×

وداع‭ ‬مؤجل‭ ‬بضغطة‭ ‬زر

وداع‭ ‬مؤجل‭ ‬بضغطة‭ ‬زر

لماذا‭ ‬يحتفظ‭ ‬الليبيون‭ ‬

بأرقام‭ ‬الهواتف‭ ‬الميتة‭ ‬؟

أسماء‭ ‬قريبات‭  ‬لا‭ ‬نكلمهن‭ ‬لكن‭ ‬مسحهن‭ ‬حرام‭ ‬شرعاً‭ !

لم‭ ‬تعد‭ ‬هواتفنا‭ ‬مجرد‭ ‬أدوات‭ ‬للتواصل،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬إلى‭ ‬ذاكرة‭ ‬رقمية‭ ‬موازية‭ ‬لحياتنا‭.‬

‭ ‬ففي‭ ‬قوائم‭ ‬الاتصال‭ ‬تختبئ‭ ‬أسماء‭ ‬لا‭ ‬نتصل‭ ‬بها،‭ ‬وأرقام‭ ‬صامتة‭ ‬لم‭ ‬تُستخدم‭ ‬منذ‭ ‬سنوات،‭ ‬لكنها‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬حاضرة،‭ ‬عصيّة‭ ‬على‭ ‬الحذف،‭ ‬رغم‭ ‬غياب‭ ‬أصحابها‭.‬

هذا‭ ‬الاستطلاع‭ ‬لا‭ ‬يسأل‭ ‬عن‭ ‬الأصدقاء‭ ‬أو‭ ‬العلاقات‭ ‬النشطة،‭ ‬بل‭ ‬يقترب‭ ‬من‭ ‬تلك‭ ‬الأرقام‭ ‬التي‭ ‬بقيت‭ ‬شاهدة‭ ‬رغم‭ ‬انقطاع‭ ‬الاتصال،‭ ‬محاولًا‭ ‬فهم‭ ‬الدوافع‭ ‬الإنسانية‭ ‬والنفسية‭ ‬وراء‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بها‭.‬

‭ ‬وهو‭ ‬موجّه‭ ‬إلى‭ ‬جمهور‭ ‬واسع‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الأعمار‭ ‬والمهن،‭ ‬بهدف‭ ‬رصد‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬الإنسان‭ ‬وذاكرته‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬اجتماعي‭

‬أرقام‭ ‬لاتمحى‭ ‬لأنها‭ ‬تذكرنا‭ ‬بمن‭ ‬كنا‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تفسدنا‭ ‬الحياة‭!‬

<< استطلاع‭ :  ‬معمر‭ ‬سلام

جاءت‭ ‬محاور‭ ‬هذا‭ ‬الاستطلاع‭ ‬في‭ ‬شكل‭ ‬أسئلة‭ ‬طُرحت‭ ‬على‭ ‬جمهور‭ ‬من‭ ‬مختلف‭ ‬الفئات‭ ‬العمرية‭ ‬والاجتماعية،‭ ‬من‭ ‬بينها‭:‬

‭-‬هل‭ ‬توجد‭ ‬في‭ ‬هاتفك‭ ‬أرقام‭ ‬مخزنة‭ ‬لأشخاص‭ ‬لا‭ ‬تتواصل‭ ‬معهم‭ ‬منذ‭ ‬فترة‭ ‬طويلة؟

‭-‬منذ‭ ‬متى‭ ‬تقريبًا‭ ‬لم‭ ‬تستخدم‭ ‬أقدم‭ ‬رقم‭ ‬ما‭ ‬زلت‭ ‬تحتفظ‭ ‬به؟

‭-‬هل‭ ‬تحتفظ‭ ‬في‭ ‬هاتفك‭ ‬برقم‭ ‬شخص‭ ‬رحل‭ ‬عن‭ ‬عالمنا‭ ‬وترفض‭ ‬حذفه؟

‭-‬ماذا‭ ‬يمثّل‭ ‬لك‭ ‬وجود‭ ‬اسمه‭ ‬في‭ ‬قائمة‭ ‬الاتصال‭ ‬حتى‭ ‬اليوم؟

‭-‬برأيك،‭ ‬هل‭ ‬حذف‭ ‬الرقم‭ ‬يجعلك‭ ‬تشعر‭ ‬بأنك‭ ‬تنسى‭ ‬الشخص‭ ‬أو‭ ‬تتخلى‭ ‬عن‭ ‬ذكراه؟‭ ‬ولماذا؟

‭-‬هل‭ ‬صادفت‭ ‬في‭ ‬هاتفك‭ ‬رقمًا‭ ‬مخزنًا‭ ‬باسم‭ ‬غريب‭ ‬أو‭ ‬مرتبط‭ ‬بموقف‭ ‬عابر؟

‭-‬ما‭ ‬قصة‭ ‬أغرب‭ ‬رقم‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬محفوظًا‭ ‬لديك‭ ‬رغم‭ ‬أنك‭ ‬لا‭ ‬تحتاجه‭ ‬اليوم؟

‭-‬متى‭ ‬تشعر‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬لحذف‭ ‬رقم‭ ‬ما‭ ‬من‭ ‬هاتفك؟

‭-‬هل‭ ‬تقوم‭ ‬بتصفية‭ ‬دورية‭ ‬لقائمة‭ ‬الاتصال،‭ ‬أم‭ ‬نادرًا‭ ‬ما‭ ‬تحذف‭ ‬الأرقام؟

‭-‬برأيك،‭ ‬هل‭ ‬حذف‭ ‬رقم‭ ‬من‭ ‬الهاتف‭ ‬أسهل‭ ‬أم‭ ‬أصعب‭ ‬من‭ ‬حذف‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬الذاكرة؟‭ ‬ولماذا؟

منال.. ‬موظفة‭ ‬إدارية‭ .. ‬30‭ ‬سنة

‮«‬أحتفظ‭ ‬برقم‭ ‬صديقة‭ ‬دراسة‭ ‬من‭ ‬أيام‭ ‬الجامعة،‭ ‬رغم‭ ‬أننا‭ ‬لم‭ ‬نتواصل‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭. ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬أفكر‭ ‬في‭ ‬حذفه‭ ‬أتراجع،‭ ‬لأنني‭ ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬الحذف‭ ‬يعني‭ ‬انتهاء‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬بالكامل،‭ ‬مع‭ ‬أنها‭ ‬كانت‭ ‬من‭ ‬أجمل‭ ‬فترات‭ ‬حياتي‭. ‬لذلك‭ ‬أتركه‭ ‬كما‭ ‬هو‭.‬‮»‬

مسعود‭ ‬–‭ ‬متقاعد‭ ‬–‭ ‬66‭ ‬سنة

‮«‬في‭ ‬هاتفي‭ ‬رقم‭ ‬أخي‭ ‬رحمه‭ ‬الله،‭ ‬ولم‭ ‬أفكر‭ ‬يومًا‭ ‬في‭ ‬حذفه‭. ‬وجود‭ ‬اسمه‭ ‬وحده‭ ‬يكفيني‭. ‬ربما‭ ‬لا‭ ‬أتصل‭ ‬به،‭ ‬لكن‭ ‬بقاء‭ ‬الرقم‭ ‬يشعرني‭ ‬بأنه‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬قريبًا‭ ‬مني،‭ ‬ولو‭ ‬بشكل‭ ‬رمزي‭.‬‮»‬

سالم‭ ‬–‭ ‬سائق‭ ‬–‭ ‬42‭ ‬سنة

‮«‬لدي‭ ‬أرقام‭ ‬أشخاص‭ ‬لا‭ ‬أحبهم،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك‭ ‬أحتفظ‭ ‬بها‭ ‬حتى‭ ‬أعرف‭ ‬المتصل‭ ‬ولا‭ ‬أجيب‭. ‬الهاتف‭ ‬ليس‭ ‬للعاطفة‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يحتاج‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬الحذر‭.‬‮»‬

هبة‭ ‬–‭ ‬طالبة‭ ‬جامعية‭ ‬–‭ ‬22‭ ‬سنة

‮«‬وجدت‭ ‬في‭ ‬هاتفي‭ ‬رقمًا‭ ‬مسجلًا‭ ‬باسم‭: (‬بيتزا‭ ‬نابولي‭ ‬2019‭)‬،‭ ‬ولا‭ ‬أعرف‭ ‬حتى‭ ‬صاحبه‭. ‬كلما‭ ‬رأيته‭ ‬أضحك‭ ‬وأتعجب‭ ‬كيف‭ ‬بقي،‭ ‬لكنني‭ ‬تركته‭ ‬للذكرى‭ ‬لا‭ ‬أكثر‭.‬‮»‬

فاطمة‭ ‬–‭ ‬ربة‭ ‬بيت‭ ‬–‭ ‬51‭ ‬سنة

‮«‬هناك‭ ‬أرقام‭ ‬قريبات‭ ‬لا‭ ‬نتواصل‭ ‬كثيرًا،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬حذفها‭. ‬في‭ ‬مجتمعنا‭ ‬صلة‭ ‬الرحم‭ ‬مهمة،‭ ‬حتى‭ ‬وإن‭ ‬غاب‭ ‬التواصل‭. ‬ربما‭ ‬يأتي‭ ‬يوم‭ ‬

إنها‭ ‬حقيبة‭ ‬ذكريات‭ ‬ترفض‭ ‬الإغلاق‭

حتاج‭ ‬فيه‭ ‬إلى‭ ‬العودة‭ ‬إليهن‭.‬‮»‬

أيمن‭ ‬–‭ ‬موظف‭ ‬في‭ ‬القطاع‭ ‬الخاص‭ ‬–‭ ‬37‭ ‬سنة

‮«‬لا‭ ‬أحب‭ ‬الحذف‭ ‬كثيرًا‭. ‬أرى‭ ‬الهاتف‭ ‬كأنه‭ ‬أرشيف‭ ‬يضم‭ ‬أشخاصًا‭ ‬عملنا‭ ‬معًا،‭ ‬وسافرنا،‭ ‬وتعبنا‭. ‬حتى‭ ‬لو‭ ‬انتهت‭ ‬العلاقة،‭ ‬يبقى‭ ‬الرقم‭ ‬شاهدًا‭ ‬على‭ ‬مرحلة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬حياتي‭.‬‮»‬

رقية‭ ‬–‭ ‬معلمة‭ ‬–‭ ‬35‭ ‬سنة

‮«‬أحتفظ‭ ‬برقم‭ ‬طالبة‭ ‬درستها‭ ‬منذ‭ ‬سنوات‭. ‬كبرت‭ ‬وانقطعت‭ ‬أخبارها،‭ ‬لكن‭ ‬اسمها‭ ‬ما‭ ‬زال‭ ‬في‭ ‬هاتفي‭. ‬أشعر‭ ‬أنه‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬رحلتي‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬وليس‭ ‬مجرد‭ ‬رقم‭.‬‮»‬

عبدالسلام‭ ‬–‭ ‬تاجر‭ ‬–‭ ‬48‭ ‬سنة

‮«‬أغلب‭ ‬الأرقام‭ ‬القديمة‭ ‬أحتفظ‭ ‬بها‭ ‬بدافع‭ ‬المصلحة‭. ‬السوق‭ ‬علّمنا‭ ‬ألا‭ ‬نحرق‭ ‬الجسور،‭ ‬فحتى‭ ‬دون‭ ‬تواصل،‭ ‬قد‭ ‬يفتح‭ ‬الرقم‭ ‬بابًا‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬الحاجة‭.‬‮»‬

مريم‭ ‬–‭ ‬خريجة‭ ‬جديدة‭ ‬–‭ ‬24‭ ‬سنة

‮«‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬أقرر‭ ‬ترتيب‭ ‬الهاتف،‭ ‬لا‭ ‬يحدث‭ ‬شيء‭. ‬أشعر‭ ‬أن‭ ‬حذف‭ ‬الأرقام‭ ‬قسوة‭ ‬على‭ ‬الماضي،‭ ‬وأنا‭ ‬لم‭ ‬أنضج‭ ‬بعد‭ ‬بما‭ ‬يكفي‭ ‬لإغلاقه‭.‬‮»‬

فرج‭ ‬–‭ ‬عامل‭ ‬صيانة‭ ‬–‭ ‬39‭ ‬سنة

‮«‬لدي‭ ‬رقم‭ ‬مسجل‭ ‬باسم‭: (‬كهربائي‭ ‬الجبل‭ ‬2017‭)‬،‭ ‬ولا‭ ‬أتذكر‭ ‬أين‭ ‬تعرفت‭ ‬عليه‭. ‬أبقيته،‭ ‬فقد‭ ‬أحتاجه‭ ‬فجأة،‭ ‬كما‭ ‬أن‭ ‬اسمه‭ ‬يضحكني‭ ‬كل‭ ‬مرة‭.‬‮»‬

خديجة‭ ‬–‭ ‬موظفة‭ ‬بلدية‭ ‬–‭ ‬57‭ ‬سنة

‮«‬أحتفظ‭ ‬بأرقام‭ ‬نساء‭ ‬من‭ ‬الحي‭ ‬القديم‭. ‬فرّقتنا‭ ‬الحياة،‭ ‬لكنني‭ ‬لا‭ ‬أستطيع‭ ‬حذفهن‭. ‬الأسماء‭ ‬في‭ ‬الهاتف‭ ‬تذكرني‭ ‬بأيام‭ ‬كانت‭ ‬أبسط‭.‬‮»‬

نزار‬–‭ ‬مهندس-ةنس 29‬–‭ 

‮«‬أحب‭ ‬النظام،‭ ‬لكن‭ ‬هناك‭ ‬أرقام‭ ‬لم‭ ‬أستطع‭ ‬حذفها‭. ‬ليس‭ ‬لأننا‭ ‬سنعود‭ ‬للتواصل،‭ ‬بل‭ ‬لأنها‭ ‬تذكرني‭ ‬بالشخص‭ ‬الذي‭ ‬كنت‭ ‬عليه‭ ‬في‭ ‬الماضي‭.‬‮»‬

تظهر‭ ‬نتائج‭ ‬هذا‭ ‬الاستطلاع‭ ‬أن‭ ‬قائمة‭ ‬الاتصال‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬وسيلة‭ ‬للتواصل،‭ ‬بل‭ ‬تحوّلت‭ ‬إلى‭ ‬سجل‭ ‬شخصي‭ ‬صامت‭ ‬لمسارات‭ ‬الحياة‭. ‬بين‭ ‬اسم‭ ‬قريب‭ ‬راحل،‭ ‬أو‭ ‬صديق‭ ‬فرّقته‭ ‬الظروف،‭ ‬أو‭ ‬رقم‭ ‬ارتبط‭ ‬بمرحلة‭ ‬عمل‭ ‬أو‭ ‬سفر،‭ ‬تحتفظ‭ ‬الهواتف‭ ‬بذاكرة‭ ‬لا‭ ‬يطالها‭ ‬الحذف‭ ‬بسهولة‭.‬

وفي‭ ‬مجتمع‭ ‬تحكمه‭ ‬الروابط‭ ‬العائلية‭ ‬والودّ‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬يبدو‭ ‬الاحتفاظ‭ ‬بالأرقام‭ ‬تعبيرًا‭ ‬عن‭ ‬الوفاء‭ ‬أكثر‭ ‬منه‭ ‬كسلًا‭ ‬رقميًا،‭ ‬ومحاولة‭ ‬غير‭ ‬معلنة‭ ‬للإبقاء‭ ‬على‭ ‬أثر‭ ‬العلاقة،‭ ‬حتى‭ ‬بعد‭ ‬انقطاعها‭. ‬فالحذف،‭ ‬في‭ ‬نظر‭ ‬كثيرين،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬ضغط‭ ‬زر،‭ ‬بل‭ ‬اعتراف‭ ‬بانتهاء‭ ‬دور‭ ‬شخص‭ ‬أو‭ ‬مرحلة‭.. ‬هكذا‭ ‬تتحوّل‭ ‬الأرقام‭ ‬الصامتة‭ ‬إلى‭ ‬شواهد‭ ‬صغيرة‭ ‬على‭ ‬علاقات‭ ‬صنعتنا،‭ ‬وذكريات‭ ‬نؤجل‭ ‬وداعها،‭ ‬في‭ ‬انتظار‭ ‬لحظة‭ ‬نشعر‭ ‬فيها‭ ‬أن‭ ‬الذاكرة‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬دليل‭ ‬رقمي‭ ‬يذكّرها‭.‬

Share this content: