هشاشة الأطفال المهاجرين وظروف الهجرة وانعدام المعيل

تقرير خاص :عزيزة محمد حسين
ليست هذه القصة عن مدينة بعينها، ولا عن فقرٍ عام، بل عن أطفالٍ مهاجرين وجدوا أنفسهم خارج أوطانهم، بلا معيل، وبلا حماية، بعد أن دفعتهم ظروف قاسية في بلدانهم الأصلية إلى البحث عن فرص حياة أفضل.
في شوارع سبها، يظهر هؤلاء الأطفال يوميًا بملامح متشابهة: صِغر السن، غياب الأسرة، واعتماد كامل على الشارع كمصدر وحيد للبقاء. التسوّل، والعمل الهش، والتنقّل المستمر بين الأرصفة والمطاعم والاسواق ، ليست خيارات، بل نتائج مباشرة لانعدام أي شبكة حماية اجتماعية أو قانونية تحيط بهم.
حالة هؤلاء الأطفال ليست فردية، بل جزء من واقع أوسع يواجهه الأطفال المهاجرون من النيجر وجنوب السودان ودول إفريقية أخرى، حيث تصبح الطفولة عبئًا يجب أن يتحمّله الطفل نفسه في غياب أي معيل أو حماية قانونية. هنا، لا يصبح الشارع مجرد نتيجة فقر محلي، بل محطة أخيرة في مسار هجرة محفوف بالمخاطر، يدفع ثمنه الأطفال الذين لم يشاركوا في قرار الرحيل، ولا يملكون القدرة على العودة، ولا يجدون من يتكفّل بحمايتهم.
نبدأ بقصة دايو ستة أعوام ، الذي يتواجد يومياً على أرصفة الطريق، ويركز نشاطهالمعتاد من امام مطعم الشجرة، بحي قعيد في سبها
وعندما قابلت أم الطفل دايو ذو الستة أعوام، والذي تابعتُه لمدة أكثر من شهر يتسول كل يوم أمام مطعم الشجرة بمنطقة القعيد، الحي الثالث بمدينة سبها، كان المشهد يحكي واقعًا صعبًا. المطاعم الرخيصة في المنطقة تشهد حركة مستمرة، ودايو يتجول بين الطاولات مع أطفال آخرين من زملائه في التسول، محاولًا جمع ما يكفي لتأمين أبسط احتياجاته اليومية: الخبز.
يجد الأطفال أحيانًا من يعطيهم ما تبقى من وجبة طعام، يركضون إليها بسرعة لتناولها بأيديهم المتسخة، ليتجاوزوا ولو جزءًا من جوعهم اليومي.
سألت والدته: لماذا تتركينه هنا كل يوم حتى الليل؟
أجابت بوجه يحمل الحزن والخوف: أنا هنا عندي ثمان سنوات، وفي كل مرة مع مجموعة جديدة من نساء أفريقيات أخريات. نحن جئنا هنا معًا لنذهب إلى أوروبا، لكن لم نحصل على المال الكافي. نحن نسكن في مجموعات، في كراج غير صالح للسكن، نحن أكثر من 28 شخصًا في مكان فيه حمام واحد، وكل واحد يجب أن يدفع 80 دينارًا شهريًا. لا يوجد عمل ثابت، وأنا أعمل في في بعض الاحيان كخادمة نظافة لكن لا اجد في احياناً كثيرة ما يكفي، لهذا يجب على طفلي دايو أن يجلب المال، حتى ولو قليلًا ليأكل الخبز. حتى 5 دينار في اليوم، لا نحصل على طعام.
عندما سُئلت عن حل في حال لم تجد أي فرصة، قالت بصوت خافت: أنا مثل باقي النساء من النيجر هنا لا نملك اي حل، نحن هنا الآن، وما زلنا نحاول إيجاد عمل. قالت هذه الكلمات بصعوبة بالغة.
بينما الحزن في عينيها، وخوفها على طفلها، تعكس واقعًا إنسانيًا قاسيًا: طفولة تحولت إلى واجب للبقاء، ومسؤولية الطفل عن تأمين لقمة العيش في غياب المعيل.
قصة : زرّة، طفلة النيجر أمام عيادة العافية
في الشارع الضيق والمزدحم أمام عيادة العافية بمنطقة القرضة، تقف زرّة، طفلة لم تتجاوز الثامنة، كل صباح قبل أن تمتلئ الشوارع بالحركة. كانت تمد يدها للمارّة، تبحث عن أي قطعة نقدية لتخفف عنها جوع يوم طويل في شتاء قارس.
تحت قطعة قماش خفيفة لا تقيها البرد، كانت أصابعها الصغيرة ملتفة حول يد أخيها الأصغر، وعيناها الداكنتان تتبعان الداخلين والخارجين بصمت، وكأنها تعتذر عن وجودها في هذا المكان.
زرّة واحدة من أطفال كثيرين جاؤوا من النيجر ودول إفريقية أخرى، لكن قصتها تحمل ملامح بلدها بوضوح: الجوع، الفقر، وغياب أي معيل يحميها. كل يوم تواجه المخاطر وحدها مع أشقائها، بلا مأوى آمن أو رعاية صحية، وتحمل مسؤولية البقاء على قيد الحياة قبل أن تبدأ طفولتها الحقيقية.
المجتمع المدني في سبها: ظاهرة الأطفال المهاجرين بلا معيل تتطلب حلولاً عاجلة ومعالجة جذرية

قالت أميرة نوري، ناشطة مدنية في الاتحاد النسائي الليبي بالجنوب بمدينة سبها منذ سنة 2012: من خلال العمل الميداني اليومي يمكنني القول إن ظاهرة الأطفال المهاجرين بلا معيل في الجنوب الليبي وبالأخص في سبها هي ظاهرة متزايدة ومقلقة. هؤلاء الأطفال أصبحوا جزءا من المشهد اليومي في الشارع، يعملون في أعمال هشة أو يعيشون في أماكن غير آمنة دون أي شكل من أشكال الحماية الأسرية أو القانونية. وأضافت تدخلات منظمات المجتمع ق بالدرجة الأولى ومحدودة بالإمكانات المتاحة، وتشمل تقديم مساعدات غذائية وملابس ودعم نفسي اجتماعي وأحيانا إحالات صحية أو محاولات لإدماجهم في مساحات آمنة مؤقتة. هذه التدخلات مهمة لكنها غير كافية لأنها لا تعالج جذور المشكلة ولا توفر حماية مستدامة. وأوضحت أن من أبرز التحديات الميدانية صعوبة الوصول إلى هؤلاء الأطفال بسبب تنقلهم المستمر والخوف وعدم الثقة بالجهات العاملة، إلى جانب التحديات الأمنية والضغط المجتمعي ونقص الموارد البشرية والمالية. كما أن الاستمرارية في الدعم تبقى تحديا كبيرا في ظل غياب إطار مؤسسي واضح للتعامل مع هذه الفئة. وأشارت إلى أنهم يعتمدون في جزء كبير من عملهم على الشراكات مع المنظمات الدولية سواء في الدعم الفني أو التمويل أو بناء القدرات. هذه الشراكات ضرورية لكنها أحيانا تخضع لأطر زمنية قصيرة ولا تغطي كل الاحتياجات الميدانية الفعلية، وبما لا يتعارض مع القانون الليبي. وأكدت التعامل الجاد مع هذه الظاهرة يتطلب بشكل أساسي وجود وتفعيل دور الجهات الأمنية المختصة ذات العلاقة بهذه القضايا. فلا يمكن حماية الأطفال المهاجرين بلا معيل دون إطار أمني واضح يضمن حمايتهم من الاستغلال والاتجار والعنف ويضبط عمليات النقل والإيواء ويكمل دور المجتمع المدني ضمن منظومة حماية متكاملة. ونوهت إلى أن الحلول العاجلة والواقعية التي يرونها ممكنة هي إنشاء مساحات آمنة مؤقتة مخصصة للأطفال المهاجرين بلا معيل، توفير دعم نفسي واجتماعي مستمر لهم, تفعيل آليات الحماية المجتمعية، إشراك البلديات والقيادات المحلية، وتنسيق الجهود مع الجهات الأمنية ذات العلاقة، وبناء نظام إحالة واضح بين المجتمع المدني والجهات الرسمية. هذه الخطوات قد لا تكون حلولاً جذرية لكنها ضرورية لحماية هؤلاء الأطفال من الاستغلال والعنف، ومنحهم الحد الأدنى من الكرامة والأمان في واقع شديد القسوة.
الرأي القانوني

قال إبراهيم كاري كوري كانتي، مدير المجلس الوطني للحريات وحقوق الإنسان مكتب القطرون، إن الوضع القانوني للأطفال المتسولين من دول المهاجرين يختلف باختلاف القوانين والتشريعات المحلية في كل دولة.
وبيّن أن التسول يُعد في العديد من الدول جريمة، وقد يتعرض الأطفال المتسولون للاعتقال والمحاكمة، موضحًا أنه في المقابل توجد أيضًا قوانين وسياسات تهدف إلى حماية الأطفال المتسولين وتوفير الدعم لهم.
وأوضح أن من ضمن هذه القوانين قوانين حماية الطفل، لافتًا إلى أنه في كل دولة يوجد قانون خاص لحماية الأطفال من الاستغلال والعنف، كما أشار إلى وجود الاتفاقيات الدولية، من ضمنها الاتفاقية الدولية لحقوق الأطفال، مؤكدًا أن ليبيا من ضمن الدول الموقعة على هذه الاتفاقية.
الرأي الاجتماعي النفسي

قالت عائشة بن يحمد، أخصائية اجتماعية، إن من أبرز الآثار النفسية التي يتسبب فيها الجنوح بالأطفال المهاجرين في الشوارع الليبية ظواهر كثيرة، منها الخوف الدائم من المجهول، والقلق، والاكتئاب، والرغبة في البكاء لأتفه الأسباب، أو العكس بمعنى القساوة في القلب وعدم التأثر بالمشاعر لدى الآخرين، إلى جانب الشعور الدائم بالدونية.
وبيّنت أن الاقتراح الوحيد في مثل هذه الحالات هو مخاطبة الجهات الرسمية في دولهم الأساسية في هذا الشأن، إما بتسفيرهم إلى بلدانهم وفتح فرص عمل أمامهم، أو فتح المجال أمامهم لتعلّم حِرف تكفل لهم العيش الكريم.
هشاشة الطفولة بين الهجرة وانعدام المعيل
قصتا دايو وزرّة ليستا استثناءً؛ هما جزء من واقع أوسع يواجهه الأطفال المهاجرون بلا معيل. هذه الحالات تبرز هشاشة الطفولة، وظروف الهجرة التي تُجبر الأطفال على العمل، التسوّل، وتحمل مسؤوليات أكبر من سنّهم، في ظل غياب أي شبكة حماية اجتماعية أو قانونية.
الهجرة بحثًا عن سبل العيش ليست خيارًا بريئًا للأطفال، بل واقع يفرض عليهم التكيف مع ظروف قاسية. الأطفال يعيشون بين حدود غير رسمية، بلا وطن فعلي، وبلا طفولة مكتملة، ويحتاجون إلى سياسات حماية، دعم إنساني، ورصد قانوني واضح يضمن لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة، والأمان، والتعليم، والرعاية الصحية.
تم انتاج هذه المادة الصحفية بدعم من صحفيون من أجل حقوق الإنسان JHR
Share this content: