×

متلازمة المطر

حسام الوحيشي

متلازمة المطر

     »حسام‭ ‬الوحيشي

أخبرني ألبرتو كاييرو، أحد وجوه فرناندو بيسوا الكثيرة، أنني لا أحتاج إلى فهم المطر كي أتجنّب البلل؛ كل ما عليّ هو أن أفتح المظلة.

كنتُ متوجّعًا، لكنني خاطبته بوقاحة قائلًا: بل عليّ أن أفهم الألم كي أحتمله.

على الإحساس أن يرتفع إلى مستوى الفكرة؛ فأنا أعيش في رأسي، وهو يمنحني معنى لا أريده. لهذا اخترع البشر المسكّنات: لا لإلغاء الوجع، بل لتخفيضه كي يُحتمل. فربما، حين يطيقون الألم، استطاعوا أن يطيقوا المستقبل: وجعٌ أقل، وتفسيرٌ أعمق.

تلك مظلّتنا يا كاييرو.

ولأن المستقبل عندي ليس استعارةً فقط، فقد مرّ مبضع الجراح من هنا: أخذ ثُلث كليتي ليُخرج ورمًا “حائرًا”.

خلال أسبوعين ستؤكّد التحاليل طبيعته: هل هو مسالم أم خبيث؛ كأنها ستكشف، ببرودٍ مختبريّ، “ميوله الأيديولوجية” الأخيرة.

قال كاييرو: افتح المظلة يا صاح.

قلتُ: صه‮…‬ لقد فُتحت فوق كليتي.

ثم هززتُ عقلي بحزم لأثبت أنها ليست نوبة جنون؛ هذه فقط سريالية المخدّر القوي الذي حُقِن في ذراعي قبل برهة. البيريتراميد لا يصنع الكوابيس؛ المفاهيم هي التي تكتبها.. ثم توقّع باسمي في لحظات اليقظة.

والإنسان حين يعجز عن منع المطر، يبني نظام استجابة. والسؤال: أيهما أشدّ..وجع الجسد أم وجع المعنى؟

المثقف يتألّم مرتين: مرةً في العصب، ومرةً في التأويل. والتأويل حين يخطئ، قد لا يكون مظلةً؛ قد يكون مطرًا إضافيًا.

ولذلك نُسيّس كل شيء: لا حبًّا في السياسة، بل خوفًا على ثيابنا من البلل. غير أن البلل لا يُدار بالنيات؛ لا تترك الصدفة تدير المطر، ولا تترك الصدفة تدير المرض.

ماذا يعني أن يكون لديك “دولة” عندما تمرض؟ يعني أن هناك سلالةً من الأمراء الأصحّاء في الإدارة..أو على الأقل نسلًا برؤوسٍ غير فاسدة..أصلح من الجماجم المجاورة. دولةٌ تجعل الألم قابلًا للتوقّع، لا قابلًا للاستغلال.

ويبقى الفرق بين معرفتين:

معرفةٌ تُنزلك إلى تواضعٍ مفيد.. ومعرفةٌ ترفعك إلى صلابةٍ بلا لزوم.

وقد فكّكتُ أناي إلى عدة ذواتٍ مستقلة. أيتها الهتيرونيمات: أيّكم “دالي” ذهني الأكبر؟ أيّكم “سالڤادور” المزاج والأسلوب والسيرة..

صاحب التاريخ المهني المثخن بدمج الواقع بالحلم، الذي يتعب بسرعة فيصنع منطقًا موازيًا يمشي به بين البشر؟

يمتلك أقنعةً قاسية فوق المسرح، لينعم بروحٍ ناعمةٍ في الكواليس.

أنا لا أبحث عن جهلٍ أجمل؛ أبحث عن معرفةٍ تُبقي الإنسان حيًّا.. وتُبقي الدولة ممكنة: عادلة، بلا استبداد، وبلا صدفةٍ تدير البلل..دولةٍ لها مظلةٌ في هذا الشتاء القارس.

Share this content: