أسير بخطى واثقة ولا أطلب الإذن من أحد

زينب أبوسلة
لدت زينب أبوسلة عام 1993، بين ثقافاتٍ متقاطعة جعلت منها روحًا كوزموبوليتية تتحدث بأربع لغات: العربية، الإيطالية، الإنجليزية، والألمانية. درست إدارة الأعمال بتخصص التسويق في جامعة Buckingham في روما، لتشق بعدها طريقها بثبات في مجالات متنوّعة بين القطاع المصرفي في البنك الليبي الأوروبي بروما و«الإدارة التسويقية في دار بولغري العريقة ».
عام 2018 غادرت إلى ألمانيا، وهناك تحوّلت الأزمة العالمية إلى فرصة شخصية، إذ كرّست فترة الجائحة لدراسة تصميم الأزياء على مدى ثلاث سنوات، فكان ميلاد هويتها الفنية الحقيقية.
من خلال علامتها Zizi Abosela، قدّمت مفهومًا مغايرًا للأزياء؛ فهي لا ترى الموض
زينةً للجسد، بل رسالة فكرية ضد العنف الموجّه نحو المرأة، ورسالة جمالية تُجسّد الثبات والأنوثة المستقلة.
شاركت زيزي في مهرجان الأزياء والثقافة بمدينة كاسل الألمانية، كما مثّلت حضورًا عربيًا متميّزًا في المهرجان العالمي للسينما والأزياء بمدينة أسكيو – فينيسيا في أغسطس 2025، بمجموعة حملت عنوان Be Yourself المستوحاة من أناقة مارلين مونرو.
جاءت مشاركتها هناك لتُسلّط الضوء على قضية العنف ضد النساء في العالم العربي والإسلامي، ومقارنة كيفية تعامل المجتمعات الغربية والعربية مع هذه الظاهرة، لتجعل من منصّات العرض منابر فكرٍ وجمال في آنٍ واحد.
أجرت الحوار : عفاف الفرجاني
كيف تختصرين البدايات؟ متى بدأت علاقتك الأولى مع الأزياء كوسيلة تعبير لا كترفٍ بصري؟
علاقتي مع الأزياء هي « شغف من لما كنت صغيرة نحب الفاشن وتغيير القطع وإعادة تصميمها لقطع تانية يعني مثلا بنطلون يتحول لشنطة او نشري تصميم جاهز ونغير فيه من إبداعي »
درستِ إدارة الأعمال والتسويق في روما، ثم اتجهتِ إلى تصميم الأزياء… كيف تمّ هذا التحوّل بين المنطق والخيال؟
التحول من إدارة الأعمال والتسويق إلى تصميم الأزياء يمكن أن يكون مثيرًا ومليئًا بالتحديات. في البداية، دراستي لإدارة الأعمال والتسويق في روما زودتني بفهم عميق للسوق والأسس التجارية التي تدعم أي مشروع. لكن شغفي بالأزياء كان دائمًا موجودًا، وكانت عندي رغبة قوية في التعبير عن نفسي من خلال التصميم. عندما بدأت العمل في مجال الأزياء، لقيت أنني أستطيع دمج المنطق الذي تعلمته في دراستي مع الخيال والإبداع الذي يتطلبه التصميم. مثال بسيط «انه نقدر نستخدم مهاراتي في التسويق لفهم اتجاهات السوق واحتياجات العملاء، الشي هذا ساعدني
على تصميم قطع تتماشى مع ما يبحث عنه الناس».. والميكس هذا جعلني أرى تصميم الأزياء ليس فقط كفن، بل كعمل تجاري يتطلب استراتيجيات مدروسة. كنت محظوظة بأن لدي القدرة على دمج عقلي الإداري وحسي الفني مما أتاح لي فرصة التعبير عن نفسي بطريقة تتجاوز الأرقام والبيانات من الناحية الإدارية
ما الدرس الأهم الذي أخذتِه من عالم العلامات الفاخرة؟
تجربتي مع «بولغري» كانت مذهلة ومن أجمل التجارب تعلمت فيها البساطة في الفخامة وقيمة المنتج والإنتاج وقيمة العميل كذلك . رأيت مجتمعا من عالم آخر بالمعنى الحرفي من المجتمعات المخملية وكيفية التعامل مع هذه الطبقة سواء من المنظور المهني أو الشخصي
كيف أثّرت الغربة في تشكيل ذوقك وهويتك الفنية بين روما وبرلين وكاسل؟
ألمانيا أثرت فيّ تأثيراً قويا، ابداع الموضة مع الموسيقى والتكنولوجيا واندماجها مع الأزياء وتأثير الموضة مع الحفاظ على البيئة
أما ايطاليا فتعتبر بلدي الثاني وهي التي دعمت

من ليبيا إلى فينيسيا
حلم الوصول إلى العالمية يمر عبر الوفاء للجذور
موهبتي وساعدتني على الظهور كمصممة أزياء عربية في إيطاليا، وأثبتت بالفعل هويتي التي هي خليط بين العربي والغربي من خلال إطلاق المجموعات والروابط الثقافية، أول مجموعة كانت مجموعة تاتا أطلقتها في رمضان 2024 و هي مستوحاة من الحضارة الفرعونيّة ودمجتها مع البساطة الغربية الهادئة والفاخرة من خلال اختياري للأقمشة الناعمة .
برأيك، هل للأزياء قدرة فعلية على تغيير الوعي تجاه قضايا المرأة والعنف ضدها؟
طبعا الأزياء هي وسيلة للتعبير عما نشعر به من مشاعر وأفكار على جميع المستويات الاجتماعية الاقتصادية والسياسية .. نحن مصممون أن ستخدم الأزياء لتحدي المعايير الاجتماعية ونقدم رسائل مباشرة ضد العنف للتمكين النسائي من خلال التصميمات.
كيف تجسّد علامتك “Zizi Abusalla” فكرة الجمال كقوة لا كزينة؟
علامتي «Zizi Abusalla» هي مزيج من (القوة والثقة والهدوء والأنوثة) . أؤمن بأن الأزياء ليست مجرد زينة، بل هي تعبير عن الذات وقدرة على إحداث التغيير. كل تصميم يحمل رسالة، ويهدف إلى تعزيز الوعي بقضايا المرأة، ليكون بمثابة أداة تمكين.
أريد أن أقول لكل امرأة ترتدي من «Zizi Abusalla» أن تشعر بالقوة والجمال في آن واحد، وأن تعبر عن هويتها بطريقة متميزة وأنيقة. لأنني أحب الجمال وكل شيء جميل أريد أن أقول إن الجمال من خلال علامتي هو رحلة نحو التغيير والتعبير عن الحب والثقة بالنفس.
ما الذي حاولتِ قوله من خلال مجموعة Be Yourself المستوحاة من مارلين مونرو؟
في مقدمة العرض قلت أنا ابنة الصحراء تعلمت أن أختار .. لا أخون ثقافتي بل أعيد كتابتها
لأن الإيمان ليس سجناً، والتقاليد ليست صمتاً
أسير بخطى واثقة، لأنني أعلم أن كل كلمة لي هي فرصة لامرأة أخرى.
أنا امرأة مسلمة، وأنا حرة.. ولا أطلب الإذن من أحد لأكون كذلك..
عبارة «أنا ابنة الصحراء» تعكس ارتباطي بجذوري وثقافتي.. من خلال مجموعة «Be Yourself» المستوحاة من مارلين مونرو، حاولت أن أقدم رسالة قوية تتعلق بالتحرر الشخصي والاحتفاء بالهوية الفردية. في مقدمة العرض، كان الهدف هو التأكيد على أهمية البقاء مخلصًا للذات، وعدم السماح للمعايير الاجتماعية أو التقاليد بتحديد من نكون.
أريد أن أقول لكل امرأة: كوني أنتِ، بكل تفاصيلك الفريدة، بغض النظر عن لونك أو شكل جسمك أو طولك.
ما الرسالة الإنسانية التي أردتِ إيصالها من مشاركتك في مهرجان الأزياء العالمي في ڤينيس؟
الرسالة الإنسانية أننا نحن من نصنع الجمال، وليس الجمال هو من يصنعنا. نحن قادرون على أن نكون ما نريد وأن نحقق أحلامنا. كما يمكننا أن نقول «لا» لما لا يناسبنا، وأن ننسى ما يؤلمنا لنبدأ من جديد. الأزياء ليست مجرد ملابس، بل هي تعبير عن الذات، عن القوة والحرية والتحدي .. أريد أن أُلهم الآخرين ليؤمنوا بأن لديهم القدرة على تغيير مسارات حياتهم وإحداث
تأثير إيجابي في حياتهم.
كيف توازنين بين الحس الجمالي والبعد الإنساني في تصاميمك؟
أحرص على أن تعكس كل قطعة قيمًا إنسانية، مثل الهوية والثقافة، وفي نفس الوقت تظل جذابة من الناحية البصرية .
هل يمكن القول إنكِ تضعين الأزياء في خانة “الفنّ الملتزم”؟
نعم، يمكنني القول إنني أضع الأزياء في خانة الفن الملتزم على سبيل المثال، عندما أستخدم أقمشة مستدامة أو أعمل على تصاميم تحتفل بالثقافات المختلفة، أكون بذلك أساهم في نشر الوعي حول قضايا البيئة والتنوع الثقافي، عندما أبتكر قطعًا تعكس تجارب النساء أو المجتمع، أعمل على تسليط الضوء على قضايا المرأة والمساواة. من خلال هذه الأمثلة، أظهر كيف يمكن للأزياء أن تكون وسيلة للتعبير عن القيم والمشاعر، مما يجعلها فنًا ملتزمًا.
من هي المرأة التي تصمّمين لها؟ ما ملامحها؟
أمي حبيبتي هي المرأة التي أُصمّم لها، فهي مصدر إلهامي. ملامحها تجمع بين الجمال الغربي والعربي، تتميز بذوقها الملكي والهادئ، الذي يعكس الأناقة والرقي . أسلوبها يعلمني الكثير عن كيفية دمج الثقافات المختلفة في التصاميم، مما يجعلني أستوحي منها في كل قطعة أعمل عليها.
كيف تتعاملين مع الصورة النمطية عن المرأة العربية في الغرب؟
أولاً الصورة النمطية في بعض الأحيان أو دائما ما تكون مبنية على معلومات سلبية، لهذا السبب أعمل على تقديم وجهات نظر إيجابية وواقعية عن المرأة العربية من خلال تجربتي الشخصية ومهاراتي.
أتعامل معها من خلال التواصل الفعّال ، أشارك قصصي وتجربتي في مجالات مختلفة، مثل العمل، الفن، أو التعليم، مما يساهم في تغيير الانطباعات السلبية ، كما أشارك في الفعاليات الثقافية التي تسلط الضوء على الثقافة العربية وتاريخها، مما يساعد على تعزيز الفهم والتقدير ،لذلك أسعى أن أكون نموذجًا يحتذى به، عندما أظهر القوة والإبداع والنجاح في مجالي، أساهم في تحطيم الصور النمطية السلبية وفي نهاية الأمر أن كل جهد يُبذل يمكن أن يُحدث فرقًا في كيفية رؤية الغرب للمرأة العربية.
في رأيك، هل يكفي أن يكون المصمم موهوبًا، أم عليه أن يكون صاحب فكر ورسالة أيضًا؟
يجب أن تكون لديه رسالة واضحة وصاحب هوية خاصة به. . ونصيحة لكل مصممي الأزياء أو الموهوبين أن يجتهدوا في تطوير أنفسهم.. من وجهة نظري الموهبة وحدها لا تكفي، لابد من الجهد والانضباط، نحن اليوم في وقت Ai والمصممون المحترفون استغنوا عن مساعد مصمم الأزياء بسبب وجود أدوات Ai فيجب علينا أن نسعى لتطوير

نحن من نصنع الجمال لا الجمال من يصنعنا
أنفسنا لتقوية مهاراتنا في جميع المجالات الأخرى .
كيف كانت ردود الفعل على مجموعتك الأخيرة في المهرجانات الأوروبية؟
أكثر من رائعة. الشعب الإيطالي كان في قمة الروعة حيث و بعد انتهاء المهرجان، كنت أرى الناس في الشارع ينادون باسمي، ويطلبون التقاط الصور معي. كانت صديقتي معي في تلك اللحظات، وعلقت قائلة: «لو لم أكن أرى ذلك بعيني، ما كنت لأصدق! كانت تجربة مليئة بالحب والدعم، وشعرت بالفخر الكبير لرؤية تقدير الناس لأعمالي.
بحكم خبرتك في العمل المصرفي، إلى أي مدى ساهمت الخلفية البنكية في صقل مهاراتك الإدارية والتسويقية، وساعدتك لاحقًا على العمل مع كبريات شركات الأزياء العالمية؟
كانت تجربتي في العمل المصرفي واحدة من أجمل المحطات في مسيرتي المهنية، بل يمكنني القول إنها كانت حجر الأساس لبداياتي. أتذكر أن مشروع التخرج من تخصص الإدارة والتسويق كان تطوير خدمات التسويق في المصارف العربية، عملي في المصرف ساهم بشكل كبير في صقل مهاراتي الإدارية والتسويقية، تعلمت كيفية إدارة العلاقات مع عالم الأعمال والعملاء بفعالية، بالإضافة إلى كيفية الحفاظ على التعاقدات مع الشركات الكبرى والبنوك والمؤسسات المالية بشكل مستمر، أعتبر نفسي محظوظة بتجربتي في البنك العربي الليبي الإيطالي “يوباي” في روما، حيث اكتسبت مهارات ذات قيمة كانت لها تأثيرات إيجابية على مسيرتي لاحقًا في العمل مع كبريات شركات
الأزياء أو غير الأزياء مثل الثقة والمعرفة الأوسع والريادة الاجتماعية وجمع البيانات مامتطلبات السوق؟ ماذا يحتاج ؟ ما الألوان المتفق عليها سنويا؟ ما الحلول؟ .. و أرى أن الانتقال من قطاع البنوك إلى عالم الأزياء قد أعطاني الخبرة في الإدارة المالية التي زودتني بأساس قوي لفهم ديناميكيات السوق وتحليل الاتجاهات بدقة.
هل ترين أن انتقالك من عالم البنوك إلى تصميم الأزياء منحك ميزة تنافسية في فهم السوق وإدارة العلامة التجارية مقارنة بخريجي تصميم الازياء التقليديين..؟
أعتقد أن خريجي تصميم الأزياء يركزون على الجوانب الإبداعية والفنية، شخصيتي إدارية عملية وأستطيع دمج هذه الإبداعات مع استراتيجيات تسويقية فعالة وإدارة مستدامة للعلامة الخاصة بي هذا المزيج منحني القدرة على التأني والتفكير بشكل أفضل في كل خطوة أتخذها في تطوير علامتي سواء التجارية أو الشخصية.
أخيرًا، ما الحلم القادم لزيزي أبوسلة؟ هل تخططين لعودة العرض في بلدك الأم ليبيا يومًا ما..؟
حلمي الوصول إلى العالمية بشكل أوسع لأنني أشعر حقًا أن اسمي وجهدي يستحقان ذلك.
بالطبع، إذا أُتيحت لي الفرصة، أود أن أعرض أزيائي على مستوى عالٍ في وطني الأم، و أتمنى أن تكون لدى ليبيا مواسم مميزة في عالم الأزياء، وأن نتمكن من تقديم تصاميم تبرز الثقافة والتراث الليبي على الصعيدين العربي والعالمي. أنا أؤمن أن هناك الكثير من الإمكانات في بلدي ليبيا وأرغب في أن أكون جزءًا من تلك الحركة.
Share this content: