×

قانون غائب وضمير نائم:

قانون غائب وضمير نائم:

‭ ‬لماذا‭ ‬لا‭ ‬نحمي‭ ‬ضحايا‭ ‬العنف‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬موتهم؟

تشريعات‭ ‬مفقودة‭ ‬وفشل‭ ‬في‭ ‬التنفيذ‭ ‬يشرْعن‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬في‭ ‬ليبيا

في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تقع‭ ‬جريمة‭ ‬مروعة‭ ‬تهز‭ ‬الرأي‭ ‬العام‭ ‬في‭ ‬ليبيا،‭ ‬يتكرر‭ ‬السؤال‭ ‬ذاته‭:‬

‭ ‬أين‭ ‬كانت‭ ‬الدولة‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬تُزهق‭ ‬الأرواح؟

‭ ‬وبينما‭ ‬تتسابق‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬للتنديد‭ ‬والتوعد‭ ‬بالتحقيق،‭ ‬تكون‭ ‬الضحية‭ ‬قد‭ ‬رحلت،‭ ‬تاركة‭ ‬خلفها‭ ‬أسئلة‭ ‬ثقيلة‭ ‬عن‭ ‬الحماية‭ ‬المفقودة‭ ‬والقانون‭ ‬الغائب‭ ‬والضمير‭ ‬النائم‭.‬

رغم‭ ‬تكرار‭ ‬قصص‭ ‬العنف‭ ‬الأسري،‭ ‬غالبًا‭ ‬ما‭ ‬تأتي‭ ‬الاستجابة‭ ‬الرسمية‭ ‬متأخرة،‭ ‬لا‭ ‬بعد‭ ‬تقديم‭ ‬البلاغ‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬بعد‭ ‬وقوع‭ ‬المأساة‭..  ‬ويؤكد‭ ‬ناشطون‭ ‬حقوقيون‭ ‬أن‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬الجرائم‭ ‬سبقها‭ ‬تحذير‭ ‬صريح‭ ‬أو‭ ‬بلاغ‭ ‬رسمي،‭ ‬لكن‭ ‬غياب‭ ‬التشريعات‭ ‬الخاصة‭ ‬بالعنف‭ ‬الأسري‭ ‬وتقاعس‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة‭ ‬في‭ ‬التدخل‭ ‬الوقائي‭ ‬جعل‭ ‬حماية‭ ‬الضحايا‭ ‬شبه‭ ‬مستحيلة‭.‬

تحقيق‭  : ‬منى‭ ‬توكة

تحذيرات‭ ‬لم‭ ‬تُسمع‭: ‬مأساة‭ ‬أطفال‭ ‬بلا‭ ‬حماية

تصاعدت‭ ‬الصدمة‭ ‬بعد‭ ‬الجريمة‭ ‬المروعة‭ ‬التي‭ ‬راح‭ ‬ضحيتها‭ ‬سبعة‭ ‬أطفال‭ ‬على‭ ‬يد‭ ‬والدهم،‭ ‬فيما‭ ‬تكشّف‭ ‬لاحقًا‭ ‬أن‭ ‬الأطفال‭ ‬كانوا‭ ‬ضحايا‭ ‬لعنف‭ ‬مستمر‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬سنوات،‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬حماية‭ ‬فعّالة‭.‬

تروي‭ ‬فايزة‭ ‬مهيوس،‭ ‬خالة‭ ‬الأطفال،‭ ‬في‭ ‬تسجيل‭ ‬صوتي‭ ‬متداول‭:‬

‮«‬أنا‭ ‬من‭ ‬البداية‭ ‬كنت‭ ‬متابعة‭ ‬الأمر،‭ ‬لأختي‭ ‬لها‭ ‬ست‭ ‬سنوات‭. ‬الموضوع‭ ‬كله‭ ‬موجود‭ ‬لدى‭ ‬النيابة،‭ ‬ونحن‭ ‬نتابع‭ ‬آخر‭ ‬قضية‭ ‬لأيام،‭ ‬وما‭ ‬يقدّمون‭ ‬لنا‭ ‬شيئًا،‭ ‬ولا‭ ‬يسلموننا‭ ‬الأطفال‭.‬‮»‬

وأضافت‭: ‬‮«‬لدينا‭ ‬ثلاث‭ ‬مرات‭ ‬حكم‭ ‬تظلم،‭ ‬حكم‭ ‬إشكال،‭ ‬حكم‭ ‬حضانة،‭ ‬للأسف‭ ‬لم‭ ‬نحصل‭ ‬على‭ ‬أي‭ ‬شيء‭. ‬وفي‭ ‬النهاية،‭ ‬كل‭ ‬الأطفال‭ ‬يتعرضون‭ ‬للضرب‭. ‬ناقشنا‭ ‬هذا‭ ‬الأمر‭ ‬في‭ ‬المحكمة‭ ‬وقلنا‭ ‬إن‭ ‬المعتدي‭ ‬يضربهم،‭ ‬ولكنه‭ ‬كان‭ ‬يرتدي‭ ‬الوقار‭ ‬أمام‭ ‬الشيخ،‭ ‬فلم‭ ‬يصدقنا‭ ‬أحد،‭ ‬وقلنا‭ ‬إنه‭ ‬يملك‭ ‬المال،‭ ‬وهذا‭ ‬كله‭ ‬لا‭ ‬يهمني‭.‬‮»‬

‮«‬آخر‭ ‬مرة‭ ‬وجدنا‭ ‬الطفل‭ ‬مضروبًا‭ ‬بلوحة‭ ‬على‭ ‬رأسه‭ ‬بسبب‭ ‬تواصله‭ ‬مع‭ ‬الآخرين‭ ‬على‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬وأكدت‭: ‬الجريمة‭ ‬وقعت‭ ‬وهو‭ ‬كان‭ ‬مطلوبًا‭ ‬للاستدعاء‭.‬‮»‬

‭ ‬شهادات‭ ‬حية‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭: ‬الفشل‭ ‬في‭ ‬الوقاية

سلمى‭ (‬اسم‭ ‬مستعار‭) ‬تروي‭ ‬تجربة‭ ‬مأساوية‭ ‬لامرأة‭ ‬تعرضت‭ ‬للعنف‭ ‬الأسري،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬البلاغات‭ ‬لم‭ ‬تحرك‭ ‬أي‭ ‬جهة‭ ‬رسمية‭ ‬قبل‭ ‬وقوع‭ ‬الجريمة‭:‬

‮«‬كانت‭ ‬ابنة‭ ‬أختي‭ ‬تتعرض‭ ‬للضرب‭ ‬والتهديد‭ ‬بشكل‭ ‬متكرر‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬أحد‭ ‬أفراد‭ ‬الأسرة‭. ‬قدمت‭ ‬عديد‭ ‬البلاغات‭ ‬للجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬وأوضحت‭ ‬خطورة‭ ‬الوضع‭ ‬على‭ ‬حياتها‭ ‬وحياة‭ ‬أطفالها،‭ ‬لكن‭ ‬لم‭ ‬يحدث‭ ‬أي‭ ‬تدخل‭ ‬فعلي‭ ‬أو‭ ‬حماية‭.‬‮»‬

وتضيف‭ ‬سلمى‭: ‬‮«‬هذه‭ ‬القصة‭ ‬ليست‭ ‬حالة‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬تمثل‭ ‬الفشل‭ ‬المستمر‭ ‬في‭ ‬حماية‭ ‬الضحايا‭ ‬قبل‭ ‬وقوع‭ ‬المأساة‭. ‬البلاغات‭ ‬كانت‭ ‬موجودة،‭ ‬لكن‭ ‬غياب‭ ‬التشريعات‭ ‬الخاصة‭ ‬وآليات‭ ‬التدخل‭ ‬العاجل‭ ‬جعل‭ ‬حياتها‭ ‬وحياة‭ ‬أطفالها‭ ‬عرضة‭ ‬للخطر‭.‬‮»‬

‭ ‬عنف‭ ‬قبلي‭ ‬وقصور‭ ‬قانوني‭: ‬حياة‭ ‬معلقة

وراء‭ ‬كل‭ ‬بلاغ‭ ‬لم‭ ‬يُستكمل،‭ ‬أو‭ ‬قضية‭ ‬طُويت‭ ‬تحت‭ ‬عنوان‭ ‬“خلاف‭ ‬عائلي”،‭ ‬توجد‭ ‬حياة‭ ‬تتغير‭ ‬إلى‭ ‬الأبد‭. ‬بين‭ ‬الخوف‭ ‬من‭ ‬الفضيحة،‭ ‬والضغط‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬وغياب‭ ‬الحماية‭ ‬القانونية‭ ‬الفعلية،‭ ‬تتكرر‭ ‬المآسي‭ ‬بصيغ‭ ‬مختلفة‭.‬

إحدى‭ ‬هذه‭ ‬القصص‭ ‬رواها‭ ‬أحد‭ ‬أفراد‭ ‬عائلة‭ ‬فتاة‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬تعاني‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬من‭ ‬تبعات‭ ‬العنف‭ ‬الذي‭ ‬واجهته‭ ‬لمجرد‭ ‬أنها‭ ‬اختارت‭ ‬الحب‭ ‬على‭ ‬أعراف‭ ‬القبيلة‭.‬

تروي‭ ‬إحدى‭ ‬قريبات‭ ‬سارة،‭ ‬وهي‭ ‬فتاة‭ ‬من‭ ‬إحدى‭ ‬القرى‭ ‬الليبية،‭ ‬أن‭ ‬العائلة‭ ‬رفضت‭ ‬زواجها‭ ‬من‭ ‬شاب‭ ‬أحبّته‭ ‬لسنوات‭ ‬بحجة‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬يليق‭ ‬بمستواهم‭ ‬الاجتماعي‭. ‬ومع‭ ‬إصرارها‭ ‬وخالها‭ ‬الذي‭ ‬دعمها،‭ ‬تم‭ ‬الزواج‭ ‬بهدوء‭ ‬دون‭ ‬علم‭ ‬إخوتها‭ ‬وأبناء‭ ‬عمومتها‭. ‬لكن‭ ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬أشعل‭ ‬غضب‭ ‬العائلة،‭ ‬فبدأت‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬الزوج‭ ‬حتى‭ ‬اضطر‭ ‬لتطليقها‭ ‬بعد‭ ‬فترة‭ ‬قصيرة‭.‬

تقول‭ ‬قريبتها‭: ‬‮«‬منذ‭ ‬عودتها‭ ‬إلى‭ ‬بيت‭ ‬والدتها‭ ‬لم‭ ‬تعرف‭ ‬سارة‭ ‬الراحة،‭ ‬اقتحم‭ ‬إخوتها‭ ‬المنزل‭ ‬واعتدوا‭ ‬عليها‭ ‬بالضرب‭ ‬والطعن،‭ ‬كسروا‭ ‬رجلها‭ ‬وتركوا‭ ‬فيها‭ ‬جرحًا‭ ‬لن‭ ‬يلتئم،‭ ‬فقط‭ ‬لأنها‭ ‬اختارت‭ ‬من‭ ‬تحب‮»‬‭.‬

تضيف‭ ‬أن‭ ‬سارة‭ ‬ووالدتها‭ ‬فتحتا‭ ‬محضرًا‭ ‬رسميًا،‭ ‬لكن‭ ‬القضية‭ ‬لم‭ ‬تُؤخذ‭ ‬بجدية،‭ ‬ومع‭ ‬مرور‭ ‬الوقت‭ ‬بدأت‭ ‬الضغوط‭ ‬تتزايد‭ ‬لإجبارها‭ ‬على‭ ‬التنازل‭ ‬و«حل‭ ‬الموضوع‭ ‬اجتماعيًا‮»‬‭.‬

قصة‭ ‬سارة‭ ‬ليست‭ ‬حالة‭ ‬فردية،‭ ‬بل‭ ‬مثال‭ ‬على‭ ‬كيف‭ ‬تُترك‭ ‬ضحايا‭ ‬العنف‭ ‬دون‭ ‬حماية‭ ‬حقيقية‭ ‬رغم‭ ‬البلاغات،‭ ‬وكيف‭ ‬يُختزل‭ ‬العنف‭ ‬في‭ ‬“خلاف‭ ‬عائلي”‭ ‬حتى‭ ‬تتحول‭ ‬حياة‭ ‬الضحية‭ ‬إلى‭ ‬سلسلة‭ ‬من‭ ‬الخوف‭ ‬والتنازلات‭. ‬

تشريع‭ ‬خاص‭ ‬بالعنف‭ ‬الأسري‭ ‬ضرورة‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬تأجيلها

المحامية‭ ‬والناشطة‭ ‬الحقوقية‭ ‬مروة‭ ‬مفتاح‭ ‬تقول‭:‬

‮«‬اللجوء‭ ‬إلى‭ ‬نصوص‭ ‬عامة‭ ‬في‭ ‬قانون‭ ‬العقوبات،‭ ‬مثل‭ ‬مواد‭ ‬التهديد‭ ‬أو‭ ‬الشروع‭ ‬في‭ ‬الجريمة،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬محاولة‭ ‬مؤقتة‭ ‬لاتخاذ‭ ‬إجراءات،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يحل‭ ‬محل‭ ‬وجود‭ ‬نص‭ ‬صريح‭ ‬يجرم‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭.‬‮»‬

وأكدت‭ ‬أن‭ ‬الضغط‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬إصدار‭ ‬تشريع‭ ‬خاص‭ ‬بمكافحة‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬هو‭ ‬الحل‭ ‬الجذري،‭ ‬بحيث‭ ‬يكون‭ ‬القانون‭ ‬مكملًا‭ ‬لقانون‭ ‬العقوبات،‭ ‬ويُدخل‭ ‬آليات‭ ‬حماية‭ ‬جديدة‭ ‬مثل‭ ‬أوامر‭ ‬الحماية‭ ‬والإبعاد‭ ‬الوقائي،‭ ‬ويعزز‭ ‬دور‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬الضحايا‭ ‬ورصد‭ ‬حالات‭ ‬التقصير‭.‬

وأضافت‭ ‬أن‭ ‬تجارب‭ ‬تونس‭ ‬والمغرب‭ ‬أثبتت‭ ‬أن‭ ‬القوانين‭ ‬الخاصة‭ ‬بالعنف‭ ‬الأسري‭ ‬تقلل‭ ‬بشكل‭ ‬ملموس‭ ‬من‭ ‬الجرائم،‭ ‬وأن‭ ‬ليبيا‭ ‬يمكنها‭ ‬الاستفادة‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إصدار‭ ‬تشريع‭ ‬شامل‭ ‬يعرّف‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬بكل‭ ‬أشكاله‭ ‬ويفرض‭ ‬آليات‭ ‬حماية‭ ‬وقائية‭ ‬وتدخل‭ ‬سريع‭.‬

‭ ‬ضعف‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭ ‬القضائية

يمثل‭ ‬تهديدًا‭ ‬لحقوق‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال‭ ‬

في‭ ‬ظل‭ ‬استمرار‭ ‬حالات‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬وتأخر‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭ ‬القضائية،‭ ‬يبرز‭ ‬دور‭ ‬التوعية‭ ‬القانونية‭ ‬للنساء‭ ‬كعامل‭ ‬أساسي‭ ‬لحماية‭ ‬حقوقهن‭ ‬وحقوق‭ ‬أطفالهن‭. ‬فبينما‭ ‬يصدر‭ ‬القضاء‭ ‬أحكامه‭ ‬وفق‭ ‬القانون،‭ ‬كثيرًا‭ ‬ما‭ ‬تعجز‭ ‬إجراءات‭ ‬التنفيذ‭ ‬عن‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬النتيجة‭ ‬المرجوة‭ ‬بسبب‭ ‬تقصير‭ ‬بعض‭ ‬موظفي‭ ‬التنفيذ‭ ‬أو‭ ‬ضعف‭ ‬المعرفة‭ ‬القانونية‭ ‬لدى‭ ‬المواطنات‭.‬

في‭ ‬هذا‭ ‬السياق،‭ ‬تقدّم‭ ‬نجاح‭ ‬حسن‭ ‬الدامي،‭ ‬مستشارة‭ ‬قانونية‭ ‬ومحامي‭ ‬خاص‭ ‬ورئيس‭ ‬مجلس‭ ‬إدارة‭ ‬جمعية‭ ‬‮«‬المسة‮»‬‭ ‬لحماية‭ ‬المرأة‭ ‬والطفل،‭ ‬رؤية‭ ‬مباشرة‭ ‬حول‭ ‬الأسباب‭ ‬الحقيقية‭ ‬لضعف‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭ ‬وضرورة‭ ‬رفع‭ ‬الوعي‭ ‬القانوني‭ ‬للنساء‭ ‬الليبيات‭:‬

أكدت‭ ‬نجاح‭  ‬أن‭ ‬المشكلة‭ ‬لا‭ ‬تكمن‭ ‬في‭ ‬القضاء‭ ‬نفسه،‭ ‬إذ‭ ‬القاضي‭ ‬يحكم‭ ‬وفق‭ ‬القانون،‭ ‬وإنما‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬موظفي‭ ‬التنفيذ‭ ‬التابعين‭ ‬للمحكمة‭. ‬وقالت‭: ‬‮«‬مع‭ ‬احترامي‭ ‬للقلة‭ ‬النزيهة،‭ ‬رأيت‭ ‬بعض‭ ‬موظفي‭ ‬التنفيذ‭ ‬يتقاضون‭ ‬رشاوى‭ ‬من‭ ‬الزوج‭ ‬لتأخير‭ ‬أو‭ ‬عدم‭ ‬تنفيذ‭ ‬الحكم‭. ‬هذا‭ ‬لا‭ ‬يُعد‭ ‬عنفًا‭ ‬أسريًا‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬امتناع‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬الأحكام‭. ‬خالة‭ ‬الأطفال‭ ‬صرحت‭ ‬في‭ ‬التسجيل‭ ‬الصوتي‭ ‬أن‭ ‬الحكم‭ ‬لم‭ ‬يُنفذ‭ ‬رغم‭ ‬صدوره‭ ‬منذ‭ ‬ست‭ ‬سنوات،‭ ‬وهذا‭ ‬أمر‭ ‬متكرر‭.‬‮»‬‭.‬وأضافت‭ ‬الدامي‭ ‬أن‭ ‬رفع‭ ‬الثقافة‭ ‬القانونية‭ ‬للمرأة‭ ‬الليبية‭ ‬ضرورة‭ ‬أساسية‭ ‬‮«‬يجب‭ ‬على‭ ‬المرأة‭ ‬أن‭ ‬تعرف‭ ‬أنه‭ ‬عند‭ ‬تأخير‭ ‬التنفيذ،‭ ‬سواء‭ ‬لتسليم‭ ‬المحضونين‭ ‬أو‭ ‬التمكين‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬الزوجية‭ ‬أو‭ ‬النفقة،‭ ‬يمكنها‭ ‬تقديم‭ ‬طلب‭ ‬مباشر‭ ‬إلى‭ ‬قاضي‭ ‬التنفيذ‭. ‬عليها‭ ‬أيضًا‭ ‬الاطلاع‭ ‬على‭ ‬القانون‭ ‬رقم‭ ‬10‭ ‬لسنة‭ ‬1984‭ ‬الخاص‭ ‬بالزواج‭ ‬والطلاق،‭ ‬المتاح‭ ‬على‭ ‬الإنترنت‭.‬‮»‬

وأوضحت‭ ‬أن‭ ‬دور‭ ‬القاضي‭ ‬ينتهي‭ ‬عند‭ ‬صدور‭ ‬الحكم،‭ ‬فهو‭ ‬لا‭ ‬يتتبع‭ ‬حياة‭ ‬المواطن‭ ‬اليومية،‭ ‬ومن‭ ‬هنا‭ ‬يأتي‭ ‬دور‭ ‬منظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬في‭ ‬التوعية

‮«‬المشكلة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬البلاغ‭ ‬نفسه،‭ ‬بل‭ ‬أحيانًا‭ ‬يُقدَّم‭ ‬إلى‭ ‬جهة‭ ‬غير‭ ‬مختصة،‭ ‬بينما‭ ‬القاضي‭ ‬التنفيذي‭ ‬هو‭ ‬المختص‭. ‬لذلك،‭ ‬أنشأت‭ ‬صفحة‭ ‬على‭ ‬فيسبوك‭ ‬باسم‭ ‬‹محامي‭ ‬متطوع›‭ ‬لرفع‭ ‬الثقافة‭ ‬القانونية‭ ‬للمرأة‭ ‬الليبية‭ ‬وتقديم‭ ‬استشارات‭ ‬مجانية،‭ ‬لتتعلم‭ ‬المرأة‭ ‬خطوات‭ ‬بسيطة‭ ‬مثل‭ ‬طلب‭ ‬النفقة‭ ‬أو‭ ‬التمكين‭ ‬من‭ ‬بيت‭ ‬الزوجية‭ ‬بنفسها،‭ ‬قبل‭ ‬أن‭ ‬يتم‭ ‬تغيير‭ ‬ملكية‭ ‬البيت‭ ‬أو‭ ‬حرمانها‭ ‬من‭ ‬حقوقها،‭ ‬وهي‭ ‬إجراءات‭ ‬سهلة‭ ‬ولا‭ ‬تتطلب‭ ‬دفع‭ ‬800‭ ‬دينار‭ ‬لمحامٍ‭.‬‮»‬

البلاغ‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬النجاة

الحقوقية‭ ‬والناشطة‭ ‬النسوية‭ ‬دليلة‭ ‬الزغيبي‭ ‬تحدد‭ ‬ثلاثة‭ ‬أسباب‭ ‬رئيسة‭ ‬لفشل‭ ‬الحماية‭:‬

1‭.‬العقلية‭ ‬الذكورية‭ ‬المتغلغلة‭ ‬داخل‭ ‬مراكز‭ ‬الشرطة‭ ‬التي‭ ‬تعتبر‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬خلافًا‭ ‬عائليًا‭ ‬لا‭ ‬يستدعي‭ ‬حماية‭ ‬فورية‭.‬

2‭.‬غياب‭ ‬آليات‭ ‬حماية‭ ‬المبلغات،‭ ‬إذ‭ ‬يُجبرن‭ ‬أحيانًا‭ ‬على‭ ‬التنازل‭ ‬بسبب‭ ‬الضغط‭ ‬الأسري‭.‬

3‭.‬عدم‭ ‬وجود‭ ‬مآوي‭ ‬آمنة،‭ ‬ما‭ ‬يضطر‭ ‬الضحايا‭ ‬للعودة‭ ‬إلى‭ ‬مكان‭ ‬الخطر‭.‬

‮«‬تصنيف‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬كـ‭ ‬‘شأن‭ ‬عائلي’‭ ‬هو‭ ‬أخطر‭ ‬ما‭ ‬يواجه‭ ‬النساء‭ ‬اليوم،‭ ‬لأنه‭ ‬يمنح‭ ‬رجال‭ ‬الأمن‭ ‬والنيابة‭ ‬مبررًا‭ ‬لعدم‭ ‬التدخل‭.‬‮»‬

كما‭ ‬أشارت‭ ‬إلى‭ ‬تجارب‭ ‬عربية‭ ‬ناجحة‭ ‬مثل‭ ‬التدخل‭ ‬السريع‭ ‬في‭ ‬السعودية‭ ‬وخطوط‭ ‬النجدة‭ ‬في‭ ‬مصر،‭ ‬مؤكدة‭ ‬أن‭ ‬حماية‭ ‬النساء‭ ‬ليست‭ ‬مطلبًا‭ ‬نسويًا‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬أمنية‭ ‬واجتماعية‭ ‬لإنقاذ‭ ‬الأرواح‭.‬

‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬مرآة‭ ‬لتفكك‭ ‬النسيج‭ ‬الاجتماعي‭ ‬

رئيس‭ ‬مجلة‭ ‬المرأة‭ ‬سابقًا‭ ‬انتصار‭ ‬بوراوي،‭ ‬ترى‭ ‬أن‭ ‬ازدياد‭ ‬جرائم‭ ‬تعذيب‭ ‬وقتل‭ ‬الأطفال‭ ‬يعكس‭ ‬تراجع‭ ‬المسؤولية‭ ‬الجماعية‭ ‬وصمت‭ ‬المجتمع،‭ ‬حيث‭ ‬كان‭ ‬الأقارب‭ ‬يتدخلون‭ ‬لحماية‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬السابق‭.‬

وأضافت‭:‬‮«‬غياب‭ ‬الرعاية‭ ‬النفسية‭ ‬ووصمة‭ ‬المرض‭ ‬النفسي‭ ‬يلعبان‭ ‬دورًا‭ ‬أساسيًا‭ ‬في‭ ‬استفحال‭ ‬الجرائم‭ ‬الأسرية‭. ‬وعلاج‭ ‬الضحايا‭ ‬نفسيًا‭ ‬ليس‭ ‬وصمة،‭ ‬بل‭ ‬وسيلة‭ ‬إنقاذ‭ ‬للأرواح‭ ‬قبل‭ ‬فوات‭ ‬الأوان‭.‬‮»‬

ودعت‭ ‬بوراوي‭ ‬إلى‭ ‬سن‭ ‬قوانين‭ ‬مشابهة‭ ‬لتجارب‭ ‬الكويت‭ ‬ومصر،‭ ‬تتيح‭ ‬للدولة‭ ‬سحب‭ ‬الطفل‭ ‬مؤقتًا‭ ‬من‭ ‬بيئته‭ ‬عند‭ ‬ثبوت‭ ‬العنف،‭ ‬وتفعيل‭ ‬القضاء‭ ‬المستقل‭ ‬وإنشاء‭ ‬مراكز‭ ‬رعاية‭ ‬آمنة‭.‬

‭ ‬الوعي‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬النمو‭ ‬والتحديات‭ ‬كبيرة‭ ‬

من‭ ‬موقعها‭ ‬في‭ ‬اللجنة‭ ‬العليا‭ ‬للطفولة،‭ ‬قالت‭ ‬انتصار‭  ‬الشريف‭ ‬إن‭ ‬حماية‭ ‬الأطفال‭ ‬والنساء‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬في‭ ‬طور‭ ‬النمو،‭ ‬رغم‭ ‬بعض‭ ‬المبادرات‭ ‬الفردية‭..‬وأوضحت‭: ‬‮«‬التكاسل‭ ‬في‭ ‬التطبيق‭ ‬هو‭ ‬المشكلة‭ ‬الأكبر،‭ ‬إذ‭ ‬يرى‭ ‬البعض‭ ‬أن‭ ‬العنف‭ ‬أسلوب‭ ‬تربوي‭ ‬سليم،‭ ‬دون‭ ‬إدراك‭ ‬لعواقبه‭ ‬النفسية‭ ‬والجسدية‭.‬‮»‬

وأضافت‭ ‬أن‭ ‬اللجنة‭ ‬تمتلك‭ ‬قسمًا‭ ‬مختصًا‭ ‬برصد‭ ‬الانتهاكات،‭ ‬وتتابع‭ ‬البلاغات‭ ‬الميدانية،‭ ‬وتحيل‭ ‬الحالات‭ ‬للجهات‭ ‬المختصة،‭ ‬لكنها‭ ‬جهة‭ ‬إشرافية‭ ‬وليست‭ ‬تنفيذية‭.‬

‭ ‬أطر‭ ‬قانونية‭ ‬وتجارب‭ ‬دولية

مراكــز‭  ‬الشرطة‭ ‬تنظر‭ ‬للعنف‭  ‬كـ‭ ‬‮«‬شأن‭ ‬عائلي‮»

المحامي‭ ‬أنور‭ ‬الشريف‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬غياب‭ ‬نصوص‭ ‬محددة‭ ‬حول‭ ‬العنف‭ ‬الأسري‭ ‬يخلق‭ ‬فجوة‭ ‬تشريعية‭ ‬كبيرة،‭ ‬ويصعب‭ ‬تحريك‭ ‬الدعوى‭ ‬قبل‭ ‬وقوع‭ ‬الجريمة‭.‬

وأشار‭ ‬إلى‭ ‬تجارب‭ ‬تونس‭ ‬والمغرب‭ ‬والأردن،‭ ‬حيث‭ ‬أقرت‭ ‬قوانين‭ ‬شاملة‭ ‬لحماية‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال،‭ ‬تضمنت‭ ‬أوامر‭ ‬حماية‭ ‬فورية،‭ ‬وحدات‭ ‬شرطة‭ ‬متخصصة،‭ ‬ومراكز‭ ‬إيواء‭ ‬آمنة‭..‬هذه‭ ‬التجارب‭ ‬أثبتت‭ ‬نتائج‭ ‬ملموسة‭ ‬في‭ ‬تقليل‭ ‬الجرائم‭ ‬الأسرية،‭ ‬فيما‭ ‬يظل‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬بيانات‭ ‬دقيقة‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬صعبًا،‭ ‬وتعتمد‭ ‬غالبًا‭ ‬على‭ ‬بلاغات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬أو‭ ‬الإعلام‭.‬

ما‭ ‬بعد‭ ‬الجريمة‭.. ‬تحقيقات‭ ‬بلا‭ ‬نتائج

في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬تُهز‭ ‬البلاد‭ ‬بجريمة‭ ‬أسرية،‭ ‬تتحرك‭ ‬بيانات‭ ‬التنديد‭ ‬والتحقيقات‭ ‬العاجلة،‭ ‬ثم‭ ‬يُغلق‭ ‬الملف‭ ‬مع‭ ‬الوقت‭ ‬دون‭ ‬نتائج‭ ‬واضحة‭.‬

يقول‭ ‬أحد‭ ‬الحقوقيين‭ ‬في‭ ‬بنغازي‭ (‬رفض‭ ‬ذكر‭ ‬اسمه‭): ‬‮«‬لدينا‭ ‬مشهد‭ ‬متكرر؛‭ ‬مأساة،‭ ‬غضب،‭ ‬بيانات،‭ ‬ثم‭ ‬نسيان‭. ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬نظام‭ ‬وطني‭ ‬لمتابعة‭ ‬هذه‭ ‬القضايا‭ ‬أو‭ ‬لقياس‭ ‬مدى‭ ‬تكرارها‭. ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬يُترك‭ ‬للصدفة‭ ‬أو‭ ‬لمواقع‭ ‬التواصل‮»‬‭.‬

بين‭ ‬القانون‭ ‬والوعي‭.. ‬الطريق‭ ‬إلى‭ ‬الأمان

يرى‭ ‬الخبراء‭ ‬أن‭ ‬الحل‭ ‬يبدأ‭ ‬بإقرار‭ ‬تشريع‭ ‬خاص‭ ‬بالعنف‭ ‬الأسري،‭ ‬لكن‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭ ‬عنده‭. ‬فالقانون‭ ‬وحده‭ ‬لا‭ ‬يكفي‭ ‬دون‭ ‬إصلاح‭ ‬ثقافي‭ ‬ومؤسساتي‭ ‬يُعيد‭ ‬تعريف‭ ‬مفهوم‭ ‬الحماية‭ ‬داخل‭ ‬الأسرة‭.‬

وتختتم‭ ‬المحامية‭ ‬مروة‭ ‬مفتاح‭ ‬بقولها‭: ‬‮«‬القضية‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬في‭ ‬النصوص،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬الإرادة‭. ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نؤمن‭ ‬أن‭ ‬الوقاية‭ ‬من‭ ‬العنف‭ ‬ليست‭ ‬ترفًا،‭ ‬بل‭ ‬مسؤولية‭ ‬جماعية،‭ ‬تبدأ‭ ‬من‭ ‬الأسرة‭ ‬وتنتهي‭ ‬بالدولة‮»‬‭.‬

  ‬الموت‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يكون‭ ‬الشرط‭ ‬الوحيد‭ ‬للحماية

بينما‭ ‬يواصل‭ ‬الليبيون‭ ‬نعي‭ ‬ضحاياهم‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬حادثة‭ ‬جديدة،‭ ‬يظل‭ ‬السؤال‭ ‬الأعمق‭ ‬معلقًا‭:‬

إلى‭ ‬متى‭ ‬سيبقى‭ ‬الموت‭ ‬هو‭ ‬الشرط‭ ‬الوحيد‭ ‬لفتح‭ ‬الملفات‭ ‬وسماع‭ ‬صوت‭ ‬الضحايا؟

Share this content: