غياب بلا عزاء
كيف يبتلع التراب الليبي أبناءه دون أثر
أمّ تنام على وسادةٍ تبللت بالدموع، زوجة تحاور الصمت كل مساء، وطفل يسأل كل صباح: “متى يرجع أبي؟”.
هكذا تمضي حياة أسر المفقودين في ليبيا، بين سؤالٍ لا جواب له، وحلمٍ يرفض الموت..
تحقيقنا هذا محاولة للغوص في أعماق وجعهم الصامت، وسبر تفاصيل أيامهم المعلقة بين الأمل والفقد.
هناك قصص وحكايات مؤلمه عن أبٌ خرج ولم يعد وأخ فُقد في لمح البصر بقيت أسرهم تعاني من ألم الفقد وفقدان الأمل..
تحقيق : منى الشلحي
لبداية كانت لقصة أب ترك أسرة تكمد وجعها حوالي أربع عشرة سنة يرويها شقيقه من منطقة غرغور
في تلك الليلة التي دوّى فيها صوت الحرب حول باب العزيزية، كانت طرابلس تعيش لحظة حاسمة من أحداث ثورة 17 فبراير. خرج عمر – أب لتسعة أطفال – يحمل حلمًا صغيرًا بوطن آمن، ولم يكن يعلم أنه يترك خلفه بيتًا يغرق في الصمت وزوجة لم يذق قلبها طعم الراحة منذ ذلك اليوم.
صورة معلّقة على جدارٍ صامت، وملامح تتآكلها الأيام بين الرجاء والخوف.
هنا، لا يُقاس الوقت بالساعات، بل بعدد المرات التي طرقت فيها قلوب الأمهات أبواب الأمل… ولم يفتح أحد.
هو الغياب الذي لا يُغلق ملفّه، والانتظار الذي تحوّل إلى نمط حياة.
في هذه البيوت، تُشعل الشموع لا للفرح، بل لئلا تنطفئ الذكرى…
أربعة عشر عامًا مرت، والأبناء كبروا بلا عناق الأب، بلا كلمة “يا ولدي” التي كانت تملأ البيت دفئًا.
شقيقه يقول بصوتٍ مبحوح:
خرج عمر تلك الليلة ولم يرجع… بحثنا عنه في كل مكان، في السجون والمستشفيات وحتى بين القبور… لكن لا أثر، لا جثمان، لا وداع.”
تحوّل الانتظار إلى عادة يومية، والزوجة البائسة ما زالت تعدّ الأيام بدموعها، علّ الغياب ينتهي بخبر، حتى لو كان موجعًا.
أما خديجة وشقيقها المفقود فهي تحكي قصتها وهي تشدّ على طرف ثوبها كأنها تحاول الإمساك بظل أخيها الذي غاب:
كان عمره خمسة وخمسين عامًا، أعزب، يعيش وحده في مزرعته بمنطقة قصر بن غشير. في حرب طرابلس سنة 2019، انقطعت أخباره فجأة. كنا نظن أنه نُقل أو لجأ إلى مكان آمن، لكن الأمل ظل يذوب مع الأيام.”
وبعد عامين، وصلهم الخبر الذي أوقف الزمن:
“وجدوه في إحدى المقابر الجماعية بترهونة.”
كانت خديجة تقول إنها لم تبكِ حينها فقط، بل شعرت كأن جزءًا من عمرها دُفن معه.
“المقابر الجماعية لم تضم أجسادًا فقط، بل أحلامًا وعمرًا وأمانًا ضاع.”
القصة الثالثة: أم تبحث عن ابنها بين الصور
من ضواحي عين زارة.. في ركن صغير من بيت متواضع، تجلس “أم رمزي تقلب الصور على شاشة هاتفها القديمة. كل صورة لشاب مجهول تُشعل في
قلبها احتمال أن يكون ابنها.
فقدت “عماد” في صيف 2018، بعد أن خرج لمساعدة أحد جيرانه ولم يعد ، كل البلاغات والبحث في السجون والمستشفيات لم يُجدِ نفعًا اخترت حزنها في كلمات
(ما فيش يوم ما نحلمش به… مرات نحس إنه حي، ومرات نحس إنه تحت التراب، بس ما نعرفش وين.)
تحوّل بيتها إلى مزار للانتظار، والجدران تحفظ الدعوات التي لا تنقطع.
“نبي نعرف بس وينه، نبي نرتاح، حتى لو كان تحت الأرض.

أكثر من 7 آلاف ليبي مفقود
وحكايات الفقد الصامتة

أ. امحمد الدعيكي

د. شهد عبدالمنعم
«نبي نعرف وينه»
أم رمزي تقلب الصور بين اليقين والشك لإنهاء 7 سنوات من الحيرة.
هذه ليست كل القصص بل جزء بسيط من الالم والحيرة والوجع …
وفي عمق التجربة الإنسانية، يبقى غياب المفقود جرحًا مفتوحًا في ذاكرة الأسرة والمجتمع، وجعًا يتكرر كل يوم ما بين الانتظار والأمل، والحنين والخوف. حول هذه الحالة المعقدة التي تعيشها كثير من الأسر الليبية، كان لنا هذا اللقاء مع عدد من المختصين في علم النفس والاجتماع، لتسليط الضوء على الأبعاد النفسية والاجتماعية لظاهرة الغياب الطويل.
حدثتنا الدكتورة شهد عبدالمنعم عون أختصاصية نفسية.. والتي اوضحت قائلة :
إن غياب شخص من العائلة، خصوصًا إذا طال لسنوات، يولّد حالة من القلق المزمن والاضطراب العاطفي.
وتقول: “الأسرة تعيش بين مشاعر الأمل والخوف في الوقت نفسه، وهذا التناقض يرهق الجهاز النفسي ويؤثر على العلاقات داخل الأسرة، فتظهر مشكلات مثل التوتر، قلة الصبر، وحتى ضعف الترابط الأسري أحيانًا نتيجة الاستنزاف المستمر”.
وتشير الدكتورة شهد إلى أن الأمل في عودة المفقود يمثل أداة للبقاء والصمود، لكنه إذا طال يصبح مثل جرح مفتوح لا يلتئم.»
وتضيف: هذه الحالة تُعرف بالصدمة المستمرة، إذ يعيش الأهل في دائرة انتظار لا تنتهي، ما يؤدي إلى القلق العام، الاكتئاب، اضطرابات النوم وحتى أعراض جسدية مرتبطة بالضغط النفسي.
وقدّمت الدكتورة شهد مجموعة من الآليات العملية التي تساعد الأسر على التكيّف مع حالة الغياب الطويل:
-التعبير عن المشاعر: مشاركة الحزن والحنين بدلًا من كتمانه.
- بناء حياة متوازنة: الاستمرار في الأنشطة اليومية وعدم رهن الحياة بعودة المفقود.
- الدعم الاجتماعي: وجود شبكة من الأقارب والأصدقاء تخفف من وطأة الغياب.
- الرعاية الذاتية: الاهتمام بالصحة الجسدية والنفسية وممارسة أنشطة تخفف التوتر.
- الدعم النفسي المتخصص: اللجوء إلى أختصاصيين لتفريغ الضغوط وتعلم آليات التكيف.
- خلق معنى جديد: تحويل الألم إلى طاقة عبر

تحديات الـ DNA:
ارتفاع تكلفة المواد وقصر صلاحيتهــا يهــددان عمــل فـرق التعرف علـى الهوية

أ. عبدالعزيز الجعفري

د.سعاد العباني
عمر خرج بحثاً عن وطن
فترك تسعة أطفال ينتظرون «حضن الأب» منذ 15 عاماً
أعمال خيرية أو مبادرات تحمل اسم المفقود، ما يعيد للأسرة توازنها الداخلي.
كذلك حدثتنا الأستاذة د. سعاد محمد العباني.. عضو هيئة تدريس بقسم علم الاجتماع بجامعة طرابلس والتي تقول في مستهل حديثها:
«الحديث عن غياب الفقيد ليس مجرد تناول لحدث مؤلم، بل هو حديث عن توازن الأسرة الليبية وتماسكها الاجتماعي.»
وتوضح أن المجتمع الليبي بطبيعته مجتمع أسري مترابط، والعائلة تمثل جوهر الهوية والانتماء، لذلك فإن غياب أحد أركانها يترك أثرًا نفسيًا واجتماعيًا عميقًا.
وتضيف: «غياب الفقيد — سواء كان نتيجة وفاة أو اختفاء أو غياب قسري — يُحدث شرخًا في البنية النفسية والاجتماعية للأسرة. يعيش أفرادها صدمة، وحزنًا مزمنًا، وقلقًا وجوديًا، خاصة حين يكون الغياب مفاجئًا أو غامضًا. تتبدل الأدوار داخل البيت، فتتحول الأم إلى معيلة، أو يتحمل أحد الأبناء مسؤوليات تفوق عمره، ما يولد شعورًا بالحرمان أو فقدان الأمان.»
الأبعاد الاجتماعية لغياب الفقيد .. وتؤكد أ.سعاد أن غياب أحد أفراد الأسرة يشكل اختبارًا حقيقيًا لقدرتها
على الصمود، قائلة:
«بعض الأسر تواجه تحديات اقتصادية أو عزلة اجتماعية نتيجة الضغوط أو الوصم، في حين تُظهر أسر أخرى قيم التكافل والتعاون التي تميز المجتمع الليبي، حيث يلتف الأقارب والجيران حول العائلة المنكوبة، فيخففون عنها بعض الألم.»
وتتناول أ.سعاد جانبًا إنسانيًا دقيقًا في هذه الظاهرة، موضحة أن “الأمل المؤجل” يمثل حالة يعيشها كثير من الليبيين، ليس فقط في انتظار الغائبين، بل في انتظار تحسن الأوضاع واستقرار الحياة.
وتقول: «الأمل المؤجل مزيج من الرجاء والإحباط، لأن الإنسان يظل معلقًا بين ما يتمنى حدوثه وما يواجهه من واقع صعب.
في ليبيا، نرى أمهات ينتظرن عودة الغائب، وأطفالًا ينتظرون آباءهم، وهذه الحالة تستنزف طاقة الإنسان العاطفية، لكنها أيضًا تبقيه حيًا.»
كذلك التقينا بالسيد “امحمد الدعيكي ” عضو رابطة لجان المفقودين بمدينة بني وليد..
والذي اكد أن عدد المفقودين من المدينة يبلغ نحو 80 مفقودًا، وذلك وفقًا لآخر الإحصائيات الرسمية المعتمدة.
وأوضح الدعيكي أن هناك قاعدة بيانات محدّثة تم إعدادها بعناية لتوثيق جميع المعلومات المتعلقة بالمفقودين، وتشمل الأسماء الكاملة، وتواريخ الميلاد، وتواريخ الفقد، والحالة الاجتماعية، والمناطق التي فُقدوا فيها، بالإضافة إلى الجهات التي يُعتقد أنها كانت وراء حالات الاختفاء.
وأشار إلى أن هذه القاعدة تُعد مرجعًا رسميًا موثوقًا يُعتمد عليه في أعمال التوثيق والمتابعة القانونية والإعلامية.
وأضاف الدعيكي أنه تم التواصل مع الهيئة العامة للبحث والتعرف على المفقودين، والتي أبدت استعدادها الكامل للتعاون والتنسيق في كل ما يتعلق بملف مفقودي بني وليد، بما في ذلك إجراء التحاليل الجينية ومطابقة العينات عند توفر الإمكانيات اللازمة لذلك.
ورغم هذا التعاون، أوضح أن الدعم القانوني والنفسي لعائلات المفقودين ما زال غائبًا تمامًا، حيث لم تُقدَّم حتى الآن أي برامج رسمية لمساندة الأسر أو التخفيف من معاناتها، على الرغم من مرور سنوات طويلة على اختفاء أبنائهم.
وأكد أن هذا الملف يحتاج إلى تعاطٍ جاد ومسؤول من الجهات المعنية والمنظمات الحقوقية، بما يضمن الكشف عن الحقيقة وإنصاف الضحايا وذويهم.
واختتم الدعيكي تصريحه قائلًا إن ملف المفقودين في بني وليد لا يزال جرحًا مفتوحًا في ذاكرة المدينة، وسط مطالبات مستمرة بالكشف عن مصير المفقودين وإنصاف أسرهم.
وأضاف: “بين غياب الدعم النفسي والقانوني وطول سنوات الانتظار، يعيش الأهالي على أمل أن يحمل الغد خبرًا يُنهي هذا الغياب المؤلم، ويعيد للمدينة حقها في الحقيقة والعدالة.
عبدالعزيز الجعفري:
الكرسي الشاغر.. وجرح الأسر الذي لا يلتئم
أكثر من 7 آلاف مفقود في ليبيا والعدد الحقيقي أكبر
والهيئة تعمل وسط تحديات كبيرة
أكد مدير مكتب الإعلام بالهيئة العامة للمفقودين، السيد عبدالعزيز الجعفري، أن ظاهرة الفقد في ليبيا تُعد من القضايا الإنسانية الكبرى التي خلّفتها الصراعات والحروب منذ عام 2011، مشيرًا إلى أن حجم الظاهرة كبير جدًا ومتعدد الأسباب.
وأوضح أن أبرز العوامل التي أدت إلى تفاقمها تتمثل في الحروب والاشتباكات المسلحة، وحالات الاختفاء القسري والانتهاكات التي حدثت خلال فترات الانقسام، إلى جانب الكوارث الطبيعية مثل فيضان درنة الذي زاد من أعداد المفقودين، فضلًا عن بعض الحالات المرتبطة بظاهرة الهجرة غير الشرعية.
وبيّن الجعفري أن عدد ملفات المفقودين المسجلة رسميًا في قاعدة بيانات الهيئة يبلغ 7154 مفقودًا، إلا أن العدد الحقيقي يُعتقد أنه أكبر من ذلك، بسبب عدم إقدام بعض الأسر على الإبلاغ أو فتح ملفات رسمية لدى الهيئة.
وفي حديثه عن الجهود المبذولة في البحث والتقصي، أوضح أن الهيئة تعمل عبر فرقها الميدانية التي تقوم بعمليات استخراج الجثامين من المقابر الجماعية أو الحالات الفردية، إلى جانب ادارة الطب الشرعي التي تتولى أخذ عينات الـDNA من الجثث المجهولة الهوية، وتحدد زمن وسبب الوفاة ومطابقتها مع العينات التي تُؤخذ من ذوي المفقودين.
وأضاف أن الهيئة تسعى باستمرار إلى تحديث قاعدة بياناتها واستقبال البلاغات الجديدة من أسر المفقودين، مؤكدًا أن الجهود أثمرت عن التعرف على عدد كبير من الجثامين وتوثيق آلاف الحالات، خاصة في مناطق ترهونة وسرت ودرنة، مع استمرار العمل للوصول إلى باقي المفقودين في مختلف المناطق.
وفيما يتعلق بالتحديات، أشار الجعفري إلى أن الهيئة تواجه صعوبات كبيرة، في مقدمتها قلة الإمكانيات المادية، وصعوبة العمل الميداني في بعض المناطق نتيجة للوضع الأمني، إلى جانب ضعف التعاون من بعض الجهات الذي يُبطئ الإجراءات.
كما لفت إلى أن بعض المواد الخاصة بالمختبرات المستخدمة في تحليل الـDNA تُعد مرتفعة التكلفة وقصيرة الصلاحية (لا تتجاوز ثلاثة أشهر)، وهو ما يتطلب
ميزانية مالية مستمرة لضمان عدم توقف العمل.
وأكد أن الهيئة تعمل في الوقت ذاته على تنسيق دائم مع مكتب النائب العام والنيابات المختصة، إلى جانب تدريب الفرق الميدانية والفنية لضمان دقة النتائج وسلامة الإجراءات في مختلف مراحل البحث والتعرف على الهوية.
وختم الجعفري حديثه بالتأكيد على أن عمل الهيئة لا يقتصر على الجانب الفني والتقني فقط، بل يحمل بعدًا إنسانيًا عميقًا، يتمثل في مواجهة ألم الأسر، ومنحهم الأمل، وضمان حقهم في معرفة مصير ذويهم.
وأشار إلى أن الهيئة تسعى إلى تقديم الدعم النفسي لأسر المفقودين وتنظيم ورش عمل تُعزز حقهم في المعرفة، إضافة إلى تطوير البوابة الإلكترونية لاستقبال البلاغات وتحسين قاعدة البيانات.
كما تعمل الهيئة على تعزيز الوعي المجتمعي وتشجيع الأسر على التبليغ وفتح ملفات رسمية، مع توسيع نطاق العمل الجغرافي ليشمل مناطق الشرق والغرب والجنوب، حتى تصل الخدمات إلى جميع الأسر.
وفي ختام تصريحه، شدد الجعفري على أهمية تطوير الشراكات المحلية والدولية لضمان أن يجري العمل وفق المعايير الدولية في البحث عن المفقودين والتعرف على هوياتهم وإعادة رفاتهم إلى أسرهم إن أمكن.
Share this content: