لؤلؤة الصحراء وجاراتها في مهب العطش: هل يبتلع «الذهب الأزرق» مستقبل مربع واحات غدامس؟
تحقيق حصري لليبية: موسى ونتيتي

بينما تشق مياه الأعماق طريقها عبر أنابيب فولاذية عملاقة تحت رمال حوض غدامس الاستراتيجي، متجهة شمالًا لتغذية مدن الساحل الليبي ضمن مشروع النهر الصناعي، يواجه ما أسميته (مربع الواحات (-المنطقة الواقعة بين واحات غدامس وسيناون والجبال المحيطة بها – واقعًا مائيًا مقلقًا. هنا، لم يعد جفاف العيون مجرد ظاهرة بيئية، بل أصبح انعكاسًا لانكسار عميق في التاريخ الاجتماعي والبيئي للمنطقة.
صرخة من قلب «مربع العطش»

تصف الأستاذة فاطمة الثني، مديرة المركز الليبي لأبحاث التنمية المستدامة لمنطقة غدامس والمناطق المجاورة (آوال-درج-سيناون)، ومديرة إدارة الأبحاث والدراسات بالمركز التابع للهيئة الليبية للبحث العلمي، هذا الواقع بكلمات حازمة، قائلة: «إن ترك بشر وحيوانات وطيور وزرع وتربة دون مياه عذبة في مناطق هي في الأصل منابع للمياه، أمر لا يجوز قانوناً ولا إنسانياً من الجهات المعنية، فهناك حلول قائمة وممكنة، لكن لا أعرف لماذا لم يتم تطبيقها حتى الآن؟».
وتضيف الثني، التي تقود بحثاً متخصصاً حول الأزمة منذ نوفمبر الماضي: «المشكلة في البلديات الأربع كبيرة وتتطلب حلاً جذرياً، سواء من خلال الاستفادة من المياه الجوفية العميقة أو إعادة تغذية العيون المائية. الأمن المائي القومي لا ينبغي أن يُبنى على حساب تفريغ مناطق المنبع من مقومات حياتها». وحذرت الثني من تداعيات أخطر قائلة: «معظم المحاصيل الزراعية تتعرض للتلف بسبب نقص المياه، وتضطر المجالس البلدية الأربع إلى استيراد الخضروات، والسؤال: إلى متى سيظل الوضع على حاله؟ إن ضياع محاصيل استراتيجية مثل النخيل والترفاس لا يعني فقط خسارة محلية، بل ضياع فرصة عالمية».
غدامس: حين يصبح «الماء الصالح» عبئاً مالياً

في غدامس، يكتمل مشهد المعاناة الذي حذرت منه الثني؛ حيث يشير الناشط المدني علي سليمان (منظمة شباب غدامس) إلى أن المدينة تعاني أزمة متفاقمة نتيجة خروج ثلاثة آبار من أصل أربعة عن الخدمة. ويضيف سليمان: «ارتفاع ملوحة مياه المدينة مشكلة بيئية وصحية واقتصادية؛ فرغم أن محطات التحلية المنزلية تقدم حلاً، إلا أن تكلفتها المرتفعة تعوق الكثير من الأسر، مما يجعل المياه النظيفة حكراً على من يملك المال». وفي هذا السياق، تؤكد الثني على خطورة تلوث المياه بمياه الصرف الصحي في بعض الجهات نتيجة نقص الإمدادات، مما يسبب آثاراً نفسية وصحية وخيمة قد تظهر تبعاتها لسنوات.
درج: «الحزام الأخضر» الذي تحول إلى مقبرة للنخيل

في مدينة درج، يروي الأكاديمي عدنان عون الله مأساة الهوية التي تندثر: «مزارعنا كانت الرئة التي تتنفس بها درج، واليوم هذا الحزام يتمزق أمام أعيننا. بجفاف آخر العيون عام 2013، انتهت قصة مئات المزارع وتحول الأخضر إلى حطب يابس. نحن نواجه خطر الرحيل الحتمي، فأينما غاب الماء ارتحل الإنسان».
من جانبه، يضع المواطن أبوبكر الكرغلي الإصبع على الجرح التقني، موضحاً أن مشروع النهر لم يوفِ بوعوده التنموية نتيجة مركزية القرار وتغييب البلديات. ويؤكد الكرغلي أن الجفاف له أسباب مرُكبة، قائلاً: «تعطل مضخات آبار الشرب العامة أجبر السكان على حفر آبار خاصة، مما نضب المجاري المائية للعيون والنخيل.. وغياب حصة مائية للزراعة سيدفعنا نحو النزوح، فالماء هو أساس الاستقرار والأمن البيئي».

آوال وسيناون: العيش فوق «بحر مفقود»
في واحة «آوال»، يطرح المواطن ناصر زويلة تساؤلات مشروعة حول حق منطقته في التنمية المكانية، فبينما يرقب زحف الرمال نحو مزرعته، يقول: «نحن نعيش فوق خزان مائي استراتيجي، ومن حقنا كمواطنين أن نرى انعكاس هذه الثروة على واقعنا الخدمي؛ فواجب السلطات هو تأمين بنية تحتية تليق بموارد الأرض لضمان استمرار الحياة في هذه الواحات». لا يتوقف طموح ناصر عند إنقاذ الشجر، بل يمتد إلى استثمار هذه الوفرة المائية في تطوير المرافق الأساسية بما يحقق الاستقرار والعيش الكريم للأهالي.

أما في «سيناون»، الضلع الجنوبي لهذا المربع المنسي، فيرسم الناشط فاضل التواتي لوحة «كارثية» للواقع اليومي. المدينة التي يُفترض أن ترتوي من فتحات النهر الصناعي المجاورة لها، لا تزال رهينة «بئر وحيد» يعود تاريخ حفره إلى ستينيات القرن الماضي. ويقول التواتي: «بينما تمر أنابيب النهر العملاقة بالقرب من بيوتنا، نضطر لدفع 80 ديناراً ثمناً لصهريج المياه الواحد». هذا «العوز المائي» القسري ناتج عن تهالك شبكات الإمداد التي لم تعد تقوى على نقل الحياة، مما حوّل الحصول على الماء من «حق طبيعي» إلى «رفاهية مكلفة».


خاتمة: نداء العلم والواقع
تختتم الأستاذة فاطمة الثني رؤيتها بدعوة الأهالي والمجالس البلدية إلى إعداد مذكرات دورية وممنهجة لجهاز النهر الصناعي ووزارة الموارد المائية، مشددة على أن الاستغلال غير المتوازن للمياه الأحفورية غير المتجددة في حوض غدامس قد يؤدي إلى نتائج غير قابلة للعكس، من بينها اختفاء العيون المائية نهائياً وتهجير المجتمعات المحلية فيما يُعرف بـ «الهجرة البيئية».
بين صمت العيون التي جفت في وادي غدامس، وصخب المياه المتدفقة شمالاً عبر الأنابيب، يبقى السؤال: هل تنجح الخطط القادمة في إنصاف مناطق المنبع، أم سيسجل التاريخ أن الذهب الأزرق مرّ من تحت أقدامهم… وترك وراءه سراباً؟
تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR
Share this content: