أيقونــة الحريــة التــي لم تكســـــــــــــــــــــــــــــــرها النيـــــران
أجرت الحوار : ربيعة حباس

مي شدياق:
من قلب بيروت التي شطرها الرصاص، ومن ذاكرة طفولةٍ تشبّعت بروح المقاومة النسائية في غياب الأب والأخ، ولدت امرأة لم تقبل يوماً أن تكون مجرد رقم في سجلات الإعلام. هي التي قالت عن نفسها إنها ‹طفلة في جسد امرأة›، لكنها في الشدائد وقفت بصلابة الجبال، واضعةً طموحها في كفة وحياتها في كفة أخرى، لتصنع اسماً عصياً على النسيان.. لم تكتفِ بالشهادات الأكاديمية العليا من بيروت وباريس، بل كتبت بدمائها وسام استحقاقها الوطني. واجهت الموت في سبتمبر 2005 بعبوة غادرة أرادت إسكات صوتها، فخرجت من تحت الرماد، جسداً فقد أطرافاً لكنه احتفظ برأس مرفوع ولسان لا يخشى في الحق لومة لائم..اليوم، تطلّ الوزيرة والإعلامية الدكتورة مي شدياق بمواقفها الصلبة التي لا تعرف المهادنة، معلنةً بوضوح: ‹نحن شعبٌ تعب من الحروب، شعبٌ يحب الحياة ويطمح لدولة مؤسسات واضحة›. وبذات الجرأة التي ميزت مسيرتها، تضع النقاط على الحروف في المشهد السياسي الراهن، مؤكدةً أن ما كان يسري قبل اغتيال حسن نصرالله لم يعد يسري اليوم، ورافضةً الانصياع لضغوط المحاور الخارجية، فمنطق المقاومة بالنسبة لها انتهى بخروج المحتل عام 2000، واليوم لا صوت يعلو فوق صوت الدولة والجيش.
بين ‹السماء التي انتظرتها› وبين الأرض التي لا تزال تزرع فيها بذور الحرية عبر مؤسساتها الأكاديمية، تبقى مي شدياق ‹بطلة حرية الصحافة في العالم› والشاهدة الحية على أن القلم أقوى من التفجير، وأن الإرادة هي الطرف الوحيد الذي لا يمكن بتره.»
السمــاء انتظرتنــي لأبقــى شاهدة علــى قيامــة لبنـان
واليوم لاصوت يعلو فـوق صــوت الجيــش
الكلمة هي الطرف الوحيد الذي لايمكن انتزاعه
برنامج(نهاركم سعيد) شكل علامة فارقة في مسيرتك..ما أبرز ذكرياتك من تلك الفترة؟وما أهم القضايا التي شعرت أنك ساهمت في طرحها وإحداث تغيير بشأنها؟
برنامج(نهاركم سعيد)كان بالنسبة لي أكثر من مجرد برنامج صباحي، كان منصة حقيقية لإيصال صوت الناس،والتحدث عن قضايا تتعلق بالعالم أجمع،إلى أخرى تهم المجتمع اللبناني بشكل مباشر وجريء،إضافة إلى سائر التطورات في المنطقة العربية من حرب العراق إلى الوضع في سوريا والقضية الفلسطينية وغيرها أتذكر حلقات كنت أتحدى فيها السلطة، وأناقش مواضيع كانت تعتبر(محظورة)مثل احتلال جيش الأسد للبنان،القرارات الدولية الصادرة عن الأمم المتحدة و ضرورة تطبيقها، حرب العراق، إضافة إلى مواضيع ذات طابع اجتماعي و إنساني مثل حقوق المرأة،الفساد،و الانتهاكات ضد المواطنين، لحظات لاتنسى حين كانت ردود فعل الجمهور تصلني مباشرة،سواء عبر الهاتف أو رسائل المشاهدين شعرت أن كلامي يصل إلى القلوب ويغير طريقة تفكيرهم، و أن الإعلام يمكن أن يكون أداة فعلا للتغيير، و ليس مجرد نقل الأخبار، لكن مقابل الإطراءات كان هناك اتصال التهديد والملاحقات على الأرض للترهيب والانذارات الموجهة إلى إدارة المحطة التلفزيونية حيث كنت أعمل.
تعرضتِ لمحاولة اغتيال بسبب مواقفك الجريئة،كيف أثرت هذه التجربة على مسيرتك المهنية والشخصية؟ وهل غيّرت من قناعاتك حول حرية التعبير؟
محاولة الاغتيال كانت صدمة صعبة جدا،لحظات شعرت فيها أن حياتي على المحك،لكن للمفارقة هذه التجربة أعطتني قوة لاتوصف،علمتني أن الحرية ليست رفاهية،بل مسؤولية، بعد هذه التجربة أصبح صوتي أكثر جرأة، و لم أتردد في مواجهة أي تهديد أو محاولات لإسكاتي، لقد عززت قناعاتي بأن حرية التعبير حق أساسي وأن كل دقيقة سكوت أمام الظلم هي خسارة للإنسانية.
تُعرفين بلقب(الشهيدة الحية) كيف ترين هذا اللقب؟و هل هو بمثابة مسؤولية إضافية عليك؟
اللقب صعب و يحمل ثقلا كبيرا، إن محاولة الاغتيال التي تعرضت لها حيث وضعت متفجرة تحت مقعد سيارتي نجم عنها بتر ساقي ويدي اليسرى، إضافة إلى معاناة الحروق وإعادة التأهيل المرهقة والعمليات التي لا تحصى، و المرض الناجم عن فقدان المناعة بعد سلسلة من العمليات الجراحية تخطت الأربعين، وكان رغم الألم أن أقاتل أكثر، بكل ما استطعت أن أستجمع من قوة،لأساهم في الوقوف في وجه الظلم والارهاب ولأعمل قدر استطاعتي على إيصال صوت الحق.
أشعر فعليا أن لقب الشهيدة الحية ليس لاستدراج العطف كما أنه ليس للتكريم،بل مسؤولية حقيقية لأن أكون نموذجا للثبات والشجاعة،و أن أستمر في قول الحقيقة رغم المخاطر،هذا اللقب يذكرني يوميا بأن الكلمة والصوت لايمكن أن يقتلوا، وأن رسالتي لاتزال قائمة، وأن عليّ أن أكون دائما في الصفوف الأمامية للدفاع عن المباديء التي أؤمن بها.
ما الدور الذي لعبته دراستك في الصحافة في تكوين شخصيتك المهنية؟ وهل ترين أن الشهادات الأكاديمية لاتزال ضرورية للنجاح في هذا المجال؟
دراستي في الصحافة والحصول على شهادة دكتوراه في علوم الإعلام و الاتصالات، لم تعلمني كتابة الأخبار أو إجراء المقابلات فحسب بل أعطتني أيضا الأساس المهني الذي بنيت عليه مسيرتي، وأضفت مصداقية أكبر على عملي الصحافي المستند إلى المعرفة النظرية، و ساهمت في فهم أكبر للمجتمع والسياسة وكيفية التعامل مع المعلومات بحيادية و دقة، لكن إذا كانت الشهادات الأكاديمية مهمة لإغناء العمل الصحافي ، لكن الشغف، الجرأة، و القدرة على مواجهة التحديات هي ما يصنع الإعلامي الحقيقي، لايمكن للشهادة وحدها أن تصنع شخصية إعلامية قوية.
مؤسسة(مي شدياق) تهدف إلى دعم الإعلاميين وتعزيز حرية التعبير، ما أبرز إنجازات المؤسسة التي تفخرين بها؟ وما رؤيتك المستقبلية لها؟
أفتخر بأن مؤسسة(مي شدياق) ومعهد الإعلام أصبحت على مر السنوات منبرا أساسيا للدفاع عن القيم التي أؤمن بها، من حرية التعبير وحقوق الإنسان إلى تمكين المرأة وبناء السلام، و من أبرز إنجازاتنا أننا نجحنا في أن نكون في صلب القضايا الكبرى في لبنان والمنطقة، نرفع الصوت، نطرح الحلول،و نوفرمساحة حقيقية للحوار والتعبير.
من بين المحطات التي أعتز بها كثيرا، مؤتمراتنا السنوية مثل(نساء على خطوط المواجهة) الذي يعقد في كل من لبنان و الأردن والذي يسلط الضوء منذ 2013 على الدور الريادي للنساء في المصالحة وبناء المجتمعات، و(حفل الجوائز الإعلامية) الذي ينظم في كل من بيروت و دبي و الذي نكرّم فيه صحافيين وصنّاع إعلام تركوا أثرا في المشهد الإعلامي محليا و دوليا، إلى جانب(مؤتمر تواصل الأدمغة الحرة) الذي يجمع خيرة العقول المفكّرة من حول العالم، كذلك أسهمت شراكاتنا مع مؤسسات دولية كبرى مثل الإتحاد الأوروبي،اليونسكو،هيئة الأمم المتحدة للمرأة، غوغل، لينكدان،ميدا، مراسلون بلاحدود، المحكمة الجنائية الدولية،وعديد السفارات والوكالات الدولية في تعزيز حضورنا و رسالتنا.
أمّا رؤيتي المستقبلية فهي أن تظل المؤسسة منصة عالمية تجمع بين الاكاديمية والإعلام، وأن تمنح الإعلاميين والشباب خصوصا عبر أكاديمية الأدوات و التدريب ليكونوا أكثر استعدادا لسوق العمل وأكثر قدرة على المنافسة، أحلم أن تبقى المؤسسة بيتا لكل من يؤمن بأن الإعلام رسالة ومسؤولية.
نحن شعـب يحـب الحيـاة ولايرضـى بغيـــــــــــــــــــــر مؤسسات الدولة بديلاً
لست مجرد رقم في سجلات الإعلام
في كتابك(السماء تنتظرني)تحدثت عن تجربة الاغتيال، ما الذي دفعك للكتابة، و هل كان وسيلة للتعبيرعن صدمة ما بعد التجربة؟
في كتابي(السماء تنتظرني) لم أكتف بسرد الوقائع الطبية أو تفاصيل الاعتداء، بل كتبت لأحول حادثة محاولة اغتيالي إلى شهادة تجمع بين البعد الشخصي و البعد السياسي، صدر الكتاب بعد التفجير الذي استهدفني في 25 سبتمبر/ ايلول2005 وما تلاه من جراحات وإعادة تأهيل في فرنسا، لأنني أردت ربط جرحي الفردي بتاريخ الصحافة و حرية التعبير في بلادي.
كيف كانت لحظة الانفجار بماذا تصفيها ؟
في لحظة الانفجار عشت ما لايوصف، صدمة، ألم، هلع، و وعي مرهق، رأيت رجلي بعيدة عني وبقيت يدي معلقة من المعصم حتى ظننت أنهم قادرون على خياطتها، كنت خائفة أن يكون اغتيالي هو الخبر الذي سيذاع تلك الليلة، و تمنيت الموت، فقط كي يذهب هذا الوجع ، في المستشفى كنت تحت تأثير المخدر وكان الجميع يظن أنني فاقدة لوعيي، لكنني كنت أسمع أحاديث الأطباء فوق رأسي بعد ذلك تجاوزت مرحلة الخطر لكنني خسرت يدي و رجلي.
هذه التجربة لا تنفصل عن السياق السياسي الذي كان يشتعل وقتها، اغتيال الرئيس (رفيق الحريري) في 14 فبراير/شباط 2005 وما تبعه من حراك 14مارس/ أذار، حيث اجتمع اللبنانيون مسيحيين ومسلمين مطالبين بالحرية و السيادة و انهاء التدخل السوري، هذه اللحظة الوطنية أعطت كتابي بُعدا اجتماعيا، فلم يكن حديثي عن جروحي فقط، بل عن جروح وطن بأكمله.
كتبت أيضا نيابة عن من عُّذبت أصواتهم قبل أن يبوحوا بما عاشوه، وأكدت أن الكلمة لا تُصادر في لبنان، رغم محاولات الصمت،نعم مررت بلحظات عشت فيها لحظات الانفجار و رأيت فيها الدم وخُفت أن ينتهي بي الحال كما انتهى بغيري من الصحافيين و السياسيين، لكن إرادة الله كانت أقوى من إرادة القاتل فنجوت، قررت أن أقاوم قدري بالكتابة، فحولت الألم إلى شهادة حياة وعطاء، ولم أتقوقع على ذاتي أو أنسحب من المواجهة.
بهذا المعنى كان الكتاب وسيلتي لتجاوز الصدمة وصياغتها لأقول إن مصيري لم يكن أن أغيب في صمت مثل كثيرين، بل أن أتكلم باسم من لم تمنح لهم فرصة الكلام، و أذكّر بأن الشعوب عندما تتحد تستطيع أن تطالب بالحرية و العدالة و تعيد لبلدها كرامته.

إرادة لم يبشـرها الانفجــار وصـوت لم يخرســه الرماد
في ظل الظروف الراهنة، ما أكبر مصدر إلهام بالنسبة لك؟ وهل مازلت متفائلة بمستقبل لبنان؟
مصدر إلهامي الأكبر هو الشباب اللبناني، الذين رغم كل الأزمات والفشل المستمر للطبقة السياسية مازالوا يحلمون ويعملون و يقاومون، نعم مازلت متفائلة لأن لبنان سيظل بلد الأمل و وجود هذا الشعب الذي لا يرضى بالاستسلام يضمن أن هناك دائما فرصة للبداية من جديد.
بعيدا عن العمل الإعلامي و السياسي، كيف تقضي(مي شدياق) وقتها؟ وما هواياتها التي تساعدها على الاسترخاء؟
إضافة إلى الإعلام والسياسة، أنا أستاذة جامعية وأدير مؤسسة(مي شدياق)ومعهد الإعلام التابع لها، لذا بإمكاني القول إني أسرق وقت الاسترخاء سرقة، فأنا أحب السفر والطبيعة واكتشاف الحضارات الجديدة،كما الانغماس في القراءة والكتابة،أو المشاركة في النشاطات الثقافية والفنية المتنوعة، هذه الأنشطة تعكس طبيعتي الفضولية وحبي العميق للمعرفة والتجارب الجديدة، وتمنحني شعورا بالراحة النفسية والإلهام الدائم.
أخيرا..ماذا تتمنين لنفسك ولبلدك والأمة العربية بشكل عام؟
أتمنى لنفسي القوة والقدرة على الاستمرار في مسيرتي ومهمتي الإعلامية، وللبنان أن يعود إلى مجده ومكانته بعيدا عن هيمنة المحورالذي شوه صورته وأبعده عن محيطه العربي، وللأمة العربية أن تتحرر من الفساد والظلم، وأن يعي الجميع أن التغيير يبدأ من الفرد.
زمن المقاومة انتهى عام 0002 ولاصوت يعلو فوق صوت الدولة
Share this content: