ماوراء فنجان القهوة
بين رغوة الكابتشينو وأكواب الاسبريس
استطلاع وعدسة : سهام إبراهيم
شكّلت المقاهي على مرّ العصور فضاءً جامعًا للتواصل الاجتماعي ومتنفسًا للترويح عن النفس، إذ تحولت إلى ساحات مفتوحة لتبادل الأفكار والقصص وعقد الصفقات، فضلاً عن كونها مصـــــدر إلهـــــام لكثير من الأدباء والكتّاب. ولم تقتصر أدوارها على الترفيه، بل كانت شاهدة على حراك اجتماعي وسياسي واسع، حتى باتت أشبه بـ«نوادٍ شعبية» تستقطب مختلف طبقات المجتمع.
ورغم بروز المقاهي الحديثة في المراكز التجارية الكبرى بفعل التطور العمراني، فإن المقاهي التقليدية ما زالت تحتفظ بروحها الخاصة.
ويعود تاريخ هذه الظاهرة إلى القرن الخامس عشر في العالم الإسلامي، حيث ظهر أول مقهى في مكة المكرمة، وكان بمثابة مركز لبيع القهوة وشربها، وتبادل الأخبار والأفكار والألعاب، حتى أطلق عليها آنذاك اسم «مدارس الحكمة»، قبل أن تعبر القارات وتصل إلى أوروبا.
قمنا باستطلاع للرأي بأخذ بعض وجهات النظر فيما يتعلق بالمقاهي وتأثيرها على المواطنين.
ملجأ للراحة من الضغوطات
يدلي السيد/ حازم إبراهيم عون موظف ورب أسرة بقوله ( وجدت المقاهي لتوفير سبل الراحة وتغيير
لأجواء النفسية في جميع فصول السنة بعيداً عن ضغوطات العمل أو المنزل ، ومكان الالتقاء مع الأصدقاء بالوقت الذي نحدده دون وجود إزعاج أو ضجيج الأبناء ، وما نحتاجه موجود وبالإمكان تقديمه لنا عند الطلب ، أعْتبر المقهي بالنسبة لي الملجأ والمأوى ، وعلى الرغم من ذلك فليست كل المقاهي مقبولة عندي حتى وإن كانت بحلَّة جديدة وحديثة ، وكل الموجودين بالمقهى مشغولين بأنفسهم ولا يلتفت بعضهم للآخر.
ضياع الوقت وتشتت الأفكار
بينما يخبرنا السيد / محمد الحمروني عمل خاص عن أهمية المقهى بالنسبة له عند خروجي من المنزل وقبل البدء بأي عمل أتوقف عند أي مقهى لأخذ طلبي وأخرج ، لا وقت عندي للمكوث وتضييع الوقت بأحاديث أو أخبار لا تهمني ، أشرب قهوتي يومياً بمعدل فنجانين في اليوم ، وأنا على هذا الحال منذ سنوات ، ولاحظت الإقبال الكبير على ارتياد المقاهي من جميع فئات المجتمع ككل لقضاء معظم وقتهم بها مؤكداً على أن هذا الأمر مبالغ فيه ويجب دراسة ومعرفة أسبابه.
سلبية المقاهي
وأما السيد رجب خيشة ربْ أسرة يعمل لحسابه الخاص يعبر عن رأيه بقوله ( أشرب قهوتي بالمنزل بين عائلتي وأخذها معي للعمل ، لا وقت عندي للمكوث في المقهى وأنا أرى أن المقاهي تؤثر على إتجاهات الشباب والمراهقين الفكرية سواء أكانت إيجابياً أو سلبياً من خلال عدة عوامل : البطالة والرفقة والتدخين التي قد تدفعهم إلى إكتساب سلوكيات
وجودي بالمقهى روتين يومي
عوضني الكثير بعد التقاعد
قد تكون إجرامية وممارستها مما لا تستطيع العائلة أو أي مؤسسة بالمجتمع إصلاح وتقويم أخلاقهم المنحرفة ، وأخاف على أبنائي من وجودهم في هذه المقاهي لفترة طويلة من الزمن ، ودائماً أتصل بهم ليخبروني عن مكانهم ومن معهم )
الطلاب والدراسة والمماطلة
يشير سيف الاسلام خيري الوحيشي طالب بالجامعة قائلا ( لست من محبي القهوة ، ونظري منصب على الدراسة وحسب ، ولكنني أجد أن أغلب الزملاء من كلا الجنسين يقضون معظم وقتهم بالمقهى الجامعي بغض النظر عن أي إعتبارات ، لا أعتبر وجودهم حضارياً أو أنه من ضمن الإهتمام بالدراسة خاصة أن المقاهي أصبحت موجودة بكل كلية ، وتواجد الطلبة بها أكثر من تواجدهم بالمدرجات ، وسابقاً المقاهي كانت بالمدارس تحت مسمى « المقصف » تأخذ شن تبي وتمشي في حالك ، وتوا قعمز لين يطيب خاطرك ما حد ينوضك ويقولك برا روح ما دامك تطلب وتدفع ، وماذابيهم الرواد في تزايد بسبب وجود تنافس بين مقاهي الكليات ، حتى الجهات الرقابية مغمضة الأعين على كمية انتشار المقاهي في الجامعة بلا رقيب ولا حسيب .
فراغ التقاعد للمسنين
يفيدنا السيد / سالم النفاتي موظف متقاعد لأكثر من سنتين أنا من رواد المقهى وأعتبر وجودي كروتين يومي إلزامي للإسترخاء وإستعادة الذكريات مع رفاق العمل أوالجيران والأصدقاء ، ونتحدث ما طاب لنا أن نتحدث عن الأحداث السياسية المحلية والدولية ونشاهد المباريات ونراقب تصرفات الشباب ونلقي النصائح عليهم عندما نرى ظاهرة غير لائقة دينياً أوإجتماعياً تسيء لسمعتهم ، نتابع أيضاً مجريات الشارع وما يتخلله من مستجدات ونطرح المقترحات لحلحلتها ، أرى أن وجود المقاهي أمر ضروري إلا أنه متوقف على الجهات الأمنية من حيث استقرار الأمن وتقنين السلوكيات والتخلص من الاحراف بأنواعه. عالم الخصوصية
وترى السيدة / آية الزحاف طبيبة أسنان معبرة بقولها ( ليست كل المقاهي مناسبة للبنات بسبب الإختلاط حتى وان كان المقهى ذا طابع عائلي ، نحتاج الى قضاء وقت ممتع يخلد بالذاكرة وسط بيئة اجتماعية غير رسمية بعيداً عن جدران المنزل
إدمان الكراسي يتفوق على قيمة اللقاء
الضيافة الكلاسيكية ومانرغبه يوفره المقهى ، نلتقي بالصديقات لقضاء وقت شخصي له خصوصيته معهن إما يكون للعمل أو التركيز في الدراسة أو التحدث في بيئة تتسم بالهدوء دون ازعاج ، هناك إنتشار سريع للمقاهي النسائية ، مؤخراً تم افتتاح عدة مقاه خاصة للنساء في منطقة السياحية وغيرها بلمسات حديثة تتسم بالأنوثة والمميز أن خدماته كلها نسائية مما يجعل المكوث في المقهي أكثر إقبالاً وإرتياحاً ، فالمقاهي بصفة عامة أصبحت ظاهرة حضارية لبيئة عمل أو دراسة للعديد من الشباب خاصة في وجود الإنترنت.
مواعيد ولقاءات ولمة الأصحاب
وتوضح بالمقابل السيدة نعيمة الاجم ربة أسرة بقولها إقامة الحفلات وأعياد الميلاد في المقاهي والمطاعم أصبحت شائعة عند الكثيرين ، تواعد وموعد في المقهى ليبقى البيت نظيفاً دون أوساخ ، أبحث لابني عن عروسة وعند تحديد موعد الرؤية الشرعية تطلب الأم اللقاء في مكان عام بعيداً عن المنزل وعن عين الحسود ، أعتبر الأمر عادياً ومقبولاً وأقل إحراجاً للطرفين في مكان محترم مختلط بالناس من دون إحراج ولا تكليف.
إدمان المقاهي
تؤكد السيدة شذى مصطفى الصيادي طالبة بكلية التربية بحديثها قد يكون للمقهى ايجابياته المتمثلة في توفير أجواء يتخللها الهدوء والراحة وتقديم الخدمات المطلوبة وله سلبياته المنحصرة في الإزدحام والتدخين والمعاكسة وإطلاق النكات السخيفة والحديث بصوت عالٍ وإثارة الضجة وبخاصة عند موسم المباريات ، هذا مالاحظته عند المرور من أمام مقهى شعبي يجلس رواده على طاولات مصطفة على الرصيف تمنعنا من المرور فوقه وكأن الرصيف ملك لصاحب المقهى وهذا الأمر يخالف القانون ،الموضوع بالتأكيد يضايق كل المارة وبالأخص النساء ، أرجو إتخاذ إجراءات قانونية لترك الرصيف للمشاة )
زوجي تغيرت سلوكياته
بعد تردده على المقهى
وبالمقابل تعبر السيدة ليلى بلقاسم أستاذ أكاديمي بقولها ( أعتبر المقاهي بصفة عامة مكاناً للتسكع حتى لمن لا عمل له لأن زوجي غالباً ما يتواجد فيها أكثر من بقائه في البيت بجانب أولاده تغيرت سلوكياته وأصبح لا يكترث لمسؤولياته وأبسط شجار يخرج لينفس عن حاله وعند الاتصال به للاطمئنان عليه يقول إنه بالمقهى ، مثل هذه الأماكن تشكل ظاهرة خطيرة لأنها تسهم في التأثير على السلوكيات وتشتت الأفكار ببعض المعلومات غير الموثوقة والمشبوهة والمثيرة للمشكلات .
وتضيف السيدة رجاء بن عمران موظفة بقولها ( أهمية المقاهي تجاوزت مجرد تقديم القهوة فهي تشكل مساحات اجتماعية وثقافية حيوية تعزز التفاعل البشري وتوفر أماكن للعمل والاجتماع وتسهم في بناء روح الإنتماء للمجتمع وتعد فضاءً ثالثاً يجمع الناس خارج نطاق العمل والمنزل ليمنحهم وقتاً للراحة والإسترخاء ويشجعهم على البقاء لفترات أطول وتدعم الاقتصاد المحلي من خلال توفير فرص للعمل واجراء المقابلات سواء للعمل او للقاءات الاجتماعية الخاصة أو العامة ، غير أن الإزدحام والسماح بتدخين «الارقيلة» يشعرك بأنك في غير بلدك وأنك في مكان غير لائق ، نقوم باختيار مقهى محترم أنا وصديقاتي وبناتنا حتى وإن تجاوزت أسعاره الخيال لإجل الهدوء والاحترام والنظافة.
Share this content: