نحن كائنـــات مرئيـــــة !
نساء الريف.. عمق الوطن لا هامشه
على أطراف الوطن، حيث تنقطع الكهرباء قبل أن تصل الأحلام، وتتعثر المياه كما تتعثر حقوق النساء، تعيش نساء ريفيات ليبيات في صمت يشبه المنفى.
هنا، لا تصل الدولة إلا في نشرة الأخبار، ولا تُرى المرأة إلا كظل يُطالب بأن يكون طيفًا..
من رحم هذا الصمت، ولدت هذه القصص…
لم أختر أن أكون شاهدة، بل فُرض على أن أسمع..بلا نية مسبقة، التقيت بهن في مستشفيات، وعند أبواب عيادات، وفي أسواق البلدة، وفي قاعات انتظار لا تنتظر فيها إلا الخيبة.. لم أكن صحافية آنذاك، فقط إنسانة تجلس على البلاط البارد، تستمع.. واليوم أكتب، لأن ما سمعته لم يعد يحتمل الصمت.
أصوات منسية في زمن مُسَجّل
رابعة .. من شعواء، جنوب بني وليد
«كل ولاداتي صارت في البيت… مرات حتى القابلة تجي بلا قفازات. وتقول لي: استعيني بالله يا بنتي، البدو ما يحبوش المرأة الضعيفة .» .. تقولها رابعة، وهى تسرد بحزن عميق كأنها تحاول أن تُصلح شقًّا في جدار بيتها بيديها وهى تنظر للسقف .

سبعة أطفال أنجبتهم في بيت بلا باب
وبلا مـــاء جــارٍ، وبلا مــركــــز صحــــي
في شعواء، ما زالت المرأة تقطع كيلومترات على قدميها لتبحث عن «قابلة»، ثم تُجبر على الولادة تحت ضوء شمعة قد تنطفئ في منتصف الصرخة.
اليوم كبرت جداً تعودت أن أكون قوية لكن عندما
أنظر من الشباك إلى العالم الذى هنا فى طرابلس أشعر بالفرق الكبير فى كل شيء كأننا من عالم وهم من عالم آخر .
أين العادلـــة .. دفتــــرُ أحلامٍ احتـــرق
سعاد .. من تاجوراء السفلى
سعاد تجاوزت الخمسين، أرملة، ترعى أبناءها الستة. كانت تكتب الشعر سرًّا في دفتر صغير، حتى أحرقه شقيقها وقال: «الشعر ما يليقش بالمرة!».
تسقي الزرع، تجمع الحطب، وتخبز فوق الجمر، لكن لا أحد يسأل عن قلبها.
تقول: «أنا إنسانة مش بس مرا ريفية، نحلم ونتعب ونحزن… بس وين القانون؟ وين الدولة؟»
التقيت بها في قسم الأورام بمصراتة، ترافق ابنتها
المُنهكة… لكنها لم تشتكِ من المرض، بل من الحياة

المدرسة حلمٌ مؤجل… والزواج قدر محتوم
منى .. من ضواحي بني وليد بمنطقة تيني ناي
بنتها «هاجر» تركت الدراسة في المرحلة الإعدادية. تقول منى: «كل من يخطبها يقول ما قريتش، زينة لدارها… أما لو قرت، يقولوا ضاعت!».
تعيش منى بين مطرقة العادات وسندان الخوف، تخشى أن يتكرر مصيرها مع بناتها.. قصة «هاجر» ليست استثناءً، بل قاعدة غير مكتوبة في معظم دواخل ليبيا، حيث يُختزل التعليم في كونه خطرًا على «سمعة البنت»، ويُقدَّم الزواج كدرع يقي من «الكلام».

لا عيادة ولا إسعاف
الحاجة رجعة .. من مسلاتة
منذ 2011 أُغلق المركز الصحي في حيها، وتحول إلى أطلال. «لو مرضنا، نمشوا طرابلس. أو نتوجه إلى مدينة الخمس والمستشفى التعليمي الذي بالكاد يكفي مدينته .. وإذا السيارة خربت، نرجع بلا علاج»، تقول جميلة، وهي تتابع ضغطها المرتفع بمبادرات تطوعية.
أما ابنها، فكان يحملها على ظهره مسافة 2 كلم للوصول إلى أقرب نقطة مواصلات.
لم تكن الأزمة فقط في الخدمات، بل في الإحساس باللاجدوى: «الدوا موجود… بس كيف نوصل له؟ ما فيش طريق، ما فيش اهتمام».
تخيط للعرس وهي تبكي
خديجة .. من ريف مسلاتة
عمرها 15 سنة حين بدأت تخيط «ملايات» زفافها.. كانت تبكي في كل غرزة، بينما أمها تقول لها: «لازم تفرحي».
كانت تحلم أن تصبح معلمة، تكتب اسمها على السبورة، لا في دفتر العائلة.. الآن، تخدم حماتها، وتعيش في «حوش العيلة» وكأنها أجيرة.
قالت لي بصوت خافت: «ضاعت أحلامي وسط خريف جاف، وناس تفكر بقلب ميت».
اليوم بين أمومة قصرية وحلم ضائع تتنهد الألم فى صمت بين المرض ومقاومة حياتها مجبرة.
«الستر» الذي يخنق
الحاج محمد .. من سوق الخميس :
«عرّست ببناتي باش نسترهن، مش لازم يقرن»، قالها الحاج محمد وهو يفتخر بأنه «جنبهن الكلام».
لكن ابنته الكبرى، نظرت إلىّ بعينين حائرتين وقالت: «الستر الحقيقي هو لما نختار حياتنا، مش لما يختارونا لها».
ثلاث شقيقات، وجوههن متشابهة في الصمت، لا فرح، ولا رفض… فقط انكسار.

دارنا سقطت وأنا واقفة
جميلة .. من ورفلة
أرملة، وأم لأربعة أطفال، تهدمت دارها في سيل 2022... عاشت عامًا في خيمة، تقول: «الشتا ينزل علينا، وكل ليلة نقول: ربي، عدي هالليلة».
نُقلت مؤخرًا للعلاج في طرابلس، وهناك وجدت سريرًا نظيفًا وطعامًا ساخنًا.. تقول بحرقة: «بديت نتمنى نمرض باش نعيش شوية
كرامة… تاري المرض أرحم من الحياة برا».
فاطمة … من وادي عتبة
تحلم أن تصبح «قابلة قانونية»، لكنها تمشي ساعة كل يوم إلى المدرسة، وأحيانًا بحذاء ممزق .
تقول : شقيقها يقول :- «المدرسة تخرّب البنات».
رغم فقرها، تحتفظ فاطمة بكراسة نظيفة، تكتب فيها: «نحب نساعد المراة وأن تولد في أمان».
من الظل إلى الصفحة الأولى
ليست هذه القصص حكايات تعاطف، بل وثائق لواقعٍ غائب في أرشيف الدولة.
النساء الريفيات في ليبيا لا يطلبن شفقة، بل
دولة.. يردن مستشفى يعمل، مدرسة تُفتح، قانون يُطبّق، وصوت يُسمع.
قضية الريفيات ليست قضية هامش، بل قضية مركز.. فإن كانت المدن هي الواجهة، فإن الدواخل هي العمق.. وإن كنا نريد أن نبني ليبيا، فلنبدأ من أطرافها.
اجتماعيًا:
العادات والتقاليد ما تزال تحكم خيارات النساء، وتُصادر حقهن في التعليم والعمل والاختيار.
اقتصاديًا:
انعدام البنية التحتية في مناطق واسعة من الريف الليبي يُفاقم عزلة النساء، ويدفعهن لدائرة من الفقر والتهميش.
نفسيًا:
العزلة، القهر، وانعدام الأمان الصحي والاجتماعي تؤدي إلى موجات اكتئاب صامتة، لا يراها أحد.
صرخة من الضلوع: «مش طالبين صدقة، طالبين دولة!»
هذا ماقالته ولازالت كلماتها عالقة في ذاكرتي فكيف يصل صوتها «سعاد» من تاجوراء، بعينين تشعلهما المرارة.
إن النساء في ريف ليبيا لا يردن إلا أن يُحسبن على هذا الوطن… لا كعبء، بل كركيزة.. فلنعد لهن أصواتهن .. ولنضع قضاياهن في الصفحة الأولى.
الستر الذي يخنق الحريات وصوت يطالب بحق الأختيار
استطلاع : عبير أبوعافية
Share this content: