×

أيقونــة الحريــة التــي لم تكســـــــــــــــــــــــــــــــرها النيـــــران

أيقونــة الحريــة التــي لم تكســـــــــــــــــــــــــــــــرها النيـــــران

أجرت‭ ‬الحوار‭ : ‬ربيعة‭ ‬حباس

مي‭ ‬شدياق‭: ‬

من‭ ‬قلب‭ ‬بيروت‭ ‬التي‭ ‬شطرها‭ ‬الرصاص،‭ ‬ومن‭ ‬ذاكرة‭ ‬طفولةٍ‭ ‬تشبّعت‭ ‬بروح‭ ‬المقاومة‭ ‬النسائية‭ ‬في‭ ‬غياب‭ ‬الأب‭ ‬والأخ،‭ ‬ولدت‭ ‬امرأة‭ ‬لم‭ ‬تقبل‭ ‬يوماً‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬في‭ ‬سجلات‭ ‬الإعلام‭. ‬هي‭ ‬التي‭ ‬قالت‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬إنها‭ ‬‹طفلة‭ ‬في‭ ‬جسد‭ ‬امرأة›،‭ ‬لكنها‭ ‬في‭ ‬الشدائد‭ ‬وقفت‭ ‬بصلابة‭ ‬الجبال،‭ ‬واضعةً‭ ‬طموحها‭ ‬في‭ ‬كفة‭ ‬وحياتها‭ ‬في‭ ‬كفة‭ ‬أخرى،‭ ‬لتصنع‭ ‬اسماً‭ ‬عصياً‭ ‬على‭ ‬النسيان‭.. ‬لم‭ ‬تكتفِ‭ ‬بالشهادات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬العليا‭ ‬من‭ ‬بيروت‭ ‬وباريس،‭ ‬بل‭ ‬كتبت‭ ‬بدمائها‭ ‬وسام‭ ‬استحقاقها‭ ‬الوطني‭. ‬واجهت‭ ‬الموت‭ ‬في‭ ‬سبتمبر‭ ‬2005‭ ‬بعبوة‭ ‬غادرة‭ ‬أرادت‭ ‬إسكات‭ ‬صوتها،‭ ‬فخرجت‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الرماد،‭ ‬جسداً‭ ‬فقد‭ ‬أطرافاً‭ ‬لكنه‭ ‬احتفظ‭ ‬برأس‭ ‬مرفوع‭ ‬ولسان‭ ‬لا‭ ‬يخشى‭ ‬في‭ ‬الحق‭ ‬لومة‭ ‬لائم‭..‬اليوم،‭ ‬تطلّ‭ ‬الوزيرة‭ ‬والإعلامية‭ ‬الدكتورة‭ ‬مي‭ ‬شدياق‭ ‬بمواقفها‭ ‬الصلبة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تعرف‭ ‬المهادنة،‭ ‬معلنةً‭ ‬بوضوح‭: ‬‹نحن‭ ‬شعبٌ‭ ‬تعب‭ ‬من‭ ‬الحروب،‭ ‬شعبٌ‭ ‬يحب‭ ‬الحياة‭ ‬ويطمح‭ ‬لدولة‭ ‬مؤسسات‭ ‬واضحة›‭. ‬وبذات‭ ‬الجرأة‭ ‬التي‭ ‬ميزت‭ ‬مسيرتها،‭ ‬تضع‭ ‬النقاط‭ ‬على‭ ‬الحروف‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬الراهن،‭ ‬مؤكدةً‭ ‬أن‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يسري‭ ‬قبل‭ ‬اغتيال‭ ‬حسن‭ ‬نصرالله‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يسري‭ ‬اليوم،‭ ‬ورافضةً‭ ‬الانصياع‭ ‬لضغوط‭ ‬المحاور‭ ‬الخارجية،‭ ‬فمنطق‭ ‬المقاومة‭ ‬بالنسبة‭ ‬لها‭ ‬انتهى‭ ‬بخروج‭ ‬المحتل‭ ‬عام‭ ‬2000،‭ ‬واليوم‭ ‬لا‭ ‬صوت‭ ‬يعلو‭ ‬فوق‭ ‬صوت‭ ‬الدولة‭ ‬والجيش‭.‬

بين‭ ‬‹السماء‭ ‬التي‭ ‬انتظرتها›‭ ‬وبين‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تزرع‭ ‬فيها‭ ‬بذور‭ ‬الحرية‭ ‬عبر‭ ‬مؤسساتها‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬تبقى‭ ‬مي‭ ‬شدياق‭ ‬‹بطلة‭ ‬حرية‭ ‬الصحافة‭ ‬في‭ ‬العالم›‭ ‬والشاهدة‭ ‬الحية‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬القلم‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬التفجير،‭ ‬وأن‭ ‬الإرادة‭ ‬هي‭ ‬الطرف‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬بتره‭.‬‮»‬

السمــاء‭ ‬انتظرتنــي‭ ‬لأبقــى‭ ‬شاهدة‭ ‬علــى‭ ‬قيامــة‭ ‬لبنـان

‭ ‬واليوم‭ ‬لاصوت‭ ‬يعلو‭ ‬فـوق‭ ‬صــوت‭ ‬الجيــش

الكلمة‭ ‬هي‭ ‬الطرف‭ ‬الوحيد‭ ‬الذي‭ ‬لايمكن‭ ‬انتزاعه

برنامج‭(‬نهاركم‭ ‬سعيد‭) ‬شكل‭ ‬علامة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬مسيرتك‭..‬ما‭ ‬أبرز‭ ‬ذكرياتك‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الفترة؟وما‭ ‬أهم‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬شعرت‭ ‬أنك‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬طرحها‭ ‬وإحداث‭ ‬تغيير‭ ‬بشأنها؟

برنامج‭(‬نهاركم‭ ‬سعيد‭)‬كان‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬برنامج‭ ‬صباحي،‭ ‬كان‭ ‬منصة‭ ‬حقيقية لإيصال‭ ‬صوت‭ ‬الناس،والتحدث‭ ‬عن‭ ‬قضايا‭ ‬تتعلق‭ ‬بالعالم‭ ‬أجمع،إلى‭ ‬أخرى‭ ‬تهم‭ ‬المجتمع‭ ‬اللبناني‭ ‬بشكل‭ ‬مباشر‭ ‬وجريء،إضافة‭ ‬إلى‭ ‬سائر التطورات‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬العربية‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬العراق‭ ‬إلى‭ ‬الوضع‭ ‬في‭ ‬سوريا‭ ‬والقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬وغيرها‭ ‬أتذكر حلقات‭ ‬كنت‭ ‬أتحدى‭ ‬فيها‭ ‬السلطة،‭ ‬وأناقش‭ ‬مواضيع‭ ‬كانت‭ ‬تعتبر‭(‬محظورة‭)‬مثل‭ ‬احتلال‭ ‬جيش‭ ‬الأسد‭ ‬للبنان،القرارات‭ ‬الدولية‭ ‬الصادرة‭ ‬عن‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬و‭ ‬ضرورة‭ ‬تطبيقها،‭ ‬حرب‭ ‬العراق،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬مواضيع‭ ‬ذات‭ ‬طابع‭ ‬اجتماعي‭ ‬و‭ ‬إنساني‭ ‬مثل‭ ‬حقوق‭ ‬المرأة،الفساد،و‭ ‬الانتهاكات‭ ‬ضد‭ ‬المواطنين،‭ ‬لحظات‭ ‬لاتنسى‭ ‬حين‭ ‬كانت‭ ‬ردود‭ ‬فعل‭ ‬الجمهور‭ ‬تصلني‭ ‬مباشرة،سواء‭ ‬عبر الهاتف‭ ‬أو‭ ‬رسائل‭ ‬المشاهدين‭ ‬شعرت‭ ‬أن‭ ‬كلامي‭ ‬يصل‭ ‬إلى‭ ‬القلوب‭ ‬ويغير طريقة‭ ‬تفكيرهم،‭ ‬و‭ ‬أن‭ ‬الإعلام‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬أداة‭ ‬فعلا‭ ‬للتغيير،‭ ‬و‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬نقل‭ ‬الأخبار،‭ ‬لكن‭ ‬مقابل‭ ‬الإطراءات‭ ‬كان‭ ‬هناك‭ ‬اتصال‭ ‬التهديد‭ ‬والملاحقات‭ ‬على‭ ‬الأرض‭ ‬للترهيب‭ ‬والانذارات‭ ‬الموجهة‭ ‬إلى‭ ‬إدارة‭ ‬المحطة‭ ‬التلفزيونية‭ ‬حيث‭ ‬كنت‭ ‬أعمل‭.‬

تعرضتِ‭ ‬لمحاولة‭ ‬اغتيال‭ ‬بسبب‭ ‬مواقفك‭ ‬الجريئة،كيف‭ ‬أثرت‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬على‭ ‬مسيرتك‭ ‬المهنية‭ ‬والشخصية؟‭ ‬وهل‭ ‬غيّرت‭ ‬من‭ ‬قناعاتك‭ ‬حول‭ ‬حرية‭ ‬التعبير؟

محاولة‭ ‬الاغتيال‭ ‬كانت‭ ‬صدمة‭ ‬صعبة‭ ‬جدا،لحظات‭ ‬شعرت‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬حياتي‭ ‬على‭ ‬المحك،لكن‭ ‬للمفارقة هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أعطتني‭ ‬قوة‭ ‬لاتوصف،علمتني‭ ‬أن‭ ‬الحرية‭ ‬ليست‭ ‬رفاهية،بل‭ ‬مسؤولية،‭ ‬بعد‭ ‬هذه‭ ‬التجربة‭ ‬أصبح‭ ‬صوتي‭ ‬أكثر‭ ‬جرأة،‭ ‬و‭ ‬لم‭ ‬أتردد‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬أي‭ ‬تهديد‭ ‬أو محاولات‭ ‬لإسكاتي،‭ ‬لقد‭ ‬عززت‭ ‬قناعاتي‭ ‬بأن‭ ‬حرية‭ ‬التعبير حق‭ ‬أساسي‭ ‬وأن‭ ‬كل‭ ‬دقيقة‭ ‬سكوت‭ ‬أمام‭ ‬الظلم‭ ‬هي‭ ‬خسارة‭ ‬للإنسانية‭. ‬

تُعرفين‭ ‬بلقب‭(‬الشهيدة‭ ‬الحية‭) ‬كيف‭ ‬ترين‭ ‬هذا‭ ‬اللقب؟و‭ ‬هل‭ ‬هو‭ ‬بمثابة‭ ‬مسؤولية‭ ‬إضافية‭ ‬عليك؟

اللقب‭ ‬صعب‭ ‬و‭ ‬يحمل‭ ‬ثقلا كبيرا،‭ ‬إن‭ ‬محاولة‭ ‬الاغتيال‭ ‬التي‭ ‬تعرضت‭ ‬لها‭ ‬حيث‭ ‬وضعت‭ ‬متفجرة‭ ‬تحت‭ ‬مقعد‭ ‬سيارتي‭ ‬نجم‭ ‬عنها‭ ‬بتر‭ ‬ساقي‭ ‬ويدي‭ ‬اليسرى،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬معاناة‭ ‬الحروق‭ ‬وإعادة‭ ‬التأهيل‭ ‬المرهقة‭ ‬والعمليات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تحصى،‭ ‬و‭ ‬المرض‭ ‬الناجم‭ ‬عن‭ ‬فقدان‭ ‬المناعة‭ ‬بعد‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬العمليات‭ ‬الجراحية‭ ‬تخطت‭ ‬الأربعين،‭ ‬وكان‭ ‬رغم‭ ‬الألم‭ ‬أن‭ ‬أقاتل‭ ‬أكثر،‭ ‬بكل‭ ‬ما‭ ‬استطعت‭ ‬أن‭ ‬أستجمع‭ ‬من‭ ‬قوة،لأساهم‭ ‬في‭ ‬الوقوف‭ ‬في‭ ‬وجه‭ ‬الظلم‭ ‬والارهاب‭ ‬ولأعمل‭ ‬قدر‭ ‬استطاعتي‭ ‬على‭ ‬إيصال‭ ‬صوت‭ ‬الحق‭.‬

أشعر‭ ‬فعليا‭ ‬أن‭ ‬لقب‭ ‬الشهيدة‭ ‬الحية‭ ‬ليس‭ ‬لاستدراج‭ ‬العطف‭ ‬كما‭ ‬أنه‭ ‬ليس‭ ‬للتكريم،بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬حقيقية‭ ‬لأن‭ ‬أكون‭ ‬نموذجا‭ ‬للثبات‭ ‬والشجاعة،و‭ ‬أن‭ ‬أستمر‭ ‬في‭ ‬قول‭ ‬الحقيقة‭ ‬رغم‭ ‬المخاطر،هذا‭ ‬اللقب‭ ‬يذكرني‭ ‬يوميا‭ ‬بأن‭ ‬الكلمة‭ ‬والصوت‭ ‬لايمكن‭ ‬أن‭ ‬يقتلوا،‭ ‬وأن‭ ‬رسالتي‭ ‬لاتزال‭ ‬قائمة،‭ ‬وأن‭ ‬عليّ‭ ‬أن‭ ‬أكون‭ ‬دائما‭ ‬في‭ ‬الصفوف‭ ‬الأمامية‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬المباديء‭ ‬التي‭ ‬أؤمن‭ ‬بها‭.‬

ما‭ ‬الدور‭ ‬الذي‭ ‬لعبته‭ ‬دراستك‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬في‭ ‬تكوين‭ ‬شخصيتك‭ ‬المهنية؟‭ ‬وهل‭ ‬ترين‭ ‬أن‭ ‬الشهادات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬لاتزال‭ ‬ضرورية‭ ‬للنجاح‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال؟

دراستي‭ ‬في‭ ‬الصحافة‭ ‬والحصول‭ ‬على‭ ‬شهادة‭ ‬دكتوراه‭ ‬في‭ ‬علوم‭ ‬الإعلام‭ ‬و‭ ‬الاتصالات،‭ ‬لم‭ ‬تعلمني‭ ‬كتابة‭ ‬الأخبار أو‭  ‬إجراء‭ ‬المقابلات‭ ‬فحسب‭ ‬بل‭ ‬أعطتني‭ ‬أيضا‭ ‬الأساس‭ ‬المهني‭ ‬الذي‭ ‬بنيت‭ ‬عليه‭ ‬مسيرتي،‭ ‬وأضفت‭ ‬مصداقية‭ ‬أكبر على‭ ‬عملي‭ ‬الصحافي‭ ‬المستند‭ ‬إلى‭ ‬المعرفة‭ ‬النظرية،‭ ‬و‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬فهم‭ ‬أكبر‭ ‬للمجتمع‭ ‬والسياسة‭ ‬وكيفية‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬المعلومات‭ ‬بحيادية‭ ‬و‭ ‬دقة،‭ ‬لكن‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬الشهادات‭ ‬الأكاديمية‭ ‬مهمة‭ ‬لإغناء‭ ‬العمل‭ ‬الصحافي‭ ‬،‭ ‬لكن‭ ‬الشغف،‭ ‬الجرأة،‭ ‬و‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬مواجهة‭ ‬التحديات‭ ‬هي‭ ‬ما‭ ‬يصنع‭ ‬الإعلامي‭ ‬الحقيقي،‭ ‬لايمكن‭ ‬للشهادة‭ ‬وحدها‭ ‬أن‭ ‬تصنع‭ ‬شخصية إعلامية‭ ‬قوية‭.‬

مؤسسة‭(‬مي‭ ‬شدياق‭) ‬تهدف‭ ‬إلى‭ ‬دعم‭ ‬الإعلاميين‭ ‬وتعزيز‭ ‬حرية‭ ‬التعبير،‭ ‬ما‭ ‬أبرز‭ ‬إنجازات‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬تفخرين‭ ‬بها؟‭ ‬وما‭ ‬رؤيتك‭ ‬المستقبلية‭ ‬لها؟

أفتخر‭ ‬بأن‭ ‬مؤسسة‭(‬مي‭ ‬شدياق‭) ‬ومعهد‭ ‬الإعلام‭ ‬أصبحت‭ ‬على‭ ‬مر‭ ‬السنوات‭ ‬منبرا‭ ‬أساسيا‭ ‬للدفاع‭ ‬عن‭ ‬القيم‭ ‬التي‭ ‬أؤمن‭ ‬بها،‭ ‬من‭ ‬حرية‭ ‬التعبير‭ ‬وحقوق‭ ‬الإنسان‭ ‬إلى‭ ‬تمكين‭ ‬المرأة‭ ‬وبناء‭ ‬السلام،‭ ‬و‭ ‬من‭ ‬أبرز‭ ‬إنجازاتنا‭ ‬أننا‭ ‬نجحنا‭ ‬في‭ ‬أن‭ ‬نكون‭ ‬في‭ ‬صلب‭ ‬القضايا‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬والمنطقة،‭ ‬نرفع‭ ‬الصوت،‭ ‬نطرح‭ ‬الحلول،و‭ ‬نوفرمساحة‭ ‬حقيقية‭ ‬للحوار‭ ‬والتعبير‭.‬

من‭ ‬بين‭ ‬المحطات‭ ‬التي‭ ‬أعتز‭ ‬بها‭ ‬كثيرا،‭ ‬مؤتمراتنا‭ ‬السنوية‭ ‬مثل‭(‬نساء‭ ‬على‭ ‬خطوط‭ ‬المواجهة‭) ‬الذي‭ ‬يعقد‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬لبنان‭ ‬و‭ ‬الأردن‭ ‬والذي‭ ‬يسلط‭ ‬الضوء‭ ‬منذ‭ ‬2013‭ ‬على‭ ‬الدور‭ ‬الريادي‭ ‬للنساء‭ ‬في‭ ‬المصالحة‭ ‬وبناء‭ ‬المجتمعات،‭ ‬و‭(‬حفل‭ ‬الجوائز‭ ‬الإعلامية‭) ‬الذي‭ ‬ينظم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬بيروت‭ ‬و‭ ‬دبي‭ ‬و‭ ‬الذي‭ ‬نكرّم‭ ‬فيه‭ ‬صحافيين‭ ‬وصنّاع‭ ‬إعلام‭ ‬تركوا‭ ‬أثرا‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الإعلامي‭ ‬محليا‭ ‬و‭ ‬دوليا،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭(‬مؤتمر تواصل‭ ‬الأدمغة‭ ‬الحرة‭) ‬الذي‭ ‬يجمع‭ ‬خيرة‭ ‬العقول‭ ‬المفكّرة‭ ‬من‭ ‬حول‭ ‬العالم،‭ ‬كذلك‭ ‬أسهمت‭ ‬شراكاتنا‭ ‬مع‭ ‬مؤسسات‭ ‬دولية‭ ‬كبرى‭ ‬مثل‭ ‬الإتحاد‭ ‬الأوروبي،اليونسكو،هيئة‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬للمرأة،‭ ‬غوغل،‭ ‬لينكدان،ميدا،‭ ‬مراسلون‭ ‬بلاحدود،‭ ‬المحكمة‭ ‬الجنائية‭ ‬الدولية،وعديد‭ ‬السفارات‭ ‬والوكالات‭ ‬الدولية‭ ‬في تعزيز حضورنا‭ ‬و‭ ‬رسالتنا‭.‬

أمّا‭ ‬رؤيتي‭ ‬المستقبلية‭ ‬فهي‭ ‬أن‭ ‬تظل‭ ‬المؤسسة‭ ‬منصة‭ ‬عالمية‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الاكاديمية‭ ‬والإعلام،‭ ‬وأن‭ ‬تمنح‭ ‬الإعلاميين‭ ‬والشباب‭ ‬خصوصا‭ ‬عبر‭ ‬أكاديمية‭ ‬الأدوات‭ ‬و‭ ‬التدريب‭ ‬ليكونوا‭ ‬أكثر‭ ‬استعدادا‭ ‬لسوق‭ ‬العمل‭ ‬وأكثر‭ ‬قدرة‭ ‬على‭ ‬المنافسة،‭ ‬أحلم‭ ‬أن‭ ‬تبقى‭ ‬المؤسسة‭ ‬بيتا‭ ‬لكل‭ ‬من‭ ‬يؤمن‭ ‬بأن‭ ‬الإعلام‭ ‬رسالة‭ ‬ومسؤولية‭.‬

‬نحن‭ ‬شعـب‭ ‬يحـب‭ ‬الحيـاة‭ ‬ولايرضـى‭ ‬بغيـــــــــــــــــــــر‭  ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬بديلاً‭ ‬

لست‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭ ‬في‭ ‬سجلات‭ ‬الإعلام‭

في‭ ‬كتابك‭(‬السماء‭ ‬تنتظرني‭)‬تحدثت‭ ‬عن‭ ‬تجربة‭ ‬الاغتيال،‭ ‬ما الذي‭ ‬دفعك‭ ‬للكتابة،‭ ‬و‭ ‬هل‭ ‬كان‭ ‬وسيلة‭ ‬للتعبيرعن‭ ‬صدمة‭ ‬ما‭ ‬بعد‭ ‬التجربة؟‭ ‬

في‭ ‬كتابي‭(‬السماء‭ ‬تنتظرني‭) ‬لم‭ ‬أكتف‭ ‬بسرد‭ ‬الوقائع‭ ‬الطبية‭ ‬أو تفاصيل‭ ‬الاعتداء،‭ ‬بل‭ ‬كتبت‭ ‬لأحول‭ ‬حادثة‭ ‬محاولة‭ ‬اغتيالي‭ ‬إلى‭ ‬شهادة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬البعد‭ ‬الشخصي‭ ‬و‭ ‬البعد‭ ‬السياسي،‭ ‬صدر‭ ‬الكتاب‭ ‬بعد‭ ‬التفجير الذي‭ ‬استهدفني‭ ‬في‭ ‬25‭ ‬سبتمبر‭/ ‬ايلول2005‭  ‬ وما‭ ‬تلاه‭ ‬من‭ ‬جراحات‭ ‬وإعادة‭ ‬تأهيل‭ ‬في‭ ‬فرنسا،‭ ‬لأنني‭ ‬أردت‭ ‬ربط‭ ‬جرحي‭ ‬الفردي‭ ‬بتاريخ‭ ‬الصحافة‭ ‬و‭ ‬حرية‭ ‬التعبير في‭ ‬بلادي‭.‬

‭ ‬كيف‭ ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬الانفجار بماذا‭ ‬تصفيها‭  ‬؟

في‭ ‬لحظة‭ ‬الانفجار‭ ‬عشت‭ ‬ما‭ ‬لايوصف،‭ ‬صدمة،‭ ‬ألم،‭ ‬هلع،‭ ‬و‭ ‬وعي‭ ‬مرهق،‭ ‬رأيت‭ ‬رجلي‭ ‬بعيدة‭ ‬عني‭ ‬وبقيت‭ ‬يدي‭ ‬معلقة من‭ ‬المعصم‭ ‬حتى‭ ‬ظننت‭ ‬أنهم‭ ‬قادرون‭ ‬على‭ ‬خياطتها،‭ ‬كنت‭ ‬خائفة‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬اغتيالي‭ ‬هو‭ ‬الخبر‭ ‬الذي‭ ‬سيذاع‭ ‬تلك‭ ‬الليلة،‭ ‬و‭ ‬تمنيت‭ ‬الموت،‭ ‬فقط‭ ‬كي‭ ‬يذهب‭ ‬هذا‭ ‬الوجع‭ ‬،‭ ‬في‭ ‬المستشفى‭ ‬كنت‭ ‬تحت‭ ‬تأثير‭ ‬المخدر‭ ‬وكان‭ ‬الجميع‭ ‬يظن‭ ‬أنني‭ ‬فاقدة‭ ‬لوعيي،‭ ‬لكنني‭ ‬كنت‭ ‬أسمع‭ ‬أحاديث‭ ‬الأطباء‭ ‬فوق‭ ‬رأسي‭ ‬بعد‭ ‬ذلك‭ ‬تجاوزت‭ ‬مرحلة‭ ‬الخطر لكنني‭ ‬خسرت‭ ‬يدي‭ ‬و‭ ‬رجلي‭.‬

هذه‭ ‬التجربة‭ ‬لا تنفصل‭ ‬عن‭ ‬السياق‭ ‬السياسي‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬يشتعل‭ ‬وقتها،‭ ‬اغتيال‭ ‬الرئيس‭  (‬رفيق‭ ‬الحريري‭) ‬في‭ ‬14‭ ‬فبراير‭/‬شباط‭ ‬2005‭ ‬وما‭ ‬تبعه‭ ‬من‭ ‬حراك ‭ ‬14مارس‭/ ‬أذار،‭ ‬حيث‭ ‬اجتمع‭ ‬اللبنانيون‭ ‬مسيحيين‭ ‬ومسلمين‭ ‬مطالبين‭ ‬بالحرية‭ ‬و‭ ‬السيادة‭ ‬و‭ ‬انهاء‭ ‬التدخل‭ ‬السوري،‭ ‬هذه‭ ‬اللحظة‭ ‬الوطنية‭ ‬أعطت‭ ‬كتابي‭ ‬بُعدا‭ ‬اجتماعيا،‭ ‬فلم‭ ‬يكن‭ ‬حديثي‭ ‬عن‭ ‬جروحي‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬عن‭ ‬جروح‭ ‬وطن‭ ‬بأكمله‭.‬

كتبت‭ ‬أيضا‭ ‬نيابة‭ ‬عن‭ ‬من‭ ‬عُّذبت‭ ‬أصواتهم‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يبوحوا‭ ‬بما‭ ‬عاشوه،‭ ‬وأكدت‭ ‬أن‭ ‬الكلمة‭ ‬لا‭ ‬تُصادر في‭ ‬لبنان،‭ ‬رغم‭ ‬محاولات‭ ‬الصمت،نعم‭ ‬مررت‭ ‬بلحظات‭ ‬عشت‭ ‬فيها‭ ‬لحظات‭ ‬الانفجار‭ ‬و‭ ‬رأيت‭ ‬فيها‭ ‬الدم‭ ‬وخُفت‭ ‬أن‭ ‬ينتهي‭ ‬بي‭ ‬الحال‭ ‬كما‭ ‬انتهى‭ ‬بغيري‭ ‬من‭ ‬الصحافيين‭ ‬و‭ ‬السياسيين،‭ ‬لكن‭ ‬إرادة‭ ‬الله‭ ‬كانت‭ ‬أقوى‭ ‬من‭ ‬إرادة‭ ‬القاتل‭ ‬فنجوت،‭ ‬قررت‭ ‬أن‭ ‬أقاوم‭ ‬قدري‭ ‬بالكتابة،‭ ‬فحولت‭ ‬الألم‭ ‬إلى‭ ‬شهادة‭ ‬حياة‭ ‬وعطاء،‭ ‬ولم‭ ‬أتقوقع‭ ‬على‭ ‬ذاتي‭ ‬أو‭ ‬أنسحب‭ ‬من‭ ‬المواجهة‭.‬

بهذا‭ ‬المعنى‭ ‬كان‭ ‬الكتاب‭ ‬وسيلتي‭ ‬لتجاوز‭ ‬الصدمة‭ ‬وصياغتها‭ ‬لأقول‭ ‬إن‭ ‬مصيري‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬أن‭ ‬أغيب‭ ‬في‭ ‬صمت‭ ‬مثل‭ ‬كثيرين،‭ ‬بل‭ ‬أن‭ ‬أتكلم‭ ‬باسم‭ ‬من‭ ‬لم‭ ‬تمنح‭ ‬لهم‭ ‬فرصة‭ ‬الكلام،‭ ‬و‭ ‬أذكّر‭ ‬بأن‭ ‬الشعوب‭ ‬عندما‭ ‬تتحد‭ ‬تستطيع‭ ‬أن‭ ‬تطالب‭ ‬بالحرية‭ ‬و‭ ‬العدالة‭ ‬و‭ ‬تعيد‭ ‬لبلدها‭ ‬كرامته‭.‬

‭ ‬إرادة‭ ‬لم‭ ‬يبشـرها‭ ‬الانفجــار‭ ‬وصـوت‭ ‬لم‭ ‬يخرســه‭ ‬الرماد

في‭ ‬ظل‭ ‬الظروف‭ ‬الراهنة،‭ ‬ما‭ ‬أكبر مصدر‭ ‬إلهام‭ ‬بالنسبة‭ ‬لك؟‭ ‬وهل‭ ‬مازلت‭ ‬متفائلة‭ ‬بمستقبل‭ ‬لبنان؟

مصدر‭ ‬إلهامي‭ ‬الأكبر هو‭ ‬الشباب‭ ‬اللبناني،‭ ‬الذين‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬الأزمات‭ ‬والفشل‭ ‬المستمر‭ ‬للطبقة‭ ‬السياسية‭ ‬مازالوا‭ ‬يحلمون‭ ‬ويعملون‭ ‬و‭ ‬يقاومون،‭ ‬نعم‭ ‬مازلت‭ ‬متفائلة‭ ‬لأن‭ ‬لبنان‭ ‬سيظل‭ ‬بلد‭ ‬الأمل‭ ‬و‭ ‬وجود‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يرضى‭ ‬بالاستسلام‭ ‬يضمن‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬دائما‭ ‬فرصة‭ ‬للبداية‭ ‬من‭ ‬جديد‭.‬

بعيدا‭ ‬عن‭ ‬العمل‭ ‬الإعلامي‭ ‬و‭ ‬السياسي،‭ ‬كيف‭ ‬تقضي‭(‬مي‭ ‬شدياق‭) ‬وقتها؟‭ ‬وما‭ ‬هواياتها‭ ‬التي‭ ‬تساعدها‭ ‬على‭ ‬الاسترخاء؟

إضافة‭ ‬إلى‭ ‬الإعلام‭ ‬والسياسة،‭ ‬أنا‭ ‬أستاذة‭ ‬جامعية‭ ‬وأدير مؤسسة‭(‬مي‭ ‬شدياق‭)‬ومعهد‭ ‬الإعلام‭ ‬التابع‭ ‬لها،‭ ‬لذا‭ ‬بإمكاني‭ ‬القول‭ ‬إني‭ ‬أسرق‭ ‬وقت‭ ‬الاسترخاء‭ ‬سرقة،‭ ‬فأنا‭ ‬أحب‭ ‬السفر‭ ‬والطبيعة‭ ‬واكتشاف‭ ‬الحضارات‭ ‬الجديدة،كما‭ ‬الانغماس‭ ‬في‭ ‬القراءة‭ ‬والكتابة،أو‭ ‬المشاركة‭ ‬في‭ ‬النشاطات‭ ‬الثقافية‭ ‬والفنية‭ ‬المتنوعة،‭ ‬هذه‭ ‬الأنشطة‭ ‬تعكس‭ ‬طبيعتي‭ ‬الفضولية‭ ‬وحبي‭ ‬العميق‭ ‬للمعرفة‭ ‬والتجارب‭ ‬الجديدة،‭ ‬وتمنحني‭ ‬شعورا‭ ‬بالراحة‭ ‬النفسية‭ ‬والإلهام‭ ‬الدائم‭.‬

أخيرا‭..‬ماذا‭ ‬تتمنين‭ ‬لنفسك‭ ‬ولبلدك‭ ‬والأمة‭ ‬العربية‭ ‬بشكل‭ ‬عام؟

أتمنى‭ ‬لنفسي‭ ‬القوة‭ ‬والقدرة‭ ‬على‭ ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬مسيرتي‭ ‬ومهمتي‭ ‬الإعلامية،‭ ‬وللبنان‭ ‬أن‭ ‬يعود‭ ‬إلى‭ ‬مجده‭ ‬ومكانته‭ ‬بعيدا‭ ‬عن‭ ‬هيمنة‭ ‬المحورالذي‭ ‬شوه‭ ‬صورته‭ ‬وأبعده‭ ‬عن‭ ‬محيطه‭ ‬العربي،‭ ‬وللأمة‭ ‬العربية‭ ‬أن‭ ‬تتحرر‭ ‬من‭ ‬الفساد‭ ‬والظلم،‭ ‬وأن‭ ‬يعي‭ ‬الجميع‭ ‬أن‭ ‬التغيير‭ ‬يبدأ‭ ‬من‭ ‬الفرد‭.‬

‭ ‬زمن‭ ‬المقاومة‭ ‬انتهى‭ ‬عام‭ ‬‮0002‬‭ ‬ولاصوت‭ ‬يعلو‭ ‬فوق‭ ‬صوت‭ ‬الدولة‭ ‬

Share this content: