×

غياب بلا عزاء

غياب بلا عزاء

كيف‭ ‬يبتلع‭ ‬التراب‭ ‬الليبي‭ ‬أبناءه‭ ‬دون‭ ‬أثر

أمّ‭ ‬تنام‭ ‬على‭ ‬وسادةٍ‭ ‬تبللت‭ ‬بالدموع،‭ ‬زوجة‭ ‬تحاور‭ ‬الصمت‭ ‬كل‭ ‬مساء،‭ ‬وطفل‭ ‬يسأل‭ ‬كل‭ ‬صباح‭: ‬“متى‭ ‬يرجع‭ ‬أبي؟”‭.‬

هكذا‭ ‬تمضي‭ ‬حياة‭ ‬أسر‭ ‬المفقودين‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬بين‭ ‬سؤالٍ‭ ‬لا‭ ‬جواب‭ ‬له،‭ ‬وحلمٍ‭ ‬يرفض‭ ‬الموت‭.. ‬

تحقيقنا‭ ‬هذا‭ ‬محاولة‭ ‬للغوص‭ ‬في‭ ‬أعماق‭ ‬وجعهم‭ ‬الصامت،‭ ‬وسبر‭ ‬تفاصيل‭ ‬أيامهم‭ ‬المعلقة‭ ‬بين‭ ‬الأمل‭ ‬والفقد‭.‬

هناك‭ ‬قصص‭ ‬وحكايات‭ ‬مؤلمه‭ ‬عن‭  ‬أبٌ‭ ‬خرج‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬وأخ‭ ‬فُقد‭ ‬في‭ ‬لمح‭ ‬البصر‭  ‬بقيت‭ ‬أسرهم‭ ‬تعاني‭ ‬من‭ ‬ألم‭ ‬الفقد‭ ‬وفقدان‭ ‬الأمل‭..‬

تحقيق‭ : ‬منى‭ ‬الشلحي

لبداية‭ ‬كانت‭ ‬لقصة‭ ‬أب‭ ‬ترك‭ ‬أسرة‭ ‬تكمد‭ ‬وجعها‭  ‬حوالي‭ ‬أربع‭ ‬عشرة‭ ‬سنة‭ ‬يرويها‭  ‬شقيقه‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬غرغور

في‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬التي‭ ‬دوّى‭ ‬فيها‭ ‬صوت‭ ‬الحرب‭ ‬حول‭ ‬باب‭ ‬العزيزية،‭ ‬كانت‭ ‬طرابلس‭ ‬تعيش‭ ‬لحظة‭ ‬حاسمة‭ ‬من‭ ‬أحداث‭ ‬ثورة‭ ‬17‭ ‬فبراير‭. ‬خرج‭ ‬عمر‭  ‬–‭ ‬أب‭ ‬لتسعة‭ ‬أطفال‭ ‬–‭ ‬يحمل‭ ‬حلمًا‭ ‬صغيرًا‭ ‬بوطن‭ ‬آمن،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬يعلم‭ ‬أنه‭ ‬يترك‭ ‬خلفه‭ ‬بيتًا‭ ‬يغرق‭ ‬في‭ ‬الصمت‭ ‬وزوجة‭ ‬لم‭ ‬يذق‭ ‬قلبها‭ ‬طعم‭ ‬الراحة‭ ‬منذ‭ ‬ذلك‭ ‬اليوم‭.‬

صورة‭ ‬معلّقة‭ ‬على‭ ‬جدارٍ‭ ‬صامت،‭ ‬وملامح‭ ‬تتآكلها‭ ‬الأيام‭ ‬بين‭ ‬الرجاء‭ ‬والخوف‭.‬

هنا،‭ ‬لا‭ ‬يُقاس‭ ‬الوقت‭ ‬بالساعات،‭ ‬بل‭ ‬بعدد‭ ‬المرات‭ ‬التي‭ ‬طرقت‭ ‬فيها‭ ‬قلوب‭ ‬الأمهات‭ ‬أبواب‭ ‬الأمل‮…‬‭ ‬ولم‭ ‬يفتح‭ ‬أحد‭.‬

هو‭ ‬الغياب‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يُغلق‭ ‬ملفّه،‭ ‬والانتظار‭ ‬الذي‭ ‬تحوّل‭ ‬إلى‭ ‬نمط‭ ‬حياة‭.‬

في‭ ‬هذه‭ ‬البيوت،‭ ‬تُشعل‭ ‬الشموع‭ ‬لا‭ ‬للفرح،‭ ‬بل‭ ‬لئلا‭ ‬تنطفئ‭ ‬الذكرى‮…‬

أربعة‭ ‬عشر‭ ‬عامًا‭ ‬مرت،‭ ‬والأبناء‭ ‬كبروا‭ ‬بلا‭ ‬عناق‭ ‬الأب،‭ ‬بلا‭ ‬كلمة‭ ‬“يا‭ ‬ولدي”‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تملأ‭ ‬البيت‭ ‬دفئًا‭.‬

شقيقه‭ ‬يقول‭ ‬بصوتٍ‭ ‬مبحوح‭:‬

خرج‭ ‬عمر‭ ‬تلك‭ ‬الليلة‭ ‬ولم‭ ‬يرجع‭… ‬بحثنا‭ ‬عنه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان،‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬والمستشفيات‭ ‬وحتى‭ ‬بين‭ ‬القبور‭… ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬أثر،‭ ‬لا‭ ‬جثمان،‭ ‬لا‭ ‬وداع‭.‬”

تحوّل‭ ‬الانتظار‭ ‬إلى‭ ‬عادة‭ ‬يومية،‭ ‬والزوجة‭ ‬البائسة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تعدّ‭ ‬الأيام‭ ‬بدموعها،‭ ‬علّ‭ ‬الغياب‭ ‬ينتهي‭ ‬بخبر،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬موجعًا‭.‬

‭ ‬أما‭ ‬خديجة‭ ‬وشقيقها‭ ‬المفقود‭ ‬فهي‭  ‬تحكي‭ ‬قصتها‭ ‬وهي‭ ‬تشدّ‭ ‬على‭ ‬طرف‭ ‬ثوبها‭ ‬كأنها‭ ‬تحاول‭ ‬الإمساك‭ ‬بظل‭ ‬أخيها‭ ‬الذي‭ ‬غاب‭:‬

كان‭ ‬عمره‭ ‬خمسة‭ ‬وخمسين‭ ‬عامًا،‭ ‬أعزب،‭ ‬يعيش‭ ‬وحده‭ ‬في‭ ‬مزرعته‭ ‬بمنطقة‭ ‬قصر‭ ‬بن‭ ‬غشير‭. ‬في‭ ‬حرب‭ ‬طرابلس‭ ‬سنة‭ ‬2019،‭ ‬انقطعت‭ ‬أخباره‭ ‬فجأة‭. ‬كنا‭ ‬نظن‭ ‬أنه‭ ‬نُقل‭ ‬أو‭ ‬لجأ‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬آمن،‭ ‬لكن‭ ‬الأمل‭ ‬ظل‭ ‬يذوب‭ ‬مع‭ ‬الأيام‭.‬”

وبعد‭ ‬عامين،‭ ‬وصلهم‭ ‬الخبر‭ ‬الذي‭ ‬أوقف‭ ‬الزمن‭:‬

“وجدوه‭ ‬في‭ ‬إحدى‭ ‬المقابر‭ ‬الجماعية‭ ‬بترهونة‭.‬”

كانت‭ ‬خديجة‭ ‬تقول‭ ‬إنها‭ ‬لم‭ ‬تبكِ‭ ‬حينها‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬شعرت‭ ‬كأن‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬عمرها‭ ‬دُفن‭ ‬معه‭.‬

“المقابر‭ ‬الجماعية‭ ‬لم‭ ‬تضم‭ ‬أجسادًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬أحلامًا‭ ‬وعمرًا‭ ‬وأمانًا‭ ‬ضاع‭.‬”

القصة‭ ‬الثالثة‭: ‬أم‭ ‬تبحث‭ ‬عن‭ ‬ابنها‭ ‬بين‭ ‬الصور

من‭ ‬ضواحي‭ ‬عين‭ ‬زارة‭.. ‬في‭ ‬ركن‭ ‬صغير‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬متواضع،‭ ‬تجلس‭ ‬“أم‭ ‬رمزي‭  ‬تقلب‭ ‬الصور‭ ‬على‭ ‬شاشة‭ ‬هاتفها‭ ‬القديمة‭. ‬كل‭ ‬صورة‭ ‬لشاب‭ ‬مجهول‭ ‬تُشعل‭ ‬في‭ ‬

قلبها‭ ‬احتمال‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬ابنها‭.‬

فقدت‭ ‬“عماد”‭ ‬في‭ ‬صيف‭ ‬2018،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬خرج‭ ‬لمساعدة‭ ‬أحد‭ ‬جيرانه‭ ‬ولم‭ ‬يعد‭ ‬،‭ ‬كل‭ ‬البلاغات‭ ‬والبحث‭ ‬في‭ ‬السجون‭ ‬والمستشفيات‭ ‬لم‭ ‬يُجدِ‭ ‬نفعًا‭ ‬اخترت‭ ‬حزنها‭ ‬في‭ ‬كلمات‭ ‬

‭(‬ما‭ ‬فيش‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬نحلمش‭ ‬به‭… ‬مرات‭ ‬نحس‭ ‬إنه‭ ‬حي،‭ ‬ومرات‭ ‬نحس‭ ‬إنه‭ ‬تحت‭ ‬التراب،‭ ‬بس‭ ‬ما‭ ‬نعرفش‭ ‬وين‭.)‬

تحوّل‭ ‬بيتها‭ ‬إلى‭ ‬مزار‭ ‬للانتظار،‭ ‬والجدران‭ ‬تحفظ‭ ‬الدعوات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تنقطع‭.‬

“نبي‭ ‬نعرف‭ ‬بس‭ ‬وينه،‭ ‬نبي‭ ‬نرتاح،‭ ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬كان‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭.‬

أكثر‭ ‬من‭ ‬7‭ ‬آلاف‭ ‬ليبي‭ ‬مفقود‭ ‬

وحكايات‭ ‬الفقد‭ ‬الصامتة

أ‭. ‬امحمد‭ ‬الدعيكي

د‭. ‬شهد‭ ‬عبدالمنعم

‮«‬نبي‭ ‬نعرف‭ ‬وينه‮»‬

‭ ‬أم‭ ‬رمزي‭ ‬تقلب‭ ‬الصور‭ ‬بين‭ ‬اليقين‭ ‬والشك‭ ‬لإنهاء‭ ‬7‭ ‬سنوات‭ ‬من‭ ‬الحيرة‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬كل‭ ‬القصص‭ ‬بل‭ ‬جزء‭ ‬بسيط‭ ‬من‭ ‬الالم‭ ‬والحيرة‭ ‬والوجع‭ …‬

وفي‭ ‬عمق‭ ‬التجربة‭ ‬الإنسانية،‭ ‬يبقى‭ ‬غياب‭ ‬المفقود‭ ‬جرحًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬الأسرة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬وجعًا‭ ‬يتكرر‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬ما‭ ‬بين‭ ‬الانتظار‭ ‬والأمل،‭ ‬والحنين‭ ‬والخوف‭. ‬حول‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬المعقدة‭ ‬التي‭ ‬تعيشها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الأسر‭ ‬الليبية،‭ ‬كان‭ ‬لنا‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬مع‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬المختصين‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس‭ ‬والاجتماع،‭ ‬لتسليط‭ ‬الضوء‭ ‬على‭ ‬الأبعاد‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬لظاهرة‭ ‬الغياب‭ ‬الطويل‭.‬

حدثتنا‭  ‬الدكتورة‭ ‬شهد‭ ‬عبدالمنعم‭ ‬عون‭   ‬أختصاصية‭ ‬نفسية‭.. ‬والتي‭ ‬اوضحت‭ ‬قائلة‭ : ‬

إن‭ ‬غياب‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬العائلة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬لسنوات،‭ ‬يولّد‭ ‬حالة‭ ‬من‭ ‬القلق‭ ‬المزمن‭ ‬والاضطراب‭ ‬العاطفي‭.‬

وتقول‭: “‬الأسرة‭ ‬تعيش‭ ‬بين‭ ‬مشاعر‭ ‬الأمل‭ ‬والخوف‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬وهذا‭ ‬التناقض‭ ‬يرهق‭ ‬الجهاز‭ ‬النفسي‭ ‬ويؤثر‭ ‬على‭ ‬العلاقات‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة،‭ ‬فتظهر‭ ‬مشكلات‭ ‬مثل‭ ‬التوتر،‭ ‬قلة‭ ‬الصبر،‭ ‬وحتى‭ ‬ضعف‭ ‬الترابط‭ ‬الأسري‭ ‬أحيانًا‭ ‬نتيجة‭ ‬الاستنزاف‭ ‬المستمر‭”.‬

وتشير‭ ‬الدكتورة‭ ‬شهد‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الأمل‭ ‬في‭ ‬عودة‭ ‬المفقود‭ ‬يمثل‭ ‬أداة‭ ‬للبقاء‭ ‬والصمود،‭ ‬لكنه‭ ‬إذا‭ ‬طال‭ ‬يصبح‭ ‬مثل‭ ‬جرح‭ ‬مفتوح‭ ‬لا‭ ‬يلتئم‭.‬‮»‬

وتضيف‭: ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬تُعرف‭ ‬بالصدمة‭ ‬المستمرة،‭ ‬إذ‭ ‬يعيش‭ ‬الأهل‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬انتظار‭ ‬لا‭ ‬تنتهي،‭ ‬ما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬القلق‭ ‬العام،‭ ‬الاكتئاب،‭ ‬اضطرابات‭ ‬النوم‭ ‬وحتى‭ ‬أعراض‭ ‬جسدية‭ ‬مرتبطة‭ ‬بالضغط‭ ‬النفسي‭.‬

وقدّمت‭ ‬الدكتورة‭ ‬شهد‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬الآليات‭ ‬العملية‭ ‬التي‭ ‬تساعد‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬التكيّف‭ ‬مع‭ ‬حالة‭ ‬الغياب‭ ‬الطويل‭: ‬

‭-‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬المشاعر‭:  ‬مشاركة‭ ‬الحزن‭ ‬والحنين‭ ‬بدلًا‭ ‬من‭ ‬كتمانه‭.‬

‭- ‬بناء‭ ‬حياة‭ ‬متوازنة‭: ‬الاستمرار‭ ‬في‭ ‬الأنشطة‭ ‬اليومية‭ ‬وعدم‭ ‬رهن‭ ‬الحياة‭ ‬بعودة‭ ‬المفقود‭.‬

‭- ‬الدعم‭ ‬الاجتماعي‭: ‬وجود‭ ‬شبكة‭ ‬من‭ ‬الأقارب‭ ‬والأصدقاء‭ ‬تخفف‭ ‬من‭ ‬وطأة‭ ‬الغياب‭.‬

‭- ‬الرعاية‭ ‬الذاتية‭: ‬الاهتمام‭ ‬بالصحة‭ ‬الجسدية‭ ‬والنفسية‭ ‬وممارسة‭ ‬أنشطة‭ ‬تخفف‭ ‬التوتر‭.‬

‭- ‬الدعم‭ ‬النفسي‭ ‬المتخصص‭: ‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬أختصاصيين‭ ‬لتفريغ‭ ‬الضغوط‭ ‬وتعلم‭ ‬آليات‭ ‬التكيف‭.‬

‭- ‬خلق‭ ‬معنى‭ ‬جديد‭: ‬تحويل‭ ‬الألم‭ ‬إلى‭ ‬طاقة‭ ‬عبر‭ ‬

تحديات‭ ‬الـ‭ ‬DNA‭:‬

ارتفاع‭ ‬تكلفة‭ ‬المواد‭ ‬وقصر‭ ‬صلاحيتهــا‭ ‬يهــددان‭ ‬عمــل‭ ‬فـرق‭ ‬التعرف‭ ‬علـى‭ ‬الهوية

أ‭. ‬عبدالعزيز‭ ‬الجعفري

د‭.‬سعاد‭ ‬العباني

عمر‭ ‬خرج‭ ‬بحثاً‭ ‬عن‭ ‬وطن

‭ ‬فترك‭ ‬تسعة‭ ‬أطفال‭ ‬ينتظرون‭ ‬‮«‬حضن‭ ‬الأب‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬15‭ ‬عاماً

أعمال‭ ‬خيرية‭ ‬أو‭ ‬مبادرات‭ ‬تحمل‭ ‬اسم‭ ‬المفقود،‭ ‬ما‭ ‬يعيد‭ ‬للأسرة‭ ‬توازنها‭ ‬الداخلي‭.‬

كذلك‭ ‬حدثتنا‭  ‬الأستاذة‭  ‬د‭. ‬سعاد‭ ‬محمد‭ ‬العباني‭.. ‬عضو‭ ‬هيئة‭ ‬تدريس‭ ‬بقسم‭ ‬علم‭ ‬الاجتماع‭ ‬بجامعة‭ ‬طرابلس‭ ‬والتي‭  ‬تقول‭ ‬في‭ ‬مستهل‭ ‬حديثها‭:‬

‮«‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬غياب‭ ‬الفقيد‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬تناول‭ ‬لحدث‭ ‬مؤلم،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬حديث‭ ‬عن‭ ‬توازن‭ ‬الأسرة‭ ‬الليبية‭ ‬وتماسكها‭ ‬الاجتماعي‭.‬‮»‬

وتوضح‭ ‬أن‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي‭ ‬بطبيعته‭ ‬مجتمع‭ ‬أسري‭ ‬مترابط،‭ ‬والعائلة‭ ‬تمثل‭ ‬جوهر‭ ‬الهوية‭ ‬والانتماء،‭ ‬لذلك‭ ‬فإن‭ ‬غياب‭ ‬أحد‭ ‬أركانها‭ ‬يترك‭ ‬أثرًا‭ ‬نفسيًا‭ ‬واجتماعيًا‭ ‬عميقًا‭.‬

وتضيف‭: ‬‮«‬غياب‭ ‬الفقيد‭ ‬—‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬نتيجة‭ ‬وفاة‭ ‬أو‭ ‬اختفاء‭ ‬أو‭ ‬غياب‭ ‬قسري‭ ‬—‭ ‬يُحدث‭ ‬شرخًا‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬النفسية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬للأسرة‭. ‬يعيش‭ ‬أفرادها‭ ‬صدمة،‭ ‬وحزنًا‭ ‬مزمنًا،‭ ‬وقلقًا‭ ‬وجوديًا،‭ ‬خاصة‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬الغياب‭ ‬مفاجئًا‭ ‬أو‭ ‬غامضًا‭. ‬تتبدل‭ ‬الأدوار‭ ‬داخل‭ ‬البيت،‭ ‬فتتحول‭ ‬الأم‭ ‬إلى‭ ‬معيلة،‭ ‬أو‭ ‬يتحمل‭ ‬أحد‭ ‬الأبناء‭ ‬مسؤوليات‭ ‬تفوق‭ ‬عمره،‭ ‬ما‭ ‬يولد‭ ‬شعورًا‭ ‬بالحرمان‭ ‬أو‭ ‬فقدان‭ ‬الأمان‭.‬‮»‬

الأبعاد‭ ‬الاجتماعية‭ ‬لغياب‭ ‬الفقيد‭ .. ‬وتؤكد‭ ‬أ‭.‬سعاد‭  ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬أحد‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭ ‬يشكل‭ ‬اختبارًا‭ ‬حقيقيًا‭ ‬لقدرتها

على‭ ‬الصمود،‭ ‬قائلة‭:‬

‮«‬بعض‭ ‬الأسر‭ ‬تواجه‭ ‬تحديات‭ ‬اقتصادية‭ ‬أو‭ ‬عزلة‭ ‬اجتماعية‭ ‬نتيجة‭ ‬الضغوط‭ ‬أو‭ ‬الوصم،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬تُظهر‭ ‬أسر‭ ‬أخرى‭ ‬قيم‭ ‬التكافل‭ ‬والتعاون‭ ‬التي‭ ‬تميز‭ ‬المجتمع‭ ‬الليبي،‭ ‬حيث‭ ‬يلتف‭ ‬الأقارب‭ ‬والجيران‭ ‬حول‭ ‬العائلة‭ ‬المنكوبة،‭ ‬فيخففون‭ ‬عنها‭ ‬بعض‭ ‬الألم‭.‬‮»‬

‭ ‬وتتناول‭ ‬أ‭.‬سعاد‭ ‬جانبًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬دقيقًا‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الظاهرة،‭ ‬موضحة‭ ‬أن‭ ‬“الأمل‭ ‬المؤجل”‭ ‬يمثل‭ ‬حالة‭ ‬يعيشها‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الليبيين،‭ ‬ليس‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬الغائبين،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬تحسن‭ ‬الأوضاع‭ ‬واستقرار‭ ‬الحياة‭.‬

وتقول‭: ‬‮«‬الأمل‭ ‬المؤجل‭ ‬مزيج‭ ‬من‭ ‬الرجاء‭ ‬والإحباط،‭ ‬لأن‭ ‬الإنسان‭ ‬يظل‭ ‬معلقًا‭ ‬بين‭ ‬ما‭ ‬يتمنى‭ ‬حدوثه‭ ‬وما‭ ‬يواجهه‭ ‬من‭ ‬واقع‭ ‬صعب‭. ‬

في‭ ‬ليبيا،‭ ‬نرى‭ ‬أمهات‭ ‬ينتظرن‭ ‬عودة‭ ‬الغائب،‭ ‬وأطفالًا‭ ‬ينتظرون‭ ‬آباءهم،‭ ‬وهذه‭ ‬الحالة‭ ‬تستنزف‭ ‬طاقة‭ ‬الإنسان‭ ‬العاطفية،‭ ‬لكنها‭ ‬أيضًا‭ ‬تبقيه‭ ‬حيًا‭.‬‮»‬

‭ ‬كذلك‭ ‬التقينا‭ ‬بالسيد‭ “‬امحمد‭ ‬الدعيكي‭ ” ‬عضو‭ ‬رابطة‭ ‬لجان‭ ‬المفقودين‭ ‬بمدينة‭ ‬بني‭ ‬وليد‭.. ‬

والذي‭ ‬اكد‭  ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬المفقودين‭ ‬من‭ ‬المدينة‭ ‬يبلغ‭ ‬نحو‭ ‬80‭ ‬مفقودًا،‭ ‬وذلك‭ ‬وفقًا‭ ‬لآخر‭ ‬الإحصائيات‭ ‬الرسمية‭ ‬المعتمدة‭.‬

وأوضح‭ ‬الدعيكي‭ ‬أن‭ ‬هناك‭ ‬قاعدة‭ ‬بيانات‭ ‬محدّثة‭ ‬تم‭ ‬إعدادها‭ ‬بعناية‭ ‬لتوثيق‭ ‬جميع‭ ‬المعلومات‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالمفقودين،‭ ‬وتشمل‭ ‬الأسماء‭ ‬الكاملة،‭ ‬وتواريخ‭ ‬الميلاد،‭ ‬وتواريخ‭ ‬الفقد،‭ ‬والحالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والمناطق‭ ‬التي‭ ‬فُقدوا‭ ‬فيها،‭ ‬بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬التي‭ ‬يُعتقد‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬وراء‭ ‬حالات‭ ‬الاختفاء‭.‬

وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬القاعدة‭ ‬تُعد‭ ‬مرجعًا‭ ‬رسميًا‭ ‬موثوقًا‭ ‬يُعتمد‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬التوثيق‭ ‬والمتابعة‭ ‬القانونية‭ ‬والإعلامية‭.‬

وأضاف‭ ‬الدعيكي‭ ‬أنه‭ ‬تم‭ ‬التواصل‭ ‬مع‭ ‬الهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للبحث‭ ‬والتعرف‭ ‬على‭ ‬المفقودين،‭ ‬والتي‭ ‬أبدت‭ ‬استعدادها‭ ‬الكامل‭ ‬للتعاون‭ ‬والتنسيق‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬يتعلق‭ ‬بملف‭ ‬مفقودي‭ ‬بني‭ ‬وليد،‭ ‬بما‭ ‬في‭ ‬ذلك‭ ‬إجراء‭ ‬التحاليل‭ ‬الجينية‭ ‬ومطابقة‭ ‬العينات‭ ‬عند‭ ‬توفر‭ ‬الإمكانيات‭ ‬اللازمة‭ ‬لذلك‭.‬

ورغم‭ ‬هذا‭ ‬التعاون،‭ ‬أوضح‭ ‬أن‭ ‬الدعم‭ ‬القانوني‭ ‬والنفسي‭ ‬لعائلات‭ ‬المفقودين‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬غائبًا‭ ‬تمامًا،‭ ‬حيث‭ ‬لم‭ ‬تُقدَّم‭ ‬حتى‭ ‬الآن‭ ‬أي‭ ‬برامج‭ ‬رسمية‭ ‬لمساندة‭ ‬الأسر‭ ‬أو‭ ‬التخفيف‭ ‬من‭ ‬معاناتها،‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬مرور‭ ‬سنوات‭ ‬طويلة‭ ‬على‭ ‬اختفاء‭ ‬أبنائهم‭.‬

وأكد‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الملف‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬تعاطٍ‭ ‬جاد‭ ‬ومسؤول‭ ‬من‭ ‬الجهات‭ ‬المعنية‭ ‬والمنظمات‭ ‬الحقوقية،‭ ‬بما‭ ‬يضمن‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬الحقيقة‭ ‬وإنصاف‭ ‬الضحايا‭ ‬وذويهم‭.‬

واختتم‭ ‬الدعيكي‭ ‬تصريحه‭ ‬قائلًا‭ ‬إن‭ ‬ملف‭ ‬المفقودين‭ ‬في‭ ‬بني‭ ‬وليد‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬جرحًا‭ ‬مفتوحًا‭ ‬في‭ ‬ذاكرة‭ ‬المدينة،‭ ‬وسط‭ ‬مطالبات‭ ‬مستمرة‭ ‬بالكشف‭ ‬عن‭ ‬مصير‭ ‬المفقودين‭ ‬وإنصاف‭ ‬أسرهم‭.‬

‭ ‬وأضاف‭: ‬“بين‭ ‬غياب‭ ‬الدعم‭ ‬النفسي‭ ‬والقانوني‭ ‬وطول‭ ‬سنوات‭ ‬الانتظار،‭ ‬يعيش‭ ‬الأهالي‭ ‬على‭ ‬أمل‭ ‬أن‭ ‬يحمل‭ ‬الغد‭ ‬خبرًا‭ ‬يُنهي‭ ‬هذا‭ ‬الغياب‭ ‬المؤلم،‭ ‬ويعيد‭ ‬للمدينة‭ ‬حقها‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬والعدالة‭.‬

عبدالعزيز‭ ‬الجعفري‭:‬

‭ ‬الكرسي‭ ‬الشاغر‭..  ‬وجرح‭ ‬الأسر‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يلتئم

أكثر‭ ‬من‭ ‬7‭ ‬آلاف‭ ‬مفقود‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬والعدد‭ ‬الحقيقي‭ ‬أكبر

‭ ‬والهيئة‭ ‬تعمل‭ ‬وسط‭ ‬تحديات‭ ‬كبيرة

أكد‭ ‬مدير‭ ‬مكتب‭ ‬الإعلام‭ ‬بالهيئة‭ ‬العامة‭ ‬للمفقودين،‭ ‬السيد‭ ‬عبدالعزيز‭ ‬الجعفري،‭ ‬أن‭ ‬ظاهرة‭ ‬الفقد‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬تُعد‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬الإنسانية‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬خلّفتها‭ ‬الصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬منذ‭ ‬عام‭ ‬2011،‭ ‬مشيرًا‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬حجم‭ ‬الظاهرة‭ ‬كبير‭ ‬جدًا‭ ‬ومتعدد‭ ‬الأسباب‭.‬

وأوضح‭ ‬أن‭ ‬أبرز‭ ‬العوامل‭ ‬التي‭ ‬أدت‭ ‬إلى‭ ‬تفاقمها‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬والاشتباكات‭ ‬المسلحة،‭ ‬وحالات‭ ‬الاختفاء‭ ‬القسري‭ ‬والانتهاكات‭ ‬التي‭ ‬حدثت‭ ‬خلال‭ ‬فترات‭ ‬الانقسام،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬الكوارث‭ ‬الطبيعية‭ ‬مثل‭ ‬فيضان‭ ‬درنة‭ ‬الذي‭ ‬زاد‭ ‬من‭ ‬أعداد‭ ‬المفقودين،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬الحالات‭ ‬المرتبطة‭ ‬بظاهرة‭ ‬الهجرة‭ ‬غير‭ ‬الشرعية‭.‬

وبيّن‭ ‬الجعفري‭ ‬أن‭ ‬عدد‭ ‬ملفات‭ ‬المفقودين‭ ‬المسجلة‭ ‬رسميًا‭ ‬في‭ ‬قاعدة‭ ‬بيانات‭ ‬الهيئة‭ ‬يبلغ‭ ‬7154‭ ‬مفقودًا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬العدد‭ ‬الحقيقي‭ ‬يُعتقد‭ ‬أنه‭ ‬أكبر‭ ‬من‭ ‬ذلك،‭ ‬بسبب‭ ‬عدم‭ ‬إقدام‭ ‬بعض‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬الإبلاغ‭ ‬أو‭ ‬فتح‭ ‬ملفات‭ ‬رسمية‭ ‬لدى‭ ‬الهيئة‭.‬

وفي‭ ‬حديثه‭ ‬عن‭ ‬الجهود‭ ‬المبذولة‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬والتقصي،‭ ‬أوضح‭ ‬أن‭ ‬الهيئة‭ ‬تعمل‭ ‬عبر‭ ‬فرقها‭ ‬الميدانية‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬بعمليات‭ ‬استخراج‭ ‬الجثامين‭ ‬من‭ ‬المقابر‭ ‬الجماعية‭ ‬أو‭ ‬الحالات‭ ‬الفردية،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ادارة‭ ‬الطب‭ ‬الشرعي‭ ‬التي‭  ‬تتولى‭ ‬أخذ‭ ‬عينات‭ ‬الـDNA‭ ‬من‭ ‬الجثث‭ ‬المجهولة‭ ‬الهوية،‭ ‬وتحدد‭ ‬زمن‭ ‬وسبب‭ ‬الوفاة‭  ‬ومطابقتها‭ ‬مع‭ ‬العينات‭ ‬التي‭ ‬تُؤخذ‭ ‬من‭ ‬ذوي‭ ‬المفقودين‭.‬

وأضاف‭ ‬أن‭ ‬الهيئة‭ ‬تسعى‭ ‬باستمرار‭ ‬إلى‭ ‬تحديث‭ ‬قاعدة‭ ‬بياناتها‭ ‬واستقبال‭ ‬البلاغات‭ ‬الجديدة‭ ‬من‭ ‬أسر‭ ‬المفقودين،‭ ‬مؤكدًا‭ ‬أن‭ ‬الجهود‭ ‬أثمرت‭ ‬عن‭ ‬التعرف‭ ‬على‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬الجثامين‭ ‬وتوثيق‭ ‬آلاف‭ ‬الحالات،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬مناطق‭ ‬ترهونة‭ ‬وسرت‭ ‬ودرنة،‭ ‬مع‭ ‬استمرار‭ ‬العمل‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬باقي‭ ‬المفقودين‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬المناطق‭.‬

وفيما‭ ‬يتعلق‭ ‬بالتحديات،‭ ‬أشار‭ ‬الجعفري‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الهيئة‭ ‬تواجه‭ ‬صعوبات‭ ‬كبيرة،‭ ‬في‭ ‬مقدمتها‭ ‬قلة‭ ‬الإمكانيات‭ ‬المادية،‭ ‬وصعوبة‭ ‬العمل‭ ‬الميداني‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬المناطق‭ ‬نتيجة‭ ‬للوضع‭ ‬الأمني،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬ضعف‭ ‬التعاون‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الجهات‭ ‬الذي‭ ‬يُبطئ‭ ‬الإجراءات‭.‬

كما‭ ‬لفت‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬المواد‭ ‬الخاصة‭ ‬بالمختبرات‭ ‬المستخدمة‭ ‬في‭ ‬تحليل‭ ‬الـDNA‭ ‬تُعد‭ ‬مرتفعة‭ ‬التكلفة‭ ‬وقصيرة‭ ‬الصلاحية‭ (‬لا‭ ‬تتجاوز‭ ‬ثلاثة‭ ‬أشهر‭)‬،‭ ‬وهو‭ ‬ما‭ ‬يتطلب‭ ‬

ميزانية‭ ‬مالية‭ ‬مستمرة‭ ‬لضمان‭ ‬عدم‭ ‬توقف‭ ‬العمل‭.‬

وأكد‭ ‬أن‭ ‬الهيئة‭ ‬تعمل‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬على‭ ‬تنسيق‭ ‬دائم‭ ‬مع‭ ‬مكتب‭ ‬النائب‭ ‬العام‭ ‬والنيابات‭ ‬المختصة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬تدريب‭ ‬الفرق‭ ‬الميدانية‭ ‬والفنية‭ ‬لضمان‭ ‬دقة‭ ‬النتائج‭ ‬وسلامة‭ ‬الإجراءات‭ ‬في‭ ‬مختلف‭ ‬مراحل‭ ‬البحث‭ ‬والتعرف‭ ‬على‭ ‬الهوية‭.‬

وختم‭ ‬الجعفري‭ ‬حديثه‭ ‬بالتأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬عمل‭ ‬الهيئة‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬الجانب‭ ‬الفني‭ ‬والتقني‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يحمل‭ ‬بعدًا‭ ‬إنسانيًا‭ ‬عميقًا،‭ ‬يتمثل‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬ألم‭ ‬الأسر،‭ ‬ومنحهم‭ ‬الأمل،‭ ‬وضمان‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬معرفة‭ ‬مصير‭ ‬ذويهم‭.‬

وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬الهيئة‭ ‬تسعى‭ ‬إلى‭ ‬تقديم‭ ‬الدعم‭ ‬النفسي‭ ‬لأسر‭ ‬المفقودين‭ ‬وتنظيم‭ ‬ورش‭ ‬عمل‭ ‬تُعزز‭ ‬حقهم‭ ‬في‭ ‬المعرفة،‭ ‬إضافة‭ ‬إلى‭ ‬تطوير‭ ‬البوابة‭ ‬الإلكترونية‭ ‬لاستقبال‭ ‬البلاغات‭ ‬وتحسين‭ ‬قاعدة‭ ‬البيانات‭.‬

كما‭ ‬تعمل‭ ‬الهيئة‭ ‬على‭ ‬تعزيز‭ ‬الوعي‭ ‬المجتمعي‭ ‬وتشجيع‭ ‬الأسر‭ ‬على‭ ‬التبليغ‭ ‬وفتح‭ ‬ملفات‭ ‬رسمية،‭ ‬مع‭ ‬توسيع‭ ‬نطاق‭ ‬العمل‭ ‬الجغرافي‭ ‬ليشمل‭ ‬مناطق‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب‭ ‬والجنوب،‭ ‬حتى‭ ‬تصل‭ ‬الخدمات‭ ‬إلى‭ ‬جميع‭ ‬الأسر‭.‬

وفي‭ ‬ختام‭ ‬تصريحه،‭ ‬شدد‭ ‬الجعفري‭ ‬على‭ ‬أهمية‭ ‬تطوير‭ ‬الشراكات‭ ‬المحلية‭ ‬والدولية‭ ‬لضمان‭ ‬أن‭ ‬يجري‭ ‬العمل‭ ‬وفق‭ ‬المعايير‭ ‬الدولية‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬المفقودين‭ ‬والتعرف‭ ‬على‭ ‬هوياتهم‭ ‬وإعادة‭ ‬رفاتهم‭ ‬إلى‭ ‬أسرهم‭ ‬إن‭ ‬أمكن‭.‬

Share this content: