قانون غائب وضمير نائم:
لماذا لا نحمي ضحايا العنف إلا بعد موتهم؟
تشريعات مفقودة وفشل في التنفيذ يشرْعن العنف الأسري في ليبيا
في كل مرة تقع جريمة مروعة تهز الرأي العام في ليبيا، يتكرر السؤال ذاته:
أين كانت الدولة قبل أن تُزهق الأرواح؟
وبينما تتسابق الجهات الرسمية للتنديد والتوعد بالتحقيق، تكون الضحية قد رحلت، تاركة خلفها أسئلة ثقيلة عن الحماية المفقودة والقانون الغائب والضمير النائم.
رغم تكرار قصص العنف الأسري، غالبًا ما تأتي الاستجابة الرسمية متأخرة، لا بعد تقديم البلاغ فحسب، بل بعد وقوع المأساة.. ويؤكد ناشطون حقوقيون أن العديد من الجرائم سبقها تحذير صريح أو بلاغ رسمي، لكن غياب التشريعات الخاصة بالعنف الأسري وتقاعس مؤسسات الدولة في التدخل الوقائي جعل حماية الضحايا شبه مستحيلة.
تحقيق : منى توكة
تحذيرات لم تُسمع: مأساة أطفال بلا حماية
تصاعدت الصدمة بعد الجريمة المروعة التي راح ضحيتها سبعة أطفال على يد والدهم، فيما تكشّف لاحقًا أن الأطفال كانوا ضحايا لعنف مستمر على مدى سنوات، دون أي حماية فعّالة.
تروي فايزة مهيوس، خالة الأطفال، في تسجيل صوتي متداول:
«أنا من البداية كنت متابعة الأمر، لأختي لها ست سنوات. الموضوع كله موجود لدى النيابة، ونحن نتابع آخر قضية لأيام، وما يقدّمون لنا شيئًا، ولا يسلموننا الأطفال.»
وأضافت: «لدينا ثلاث مرات حكم تظلم، حكم إشكال، حكم حضانة، للأسف لم نحصل على أي شيء. وفي النهاية، كل الأطفال يتعرضون للضرب. ناقشنا هذا الأمر في المحكمة وقلنا إن المعتدي يضربهم، ولكنه كان يرتدي الوقار أمام الشيخ، فلم يصدقنا أحد، وقلنا إنه يملك المال، وهذا كله لا يهمني.»
«آخر مرة وجدنا الطفل مضروبًا بلوحة على رأسه بسبب تواصله مع الآخرين على وسائل التواصل وأكدت: الجريمة وقعت وهو كان مطلوبًا للاستدعاء.»

شهادات حية من الضحايا: الفشل في الوقاية
سلمى (اسم مستعار) تروي تجربة مأساوية لامرأة تعرضت للعنف الأسري، مؤكدة أن البلاغات لم تحرك أي جهة رسمية قبل وقوع الجريمة:
«كانت ابنة أختي تتعرض للضرب والتهديد بشكل متكرر من قبل أحد أفراد الأسرة. قدمت عديد البلاغات للجهات المختصة، وأوضحت خطورة الوضع على حياتها وحياة أطفالها، لكن لم يحدث أي تدخل فعلي أو حماية.»
وتضيف سلمى: «هذه القصة ليست حالة فردية، بل تمثل الفشل المستمر في حماية الضحايا قبل وقوع المأساة. البلاغات كانت موجودة، لكن غياب التشريعات الخاصة وآليات التدخل العاجل جعل حياتها وحياة أطفالها عرضة للخطر.»
عنف قبلي وقصور قانوني: حياة معلقة
وراء كل بلاغ لم يُستكمل، أو قضية طُويت تحت عنوان “خلاف عائلي”، توجد حياة تتغير إلى الأبد. بين الخوف من الفضيحة، والضغط الاجتماعي، وغياب الحماية القانونية الفعلية، تتكرر المآسي بصيغ مختلفة.
إحدى هذه القصص رواها أحد أفراد عائلة فتاة ما زالت تعاني حتى اليوم من تبعات العنف الذي واجهته لمجرد أنها اختارت الحب على أعراف القبيلة.
تروي إحدى قريبات سارة، وهي فتاة من إحدى القرى الليبية، أن العائلة رفضت زواجها من شاب أحبّته لسنوات بحجة أنه لا يليق بمستواهم الاجتماعي. ومع إصرارها وخالها الذي دعمها، تم الزواج بهدوء دون علم إخوتها وأبناء عمومتها. لكن هذا القرار أشعل غضب العائلة، فبدأت الضغوط على الزوج حتى اضطر لتطليقها بعد فترة قصيرة.
تقول قريبتها: «منذ عودتها إلى بيت والدتها لم تعرف سارة الراحة، اقتحم إخوتها المنزل واعتدوا عليها بالضرب والطعن، كسروا رجلها وتركوا فيها جرحًا لن يلتئم، فقط لأنها اختارت من تحب».
تضيف أن سارة ووالدتها فتحتا محضرًا رسميًا، لكن القضية لم تُؤخذ بجدية، ومع مرور الوقت بدأت الضغوط تتزايد لإجبارها على التنازل و«حل الموضوع اجتماعيًا».
قصة سارة ليست حالة فردية، بل مثال على كيف تُترك ضحايا العنف دون حماية حقيقية رغم البلاغات، وكيف يُختزل العنف في “خلاف عائلي” حتى تتحول حياة الضحية إلى سلسلة من الخوف والتنازلات.
تشريع خاص بالعنف الأسري ضرورة لا يمكن تأجيلها
المحامية والناشطة الحقوقية مروة مفتاح تقول:
«اللجوء إلى نصوص عامة في قانون العقوبات، مثل مواد التهديد أو الشروع في الجريمة، قد يكون محاولة مؤقتة لاتخاذ إجراءات، لكنه لا يمكن أن يحل محل وجود نص صريح يجرم العنف الأسري بشكل واضح.»
وأكدت أن الضغط من أجل إصدار تشريع خاص بمكافحة العنف الأسري هو الحل الجذري، بحيث يكون القانون مكملًا لقانون العقوبات، ويُدخل آليات حماية جديدة مثل أوامر الحماية والإبعاد الوقائي، ويعزز دور المجتمع المدني في دعم الضحايا ورصد حالات التقصير.
وأضافت أن تجارب تونس والمغرب أثبتت أن القوانين الخاصة بالعنف الأسري تقلل بشكل ملموس من الجرائم، وأن ليبيا يمكنها الاستفادة من هذه التجارب من خلال إصدار تشريع شامل يعرّف العنف الأسري بكل أشكاله ويفرض آليات حماية وقائية وتدخل سريع.

ضعف تنفيذ الأحكام القضائية
يمثل تهديدًا لحقوق النساء والأطفال
في ظل استمرار حالات العنف الأسري وتأخر تنفيذ الأحكام القضائية، يبرز دور التوعية القانونية للنساء كعامل أساسي لحماية حقوقهن وحقوق أطفالهن. فبينما يصدر القضاء أحكامه وفق القانون، كثيرًا ما تعجز إجراءات التنفيذ عن الوصول إلى النتيجة المرجوة بسبب تقصير بعض موظفي التنفيذ أو ضعف المعرفة القانونية لدى المواطنات.
في هذا السياق، تقدّم نجاح حسن الدامي، مستشارة قانونية ومحامي خاص ورئيس مجلس إدارة جمعية «المسة» لحماية المرأة والطفل، رؤية مباشرة حول الأسباب الحقيقية لضعف تنفيذ الأحكام وضرورة رفع الوعي القانوني للنساء الليبيات:
أكدت نجاح أن المشكلة لا تكمن في القضاء نفسه، إذ القاضي يحكم وفق القانون، وإنما في ضعف تنفيذ الأحكام من قبل موظفي التنفيذ التابعين للمحكمة. وقالت: «مع احترامي للقلة النزيهة، رأيت بعض موظفي التنفيذ يتقاضون رشاوى من الزوج لتأخير أو عدم تنفيذ الحكم. هذا لا يُعد عنفًا أسريًا بقدر ما هو امتناع عن تنفيذ الأحكام. خالة الأطفال صرحت في التسجيل الصوتي أن الحكم لم يُنفذ رغم صدوره منذ ست سنوات، وهذا أمر متكرر.».وأضافت الدامي أن رفع الثقافة القانونية للمرأة الليبية ضرورة أساسية «يجب على المرأة أن تعرف أنه عند تأخير التنفيذ، سواء لتسليم المحضونين أو التمكين من بيت الزوجية أو النفقة، يمكنها تقديم طلب مباشر إلى قاضي التنفيذ. عليها أيضًا الاطلاع على القانون رقم 10 لسنة 1984 الخاص بالزواج والطلاق، المتاح على الإنترنت.»
وأوضحت أن دور القاضي ينتهي عند صدور الحكم، فهو لا يتتبع حياة المواطن اليومية، ومن هنا يأتي دور منظمات المجتمع المدني في التوعية
«المشكلة ليست في البلاغ نفسه، بل أحيانًا يُقدَّم إلى جهة غير مختصة، بينما القاضي التنفيذي هو المختص. لذلك، أنشأت صفحة على فيسبوك باسم ‹محامي متطوع› لرفع الثقافة القانونية للمرأة الليبية وتقديم استشارات مجانية، لتتعلم المرأة خطوات بسيطة مثل طلب النفقة أو التمكين من بيت الزوجية بنفسها، قبل أن يتم تغيير ملكية البيت أو حرمانها من حقوقها، وهي إجراءات سهلة ولا تتطلب دفع 800 دينار لمحامٍ.»
البلاغ وحده لا يعني النجاة
الحقوقية والناشطة النسوية دليلة الزغيبي تحدد ثلاثة أسباب رئيسة لفشل الحماية:
1.العقلية الذكورية المتغلغلة داخل مراكز الشرطة التي تعتبر العنف الأسري خلافًا عائليًا لا يستدعي حماية فورية.
2.غياب آليات حماية المبلغات، إذ يُجبرن أحيانًا على التنازل بسبب الضغط الأسري.
3.عدم وجود مآوي آمنة، ما يضطر الضحايا للعودة إلى مكان الخطر.
«تصنيف العنف الأسري كـ ‘شأن عائلي’ هو أخطر ما يواجه النساء اليوم، لأنه يمنح رجال الأمن والنيابة مبررًا لعدم التدخل.»
كما أشارت إلى تجارب عربية ناجحة مثل التدخل السريع في السعودية وخطوط النجدة في مصر، مؤكدة أن حماية النساء ليست مطلبًا نسويًا فقط، بل ضرورة أمنية واجتماعية لإنقاذ الأرواح.
العنف الأسري مرآة لتفكك النسيج الاجتماعي
رئيس مجلة المرأة سابقًا انتصار بوراوي، ترى أن ازدياد جرائم تعذيب وقتل الأطفال يعكس تراجع المسؤولية الجماعية وصمت المجتمع، حيث كان الأقارب يتدخلون لحماية الطفل في السابق.
وأضافت:«غياب الرعاية النفسية ووصمة المرض النفسي يلعبان دورًا أساسيًا في استفحال الجرائم الأسرية. وعلاج الضحايا نفسيًا ليس وصمة، بل وسيلة إنقاذ للأرواح قبل فوات الأوان.»
ودعت بوراوي إلى سن قوانين مشابهة لتجارب الكويت ومصر، تتيح للدولة سحب الطفل مؤقتًا من بيئته عند ثبوت العنف، وتفعيل القضاء المستقل وإنشاء مراكز رعاية آمنة.
الوعي في طور النمو والتحديات كبيرة
من موقعها في اللجنة العليا للطفولة، قالت انتصار الشريف إن حماية الأطفال والنساء من العنف الأسري لا تزال في طور النمو، رغم بعض المبادرات الفردية..وأوضحت: «التكاسل في التطبيق هو المشكلة الأكبر، إذ يرى البعض أن العنف أسلوب تربوي سليم، دون إدراك لعواقبه النفسية والجسدية.»
وأضافت أن اللجنة تمتلك قسمًا مختصًا برصد الانتهاكات، وتتابع البلاغات الميدانية، وتحيل الحالات للجهات المختصة، لكنها جهة إشرافية وليست تنفيذية.
أطر قانونية وتجارب دولية
مراكــز الشرطة تنظر للعنف كـ «شأن عائلي»
المحامي أنور الشريف يشير إلى أن غياب نصوص محددة حول العنف الأسري يخلق فجوة تشريعية كبيرة، ويصعب تحريك الدعوى قبل وقوع الجريمة.
وأشار إلى تجارب تونس والمغرب والأردن، حيث أقرت قوانين شاملة لحماية النساء والأطفال، تضمنت أوامر حماية فورية، وحدات شرطة متخصصة، ومراكز إيواء آمنة..هذه التجارب أثبتت نتائج ملموسة في تقليل الجرائم الأسرية، فيما يظل الوصول إلى بيانات دقيقة في ليبيا صعبًا، وتعتمد غالبًا على بلاغات المجتمع المدني أو الإعلام.
ما بعد الجريمة.. تحقيقات بلا نتائج
في كل مرة تُهز البلاد بجريمة أسرية، تتحرك بيانات التنديد والتحقيقات العاجلة، ثم يُغلق الملف مع الوقت دون نتائج واضحة.
يقول أحد الحقوقيين في بنغازي (رفض ذكر اسمه): «لدينا مشهد متكرر؛ مأساة، غضب، بيانات، ثم نسيان. لا يوجد نظام وطني لمتابعة هذه القضايا أو لقياس مدى تكرارها. كل شيء يُترك للصدفة أو لمواقع التواصل».
بين القانون والوعي.. الطريق إلى الأمان
يرى الخبراء أن الحل يبدأ بإقرار تشريع خاص بالعنف الأسري، لكن لا ينتهي عنده. فالقانون وحده لا يكفي دون إصلاح ثقافي ومؤسساتي يُعيد تعريف مفهوم الحماية داخل الأسرة.
وتختتم المحامية مروة مفتاح بقولها: «القضية ليست فقط في النصوص، بل في الإرادة. يجب أن نؤمن أن الوقاية من العنف ليست ترفًا، بل مسؤولية جماعية، تبدأ من الأسرة وتنتهي بالدولة».
الموت لا يجب أن يكون الشرط الوحيد للحماية
بينما يواصل الليبيون نعي ضحاياهم في كل حادثة جديدة، يظل السؤال الأعمق معلقًا:
إلى متى سيبقى الموت هو الشرط الوحيد لفتح الملفات وسماع صوت الضحايا؟
Share this content: