مـن يكتـب نشيــد لـيبيـا الجـديـد
في ذاكرة الشعوب، لا شيء يضاهي قدرة الأغنية الوطنية على اشعال المعنى العميق للانتماء. فمن “موطني” التي أصبحت نشيدًا وجدانيًا عبر العالم العربي، إلى “وطني الأكبر” التي رافقت أحلام جيل بأكمله، وصولاً إلى الأغاني التي رافقت الحروب والتحولات الكبرى في مصر ولبنان وتونس وفلسطين… كانت الأغنية الوطنية دائمًا مرآة لزمن وشعب، ومحرّكًا للمشاعر الجمعية، ونداءً يعلو فوق ضجيج السياسة.
لكن—ورغم هذا الإرث—تبدو الأغنية الوطنية اليوم
وكأنها تنحسر بعيدًا عن الساحة. تغيّرت الذائقة، تضخمت الأغنية التجارية، تعددت قنوات الإنتاج غير المنضبطة، وانقسم الواقع السياسي..
فهل انتهى زمن الأغنية الوطنية؟
أم أنها فقط تعيش تحولًا قاسيًا بانتظار موجة جديدة تعيدها إلى وهجها الأول؟
في هذا الاستطلاع نقترب من الإجابة من خلال آراء فنانين ونقاد وباحثين، كلٌّ يرى المشهد من زاويته الخاصة.
الأغنية الوطنية..بين الوهج والانحسار
ستطـلاع : خديجــة حامــد
غياب الرقابة… وارتفاع ضجيج المنصات

كريمان جبر:
الأغنية الوطنية موجودة.. ولكن من دون لجان تحمي جودتها
تؤكد الممثلة كريمان جبر أن الأغنية الوطنية “لم تختفِ بالكامل”، لكنها أصبحت نادرة جدًا، وترى أن السبب الجوهري يعود إلى غياب لجان الإجازة والرقابة التي كانت تمثل سابقًا صمام أمان للجودة الفنية.
وتشرح جبر أن الساحة الفنية اليوم “ساحة مفتوحة”، فبعد أن كانت الأغنية تمر عبر التلفزيون ولجان الفحص، أصبح بإمكان أي شخص أن ينشر أغنيته عبر الإنترنت بلا معيار فني أو أخلاقي. ومع صعود الراب والأنماط الحديثة—حتى لمن لا يفهمون كلماتها—باتت الأغنية الوطنية تعاني من تزاحم كبير.
وتشدد جبر على ضرورة دعم التعاون بين المؤلفين
الكبار والشباب، إضافة إلى فرض رقابة تحافظ على الذوق العام، مؤكدة:
“الفن مثله مثل كل القطاعات… يتأثر بالظروف، لكنه لا ينهض إلا بالانضباط.”
بين التشكيك… وسؤال الحقيقة
مصباح المزداوي:
الأغنية الوطنية.. أكذوبة استخدمت لتزيين الواقع
بوجهة نظر حادة وصادمة، يرى المخرج والناقد والممثل مصباح المزداوي أن الأغنية الوطنية مجرد شعارات سياسية لا أثر فعلي لها منذ الخمسينات.
ويعتبر أنها لم تحقق أي تأثير حقيقي، وأن وظيفتها كانت “إثارة المشاعر مؤقتًا لإبقاء المسؤول في موقعه”.
ويضيف المزداوي أن العالم تغير وتطور، بينما بقيت الأغنية الوطنية تراوح مكانها، ويقول:
“نحن ثمانون عامًا نعيد الأسطوانة نفسها دون نتيجة… نريد أن نتحدث عن التكنولوجيا والتقدم، لا عن أغانٍ لم تغيّر شيئًا.
وبرأيه، فإن الأغاني الوطنية في ليبيا كانت أقرب إلى التطبيل السياسي، باستثناء بعض الأعمال التراثية التي وثّقت فترات الجهاد، لكن الزمن تغيّر ولم تتغير الأغنية معه.

أحمد عثمان:
قيمة الكلمة..وذاكرة محمد حسن
الباحث والأكاديمي أحمد عثمان يذهب إلى أن المشكلة ليست في المتلقي بل في تفاهة الكلمات وسذاجة المحتوى الذي ساد في سنوات سابقة. ويؤكد أن الأغنية الوطنية فقدت تأثيرها لأنها لم تعد تعبّر عن الواقع ولا عن هموم الشباب.
ويقارن عثمان بين الأغاني الحديثة وأعمال الراحل محمد حسن التي ما زالت محفورة في الذاكرة الليبية لأنها—كما يقول— “مستمدة من التراث الليبي الأصيل… وتحمل روحًا لا تُزوَّر ولا تُستبدل.”
ويرى أن العودة ممكنة فقط عندما تعود الأغنية إلى الواقعية وتلامس طموحات الأجيال بأسلوب إبداعي صادق.
الانقسام السياسي… ظلّ ثقيل على الإبداع

زهرة عرفة:
تعتبر الفنانة زهرة عرفة أن الانقسام السياسي أثّر مباشرة على المؤلفين والملحنين الذين باتوا—مثل
عامة الناس—مشغولين بقضايا المعيشة اليومية بدل الانشغال بالوطنية الجامعة.
وترى أن الأغنية الوطنية تحتاج مناخًا موحدًا، وتقول:
لا يمكن للأغنية أن تجمع الناس… بينما السياسة تفرقهم.

مريم العزابي:
الرسالة الوطنية تحتاج استقرارا.. وصوتًا واحدًا
توافق الفنانة مريم العزابي على أن الانقسام السياسي “قتل الأغنية الوطنية”، وتؤكد أن الأغنية الوطنية يجب أن تكون ذات قيمة عالية وأن توحد الليبيين شرقا وغربا — دون هذا التصنيف أصلًا — وأن إحياءها يحتاج لــ لُحمة وطنية تبدأ قبل الكتابة واللحن.
وتقول العزابي: “حين تتوحد البلاد… ستولد أغنية وطنية تهز وجدان كل ليبي.”

السنوسي أوحيدة:
الشباب فقدوا الثقة.. واتجهوا للراب
يرى الفنان سنوسي أوحيدة أن الجيل الحالي لا يملك الوقت ولا الرغبة لسماع الأغنية الوطنية، وأن الأغاني التجارية والراب أصبحت اللغة الأقرب إليه لأنها تعكس واقعه مباشرة.. ويضيف أن الشباب تخلوا عن الأغنية الوطنية لأنهم لم يجدوا صدى لها في الواقع:
“سمعنا وسمعنا… وما فيش حد يسمعنا.”.. ولذلك، أصبح الطلب على الأغنية الوطنية شبه معدوم.

غادة علي:
الأغنية الوطنية موجودة.. لكنها بلا دعم
هل جفــت منــابــع الإلهـــام الوطنــي..؟
تؤكد الفنانة غادة على أن الأغنية الوطنية لا تزال موجودة، لكنها تحتاج تمويلًا ودعمًا إنتاجيًا حتى تعود لسابق حضورها، فالمؤلف والكاتب والموزع جميعهم بحاجة إلى بنية إنتاجية قوية.
وتشير إلى أن أعمال محمد حسن مثال حي على إمكانية خلق أغنية خالدة، إذا توفرت شروط الإنتاج والتوزيع والدعم.
جميلة الخويلدي:
الجمهور انحرف نحو السهل.. وترك العميق
توضح الفنانة جميلة الخويلدي أن الجمهور اتجه نحو الأغاني الخفيفة التي لا تحمل عمقًا، بينما تتطلب الأغنية الوطنية جهدًا فنيًا وكلمة ذات معنى. ومع غياب الدعم المادي، توقفت العديد من الأعمال الهادفة عن الظهور.
وتقول إن الأغاني الوطنية تمتلك قدرة استثنائية على زرع الحماس والمحبة في النفوس، لكنها بحاجة إلى رعاية حقيقية.

هل تعود الأغنية الوطنية؟
تكشف آراء الفنانين والباحثين أن الأغنية الوطنية لم تختفِ… لكنها مريضة. أصابها الانقسام السياسي، وغياب الدعم، وضعف النصوص، وتشتت الذائقة، وتضخم الأغاني التجارية.
لكن رغم كل هذا، يبقى الأمل قائمًا.
فالأغنية الوطنية—حين تُكتب بإخلاص، وتُلحن بوعي، وتُغنّى بشغف—قادرة على أن تعود وتجمع الناس حول معنى واحد. فالوطن، مهما ابتعدت أصواته، يبقى ينتظر من يعيد له أغنيته الأولى… أغنية تُردّدها القلوب قبل الحناجر.
ومضة من الذاكرة العربية
شهدت المنطقة العربية لحظات فارقة كانت فيها الأغنية الوطنية أكثر من مجرد لحن… بل حدثًا جماعيًا:
“موطني” في فلسطين ولبنان:
أغنية تحولت إلى نشيد عابر للحدود.
“بلادي بلادي” في مصر: ارتبطت بثورات وتغيرات كبرى
نحنا ولادك يا بلدنا” في لبنان: أغنية وحدة في زمن الحرب.
“يا تونس الخضراء”: رمز للهوية المتجددة.
هذه الأعمال لم تكن مجرد موسيقى… بل ذاكرة شعب، وإمكانًا دائمًا لأن تستعيد الأغنية الوطنية دورها متى توفرت الظروف.
وطن بلا أغنية
جيل الراب
يدوًن نشيده الخاص
Share this content: