ ‬القتل‭ ‬والوشاية‭ ‬والتآمر؟‮»‬،‭ ‬وهو‭ ‬استفسار‭ ‬ينسحب‭ ‬على‭ ‬زوجته‭ ‬وأخوته‭ ‬وجيرانه،‭ ‬في‭ ‬مدينة‭ ‬امتدت‭ ‬فيها‭ ‬أذرع‭ ‬التطرف‭ ‬بشكل‭ ‬مروع‭. ‬أما‭ ‬الكاتب‭ ‬الشاب‭ ‬محمد‭ ‬التليسي‭ ‬في‭ ‬روايته‭ ‬أراك‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬فيرصد‭ ‬أسئلة‭ ‬الشباب‭ ‬الذين‭ ‬هاجروا‭ ‬بحثا‭ ‬عن‭ ‬حياة‭ ‬جديدة‭ ‬في‭ ‬أوروبا،‭ ‬متسائلا‭ ‬عن‭ ‬معنى‭ ‬النجاح‭ ‬والفشل‭ ‬بعد‭ ‬أحداث‭ ‬2011‭: ‬‮«‬هل‭ ‬أفلح‭ ‬خالد‭ ‬ومن‭ ‬معه‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬ما‭ ‬خرجوا‭ ‬لأجله؟‭ ‬وإذا‭ ‬نجحوا،‭ ‬لمَ‭ ‬أنا‭ ‬هنا‭ ‬وبهذه‭ ‬الحالة؟‭ ‬وإذا‭ ‬لم‭ ‬ينجحوا،‭ ‬ما‭ ‬حقيقة‭ ‬هذا‭ ‬النصر‭ ‬الذي‭ ‬شهده‭ ‬العالم‭ ‬بأكمله‭.. ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬أجد‭ ‬له‭ ‬تفسيرا‭ ‬حتى‭ ‬الآن؟‮»‬‭. ‬ويضيء‭ ‬الفقهي‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬عرضه‭ ‬محمد‭ ‬الأصفر‭ ‬في‭ ‬روايتيه‭ (‬تمر‭ ‬وقعمول‭) ‬و‭(‬علبة‭ ‬السعادة‭) ‬التي‭ ‬تتبع‭ ‬آثار‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬ذاكرة‭ ‬المكان‭ ‬والهوية،‭ ‬متشابكة‭ ‬مع‭ ‬التجارب‭ ‬الفردية،‭ ‬من‭ ‬صراع‭ ‬البطل‭ ‬مع‭ ‬جدوره‭ ‬إلى‭ ‬مواجهته‭ ‬للحروب‭ ‬الإقليمية‭ ‬وتجربته‭ ‬الشخصية‭ ‬مع‭ ‬السلام‭ ‬والفن‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الصراع‭.‬

حيث‭ ‬يرى‭ ‬الفقهي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي‭ ‬بعد‭ ‬2011‭ ‬أصبح‭ ‬وسيلة‭ ‬لفهم‭ ‬آثار‭ ‬الحرب‭ ‬على‭ ‬الفرد‭ ‬والمجتمع،‭ ‬إذ‭ ‬يعكس‭ ‬الواقع‭ ‬الاجتماعي‭ ‬والسياسي‭ ‬ويجسد‭ ‬التوتر‭ ‬والخوف‭ ‬والقلق‭ ‬الشخصي،‭ ‬ويتتبع‭ ‬تأثير‭ ‬الصراع‭ ‬على‭ ‬الذاكرة‭ ‬والهوية،‭ ‬ليصبح‭ ‬بذلك‭ ‬مرآة‭ ‬للحرب‭ ‬وتجلياتها‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬وجسرا‭ ‬لفهم‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬النزاع‭.‬

ويؤكد‭ ‬الكاتب‭ ‬والنقاد‭ ‬‘‘شعبان‭ ‬يونس‭ ‬الفنادي’’‭ ‬بالقول‭: ‬‮«‬لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬يمثل‭ ‬شهادة‭ ‬على‭ ‬الزمان‭ ‬والمكان،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬بالأدب‭ ‬الواقعي‭ ‬الذي‭ ‬يسجل‭ ‬ويوثق‭ ‬وينقل‭ ‬معايشات‭ ‬الناس‭ ‬والتحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجههم‮»‬‭. ‬ويشير‭ ‬الفنادي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الأدب‭ ‬الليبي‭ ‬ساهم‭ ‬في‭ ‬توثيق‭ ‬الحروب‭ ‬عبر‭ ‬نصوص‭ ‬إبداعية‭ ‬مثل‭ ‬كتابه‭ (‬ثورة‭ ‬فبراير‭ ‬في‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي‭: ‬قصص‭ ‬عزة‭ ‬كامل‭ ‬المقهور‭ ‬نموذجا‭) ‬والمجموعة‭ ‬القصصية‭ (‬العالم‭ ‬ذبابة‭ ‬حطت‭ ‬على‭ ‬أنفها‭) ‬للدكتورة‭ ‬رحاب‭ ‬شنيب،‭ ‬ورواية‭ (‬صندوق‭ ‬الرمل‭) ‬للأديبة‭ ‬عائشة‭ ‬إبراهيم،‭ ‬و‭(‬فشلوم‭: ‬القصة‭ ‬الكاملة‭ ‬عن‭ ‬الثورة‭) ‬للشاعر‭ ‬خالد‭ ‬درويش،‭ ‬وديوان‭ (‬ربيع‭ ‬فبراير‭) ‬للشاعر‭ ‬راشد‭ ‬الزبير‭ ‬السنوسي،‭ ‬و‭(‬قصائد‭ ‬من‭ ‬وحي‭ ‬ثورة‭ ‬الحق‭ ‬والتكبير‭) ‬للشاعر‭ ‬الدكتور‭ ‬الراحل‭ ‬عبدالمولى‭ ‬البغدادي‭ ‬وغيرها‭. ‬وبالنسبة‭ ‬إليه،‭ ‬هذه‭ ‬الأعمال‭ ‬ترسّخ‭ ‬ذاكرة‭ ‬جماعية‭ ‬لا‭ ‬تسقط‭ ‬بالتقادم‭.‬

ويضيف‭: ‬‮«‬أما‭ ‬عن‭ ‬أسباب‭ ‬تجنب‭ ‬الكاتب‭ ‬الخوض‭ ‬في‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحرب‭ ‬فهي‭ ‬متعددة،‭ ‬ولعل‭ ‬أبرزها‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬تسجيل‭ ‬موقف‭ ‬انحيازي‭ ‬قد‭ ‬يعرضه‭ ‬للتهديد‭ ‬أو‭ ‬الإقصاء‮»‬‭.‬

حول‭ ‬ظهور‭ ‬أدب‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب،‭ ‬يرى‭ ‬الفنادي‭ ‬أن‭ ‬‮«‬معظم‭ ‬الكتابات‭ ‬الحالية‭ ‬تتفق‭ ‬على‭ ‬إنكار‭ ‬الحروب‭ ‬رغم‭ ‬وجود‭ ‬بعض‭ ‬كتابات‭ ‬التحريض‭ ‬على‭ ‬العنف‭ ‬والكراهية‮»‬،‭ ‬مضيفا‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬يبقى‭ ‬أداة‭ ‬مهمة‭ ‬لمداواة‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭: ‬‮«‬الأدب،‭ ‬بجميع‭ ‬أجناسه،‭ ‬هو‭ ‬شاهد‭ ‬على‭ ‬الأحداث،‭ ‬ودوره‭ ‬توثيقها‭ ‬للتاريخ‭ ‬وحفظها‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬للوطن‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬وربما‭ ‬ذلك‭ ‬يحمل‭ ‬بعض‭ ‬المداواة‭ ‬للنفوس‭ ‬المحطمة‮»‬‭.‬

أما‭ ‬الكاتب‭ ‬والشاعر‭ ‬‘‘حسام‭ ‬الوحيشي’’،‭ ‬فيصف‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي‭ ‬قائلا‭: ‬‮«‬الأدب‭ ‬حاول‭ ‬أن‭ ‬يكتب‭ ‬الحرب،‭ ‬لكنه‭ ‬لم‭ ‬يجرؤ‭ ‬بعد‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬جثتها‭ ‬بالكامل‭. ‬يتجنّب‭ ‬الكاتب‭ ‬التفاصيل‭ ‬لأن‭ ‬الحرب‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬ليست‭ ‬حدثا‭ ‬انتهى،‭ ‬بل‭ ‬سلطة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬فوق‭ ‬رأسه‮»‬‭. ‬ويرى‭ ‬الوحيشي‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬هشّ،‭ ‬أقرب‭ ‬إلى‭ ‬الارتعاش‭ ‬منه‭ ‬إلى‭ ‬التيقّن،‭ ‬وأن‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬يكتبون‭ ‬مواجهة‭ ‬حقيقية،‭ ‬فيما‭ ‬يهرب‭ ‬آخرون‭ ‬إلى‭ ‬الحنين‭ ‬أو‭ ‬الفانتازيا‭ ‬لتخفيف‭ ‬وطأة‭ ‬الواقع‭. ‬ويضيف‭: ‬‮«‬الأدب‭ ‬هو‭ ‬الأداة‭ ‬الوحيدة‭ ‬تقريبا‭ ‬التي‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تفعل‭ ‬ما‭ ‬عجزت‭ ‬عنه‭ ‬الدولة‭ ‬والقانون‭ ‬والمصالحة‭: ‬أن‭ ‬تعيد‭ ‬للناس‭ ‬صوتهم،‭ ‬وتمنح‭ ‬وجوه‭ ‬المفقودين‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬الظهور‭ ‬خارج‭ ‬تقارير‭ ‬المنظمات‮»‬‭.‬

‭ ‬يصف‭ ‬الوحيشي‭ ‬الأدب‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الحرب‭ ‬بالهشّ‭ ‬بين‭ ‬مواجهة‭ ‬الواقع‭ ‬والهروب‭ ‬للفانتازيا،‭ ‬معتبرا‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬يعيد‭ ‬صوت‭ ‬الناس‭ ‬ويكشف‭ ‬المفقودين،‭ ‬ويؤكد‭ ‬أن‭ ‬الشفاء‭ ‬يبدأ‭ ‬برؤية‭ ‬الألم‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬فالأدب‭ ‬ينهض‭ ‬بالوعي‭ ‬لا‭ ‬بالبلدان‭.‬

أما‭ ‬الشاعر‭ ‬‘‘أسامة‭ ‬الناجح’’‭ ‬فيشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬التجربة‭ ‬الأدبية‭ ‬لمداواة‭ ‬الجراح‭ ‬الجماعية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محدودة،‭ ‬ويرجع‭ ‬ذلك‭ ‬إلى‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الاعتقال‭ ‬أو‭ ‬الملاحقة‭ ‬المسلحة‭ ‬واضطراب‭ ‬حرية‭ ‬الكتابة‭. ‬ويقول‭: ‬‮«‬الحقيقة‭ ‬هي‭ ‬أن‭ ‬الكتابة‭ ‬الحالية‭ ‬محتشمة‭ ‬بين‭ ‬إنكار‭ ‬وسرد،‭ ‬والمعالجة‭ ‬الفعلية‭ ‬قليلة،‭ ‬نظرا‭ ‬لقيود‭ ‬حرية‭ ‬الكاتب‮»‬‭.‬

‭ ‬يشير‭ ‬الناجح‭ ‬إلى‭ ‬محدودية‭ ‬الأدب‭ ‬في‭ ‬مداواة‭ ‬الجراح‭ ‬الجماعية‭ ‬بسبب‭ ‬الخوف‭ ‬وانعدام‭ ‬حرية‭ ‬الكتابة،‭ ‬حيث‭ ‬الكتابة‭ ‬الحالية‭ ‬محتشمة‭ ‬بين‭ ‬الإنكار‭ ‬والسرد‭ ‬وقليلة‭ ‬المعالجة‭ ‬الفعلية‭.‬

فيما‭ ‬يؤكد‭ ‬القاص‭ ‬‘‘مروان‭ ‬جبودة’’‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الخطوط‭ ‬الحمراء‭ ‬كثيرة‭ ‬جدا،‭ ‬والكاتب‭ ‬الليبي‭ ‬يكتب‭ ‬وبداخله‭ ‬رقيب‭ ‬ذاتي‭ ‬يمسك‭ ‬المقص‭ ‬طول‭ ‬الوقت‮»‬،‭ ‬مضيفا‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬بعد‭ ‬2011‭ ‬ارتبط‭ ‬بالتوثيق‭ ‬دون‭ ‬معالجة،‭ ‬وأن‭ ‬الذاكرة‭ ‬الشعبية‭ ‬تُغذّى‭ ‬على‭ ‬القصص‭ ‬والحكايات‭ ‬والشعر‭ ‬كخطوة‭ ‬أولى‭ ‬لفهم‭ ‬المجتمع‭.‬

أما‭ ‬الكاتب‭ ‬‘‘عبدالله‭ ‬موني’’‭ ‬فيرى‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬بعد‭ ‬في‭ ‬توثيق‭ ‬الحرب‭ ‬كما‭ ‬يجب،‭ ‬ليس‭ ‬بسبب‭ ‬ضعف‭ ‬الكاتب،‭ ‬بل‭ ‬لتعقيد‭ ‬وتلبس‭ ‬تفاصيل‭ ‬الحرب‭ ‬نفسها‭. ‬ويقول‭: ‬‮«‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬يفضلون‭ ‬الالتفاف‭ ‬حول‭ ‬الجرح‭ ‬بدل‭ ‬النظر‭ ‬إليه‭ ‬مباشرة‮»‬،‭ ‬لكنه‭ ‬يشدد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬قادر‭ ‬على‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬شفاء‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬الشعر‭ ‬الذي‭ ‬يمسك‭ ‬بالمشاعر،‭ ‬والرواية‭ ‬التي‭ ‬تتعمق‭ ‬في‭ ‬التجارب‭ ‬الفردية،‭ ‬والقصة‭ ‬القصيرة‭ ‬التي‭ ‬تلتقط‭ ‬لحظات‭ ‬الفوضى‭ ‬العابرة‭.‬

فيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتحديات،‭ ‬يتفق‭ ‬معظمهم‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬الخوف،‭ ‬الرقابة‭ ‬الذاتية،‭ ‬ضعف‭ ‬المؤسسات،‭ ‬وانعدام‭ ‬الأمن‭ ‬تمثل‭ ‬أبرز‭ ‬العقبات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬الكاتب‭ ‬الليبي‭ ‬اليوم‭. ‬ومن‭ ‬جهة‭ ‬المسؤولية‭ ‬الأخلاقية،‭ ‬يؤكد‭ ‬الفنادي‭ ‬والوحيشي‭ ‬وموني‭ ‬أن‭ ‬‮«‬الكاتب‭ ‬هو‭ ‬شاهد‭ ‬عصره،‭ ‬وواجبه‭ ‬حماية‭ ‬الحقيقة‭ ‬ومنح‭ ‬الضحايا‭ ‬مساحة‭ ‬للعدالة‭ ‬الرمزية‮»‬‭.‬

يقول‭ ‬موني‭ ‬إن‭ ‬صعوبة‭ ‬توثيق‭ ‬الحرب‭ ‬تعود‭ ‬لتعقيدها،‭ ‬وأن‭ ‬بعض‭ ‬الكتاب‭ ‬يتجنبون‭ ‬مواجهة‭ ‬الجرح‭ ‬مباشرة،‭ ‬لكنه‭ ‬يؤكد‭ ‬قدرة‭ ‬الأدب‭ ‬على‭ ‬شفاء‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭ ‬عبر‭ ‬الشعر‭ ‬والرواية‭ ‬والقصة‭ ‬القصيرة‭.‬

وأخيرا،‭ ‬يرى‭ ‬جميعهم‭ ‬أن‭ ‬الأدب‭ ‬يتحوّل‭ ‬إلى‭ ‬مساحة‭ ‬للشفاء‭ ‬الفردي‭ ‬والجمعي‭ ‬حين‭ ‬يمنح‭ ‬القارئ‭ ‬الكاتب‭ ‬فرصة‭ ‬لاستعادة‭ ‬صوته‭ ‬وفهم‭ ‬ألمه،‭ ‬وإعادة‭ ‬قراءة‭ ‬الحرب‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬الأيديولوجي‭. ‬يؤكد‭ ‬الوحيشي‭ ‬ذلك‭ ‬بقوله‭: ‬‮«‬الشفاء‭ ‬يبدأ‭ ‬حين‭ ‬نرى‭ ‬الألم‭ ‬كما‭ ‬هو،‭ ‬بلا‭ ‬تجميل،‭ ‬بلا‭ ‬لغة‭ ‬خشبية،‭ ‬بلا‭ ‬نبرة‭ ‬بطولية‭. ‬الأدب‭ ‬لا‭ ‬ينهض‭ ‬بالبلدان،‭ ‬لكنه‭ ‬ينهض‭ ‬بالوعي‭. ‬والوعي‭ ‬وحده‭ ‬هو‭ ‬ما‭ ‬يصنع‭ ‬الخلاص‮»‬‭.‬

يبقى‭ ‬الأدب‭ ‬الليبي‭ ‬شاهدا‭ ‬على‭ ‬الحرب،‭ ‬ومسجّلا‭ ‬لتجارب‭ ‬المجتمع‭ ‬وتحدياته،‭ ‬ومسعى‭ ‬دائما‭ ‬لحفظ‭ ‬الذاكرة‭ ‬الجماعية‭. ‬ورغم‭ ‬القيود‭ ‬والخوف‭ ‬يواصل‭ ‬الكتّاب‭ ‬نقل‭ ‬الأحداث‭ ‬والتأثيرات‭ ‬الإنسانية‭ ‬للنزاعات،‭ ‬وتقديم‭ ‬مساحة‭ ‬للمجتمع‭ ‬ليواجه‭ ‬جروحه‭ ‬ويعالجها،‭ ‬محاولين‭ ‬بذلك‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬الحقيقة‭ ‬وتوثيقها‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة،‭ ‬في‭ ‬بلد‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الحروب‭ ‬تشتعل‭ ‬فيه‭.‬

Share this content: